العشائر العربية العراقية، تلك المنظومة الاخلاقية القيمية المرتبطة بتراث العراقيين وذكرتهم بمواقفها التاريخية البطولية على مختلف الاصعدة، وما سطرته من ملحمة ابان ثورة العشرين الخالدة وطردها للاستعمار البريطاني، اضافة الى دورها في الحفاظ على النسيج الاجتماعي ومساندة القانون، اخذت تنهار شيئاً فشيئاً وتتنصل عن القيم والمبادئ التي نشأت عليها، وتتحول من ملاذا للخائف والمظلوم الى هاجس يلاحق كل عراقي في يقظته ومنامه.

يعرف الجميع ما كانت عليه العشائر العراقية ومجالسها التي تعتبر مدارس تربوية واخلاقية قبل سقوط النظام الصدامي عام 2003، لكن سرعان ما اخذت تسير باتجاه اخر يخالف تماما ما كانت عليه انذاك، وازدادت الظواهر السلبية فيها ومنها ظاهرة الدكة العشائرية مع انتشار السلاح بشكل متفلت خلال دوامة العنف التي شهدتها البلاد، وأصبحت تلك العادة خطرا كبيرا وتقليدا يهدد استقرار المجتمع وبنيته الاخلاقية.

كان الانسب لمحاربة هذه الظاهرة التي اخذت تتسع، تشريع قوانين من شأنها الحد من هذه الظاهرة وتهذيب بعض الاعراف العشائرية بالرجوع الى الشريعة الاسلامية، وفعلا هذا ما حصل فقد وجه مجلس القضاء الأعلى في (9 نوفمبر2018) بالتعامل مع قضايا ما يعرف بـ(الدگات العشائرية) وفق قانون مكافحة الاٍرهاب، معتبرا أن جرائم التهديد بهذا المسمى تعد صورة من صور التهديد الإرهابي، كما نظمت المرجعية الدينية العليا من خلال وكلائها عدد من الندوات مع شيوخ العشائر في مختلف المحافظات، في محاولة لتهذيب بعض الممارسات العشائرية، تمخض عنها وثيقة عهد تتضمن عددا من البنود، حول ايقاف التعامل ببعض الاعراف التي تتعارض مع ثوابت الاسلام، وقعها زعماء العشائر العراقية.

في نهاية الاسبوع المنصرم، تعرض منزل مدير عام الدفاع المدني اللواء، كاظم بوهان، في منطقة الفضيلية ببغداد الى هجوم مسلح "دكة عشائرية" استمر لساعات، نتيجة خلاف عشائري قديم ما ادى لمقتل نجله واصابة ابن شقيقه بجروح خطيرة، بعد تبادل لاطلاق النار وحرق للمنزل والمنازل المجاورة، كذلك مقتل امرأة واصابة زوجها وابنتها وزوجة ابنها إلى اصابات خطيرة بمنطقة سومر بمحافظة الديوانية بسبب النهوة العشائرية، في وقت وجه فيه القضاء ‏كافة المحاكم بتشديد الأحكام عن جريمة "النهوة العشائرية " واعتبر التهديد فيها فعلا إرهابيا ‏يحاسب بموجب قانون مكافحة الإرهاب، رغم تأخره بذلك.

ما يجري هو استفحال لقانون الغاب حيث باتت السيطرة فيه لمن بيده السطوة والسلاح، فعندما يضرب منزل ضابط كبير في الداخلية، ويقتل اناس لاسباب واهية، يتبين العجز الكبير في مؤسسات الدولة المعنية بتنفيذ القانون، ما يتسبب بنشاط للعشائر التي تبنت بدورها توفير الحماية والدعم لأبنائها، ما يزيد من قوة العشيرة ونفوذها على حساب سلطة الدولة.

المشكلة مع الاسف الشديد ليست في القانون فالمواد الخاصة بأدانة هذه القضايا وغيرها ومعاقبة مرتكبيها كثيرة ومتوفرة، لكن المشكلة الحقيقية في ان تبقى هذه المواد مركونة على الرفوف، وعدم وجود الحزم في تطبيقها وتحويلها الى ممارسات فعلية تلامس واقعنا المتأزم في اغلب مرافقه، فالقانون ليس مجرد أوراق تضم بنود ونقاط بل هو أداة لتنظيم الحياة وردع المقصرين.

يمكن القول ان الحكومة لا تتحمل وحدها انفلات الأوضاع، بل يتحمل ايضا المجتمع بعشائره ومثقفيه وشبابه ومنظماته استمرار هذا النهج العدواني الذي لا يمت باي صلة للدين ولا القانون، ما يستدعي من الجميع مراجعة شاملة ووضع اسس وقواعد سليمة تكون اكثر إنصاتا للمنطق والعقل، وإنشاء ثقافة مجتمعية قادرة على استهجان كل ما من شأنه الإساءة لقواعد العيش بخوف وقلق، لنفض غبار السنين عن قيم ومبادئ اعتادت عليها العشائر للعودة لاشراقتها مرة اخرى.

.....................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0