بقلم:براهما تشيلاني

نيودلهي ـ تُعد تفجيرات عيد الفصح يوم الأحد الماضي في سريلانكا من بين أبشع الهجمات الإرهابية دموية في التاريخ الحديث. إنها تُشير إلى ظهور آفة العدوان الإسلامي في آسيا. تكتسب الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي ينتمي بعضها إلى شبكات أكثر تطرفا، نفوذاً كبيرا في مجموعة من البلدان الممتدة من جزر المالديف إلى أرخبيل الفلبين. لم يعد بالإمكان تجاهل التهديد الذي تشكله.

لقد أصبحت التفجيرات المروعة التي حدثت في سريلانكا بمثابة تذكير بأن آسيا - وليس الشرق الأوسط - هي المنطقة الأكثر تضرراً من الإرهاب. فهي موطن الغالبية العظمى من المسلمين في العالم، كما أنها تستضيف "ملاذات آمنة للإرهابيين"، وهو ما يفسر صعود الحركات المتطرفة الشعبية، فضلا عن سنوات من الرضا من جانب صناع السياسة.

أودت الهجمات الإرهابية في سريلانكا بحياة 359 شخصا (وأُصيب مئات آخرون)، وهو ما يزيد سبع مرات عن مذبحة 15 مارس/آذار التي نفذها عنصري أبيض في مسجدين في كرايستشيرش، نيوزيلندا. كما أن العدد الإجمالي للضحايا أكثر من ضعف عدد الهجمات التي وقعت في مومباي عام 2008 عندما اعتُبر أطول حصار للإرهابيين في العالم الحديث، والتي قام بتنفيذها عشرة مسلحين من باكستان.

من خلال استهداف الفنادق الدولية والكنائس الكبرى، تهدف الجماعات الإسلامية المسؤولة عن تفجيرات سريلانكا بوضوح إلى توجيه ضربة ضد صناعة السياحة السريعة النمو في البلاد، وهي الدعامة الأساسية لاقتصاد البلاد المثقل بالديون. سيؤدي خفض دخل السياح إلى زيادة مدفوعات الفوائد الخارجية المرتفعة لسريلانكا، مما يزيد من حدة المشكلة التي أجبرت البلاد بالفعل على التخلي عن سيطرتها على مينائها الاستراتيجي في المحيط الهندي (هامبانتوتا)، للصين (وهو إنجاز يدل على دبلوماسية فخ الديون الصينية).

يمثل هذا الهجوم صعود الإرهاب الإسلامي في سريلانكا. على الرغم من أن التفجيرات الانتحارية كانت شائعة خلال الحرب الأهلية التي استمرت 26 عامًا في البلاد، والتي حرضت الأغلبية السنهالية العرقية ضد الأقلية التاميلية، فإن سريلانكا لم تشهد من قبل عنفًا منسقًا على هذا النطاق أو هجمات إرهابية كبيرة من قبل المتشددين الإسلاميين.

انتهت الحرب الأهلية في عام 2009، عندما هزم الجيش السريلانكي بوحشية آخر المتمردين الانفصاليين التاميل. لكن نتيجة لذلك، زُرعت بذور الصراع الديني بين السنهاليين البوذيين في البلاد والأقلية المسلمة التي تشكل 10 في المائة من سكان البلاد.

تتركز الغالبية العظمى من السكان المسلمين في سريلانكا في المنطقة الشرقية، حيث يُعزز التمويل السعودي والخليجي صعود الجماعات الجهادية التي تسعى إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. في ظل هذه الظروف، ازدهرت الجماعة التي يُشتبه في أنها نفذت هجوم عيد الفصح الإرهابي، وهي جماعة التوحيد الوطنية. مثل جماعة توحيد سريلانكا وجماعة التوحيد الناشطة في إقليم تاميل نادو في أقصى جنوب الهند، يتمثل هدفها الأساسي في نشر الأصولية الإسلامية المتشددة.

نحن نعلم بالفعل أن المخابرات الهندية أطلعت أجهزة الأمن السريلانكية على مؤامرة تفجير عيد الفصح، وقد كشفت عن المنظمين المزعومين. ومع ذلك، بسبب الصراع السياسي الداخلي بين الرئيس السريلانكي ميثريبالا سيريسينا ورئيس الوزراء رانيل فيكرمسينغ، لم يدرك خذا الأخير ماذا حدث بالفعل. ولذلك، يلقي الكثيرون باللوم الآن على سيريسينا، الذي يشرف على الأجهزة الأمنية (والذين حاول في السابق إبعاد فيكرمسينغ خلال انقلاب دستوري، لكي يتم إسقاطه من قبل المحكمة العليا).

لقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مسؤوليته عن التفجيرات، على الرغم من انهيار حصاره المتطرف في سوريا والعراق وتراجع قادته. مثل تنظيم القاعدة السابق، يسعى تنظيم داعش لإثبات أهميته المستمرة من خلال إعلان مسؤوليته عن الهجمات في المناطق التي ليس له وجود فيها. على الأرجح، لم تكن هجمات سريلانكا مباشرة من تنظيم داعش. ومع ذلك، فقد كانت مستوحاة من نفس الأيديولوجية السامة التي تبنتها داعش: التعصب الوهابي.

لا تزال الوهابية - النسخة الصارمة والمتشددة للإسلام التي تمولها المملكة العربية السعودية وغيرها من شيوخ الخليج - القوة الدافعة للإرهاب الإسلامي. لم يؤدي ذلك إلى ظهور تنظيم "القاعدة" و"داعش" فحسب، بل أيضًا طالبان في أفغانستان، وعسكر طيبة في باكستان، وبوكو حرام في نيجيريا، وحركة الشباب في الصومال. كل هذه المجموعات مدفوعة بالغضب العدمي الذي يولده العداء تجاه غير السنيين ورفض الحداثة.

لسوء الحظ، كما أظهرت الهجمات على سريلانكا ودول آسيوية أخرى، فإن هزيمة داعش في سوريا والعراق زادت من حدة مشكلة الإرهاب، لأن المقاتلين الذين استعدوا للمعركة وتلقوا تدريبات عملية لأشد الهجمات الإرهابية عائدون الآن إلى بلدانهم الأصلية. يوضح وجود هؤلاء العائدين في سريلانكا كيف تمكنت جماعة محلية غير معروفة من تنفيذ مثل هذه الهجمات المعقدة والمتزامنة تقريبًا على ثلاث كنائس وثلاثة فنادق، باستخدام متفجرات عسكرية.

يتواجد هؤلاء العائدون في العديد من الدول الآسيوية الأخرى، من الفلبين وإندونيسيا إلى جزر المالديف وأوزبكستان. مثل أسامة بن لادن وغيره من قادة القاعدة الذين، بدعم من الولايات المتحدة، جاهدوا في الحرب ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، فإن هذا الجيل الجديد من قدامى المحاربين الجهاديين يمكن أن يطارد الأمن في آسيا والشرق الأوسط والغرب لسنوات عديدة قادمة.

لا شك أن التمييز الرسمي ضد المسلمين قد ساهم في تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية، وخاصة في ولاية راخين في ميانمار، وأربع مقاطعات في أقصى جنوب تايلاند، وجزيرة مينداناو جنوب الفلبين. وقد ساهمت في ذلك أيضا المدارس الدينية التي ترعاها السعودية ومنابر شبكات التواصل الاجتماعي التي تسهل جمع الأموال، والتجنيد ونشر الدعاية الجهادية. ونتيجة لذلك، أصبح العنف الجهادي أيضًا يهدد الدول ذات الغالبية المسلمة مثل إندونيسيا وماليزيا وبنجلاديش وكازاخستان. وفي بعض الحالات -وتحديداً في باكستان- تشارك الدول نفسها في تحريض الجماعات المتطرفة.

إذا لم يتم علاج هذا المشكل، فقد يتحول إلى أزمة حاسمة بالنسبة للبلدان الآسيوية في هذا القرن. ولمنع هذه النتيجة، يجب القضاء على مصدر التطرف الجهادي-التعصب الوهابي. وكما قال الزعيم السنغافوري الراحل لي كوان يو، فإن منع الهجمات الإرهابية يتطلب منا القضاء على "ملِكات النحل" (دعاة الكراهية والعنف) التي تُلهم "النحل العامل" (الانتحاريين) ليصبحوا شهداء. يبدو أن الحرب العالمية التي شنتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الإرهاب قد بدأت تفقد قوتها. ما لم يتم القضاء على الإرهاب بشكل نهائي، سيتم فقدان العديد من الأرواح البريئة.

* براهما تشيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز مقره نيودلهي لأبحاث السياسات، وهو مؤلف من الطاغوت الآسيوي، المياه: آسيا جديد ساحة القتال
https://www.project-syndicate.org

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0