باتت آفة التطرف اشهر من نار على علم في اغلب دول العالم، حيث تشكل تهديدا داهما لمعظم دول العالم سواء المستقرة امنيا او المضطربة، إذ بدأ عالم اليوم يخوض حربا جديدة اكثر شراسة وخطورة، مع انتشار التطرف واستخدامه كاسلوب دعائي بغسل الدماغ وغرز براثن العنف والكراهية بالمجتمعات لتحقيق مآرب من اهمها تشويه الاسلام، وثمة صفقات سياسية تقودها دول ذات دهاء سياسي تحارب التطرف والارهاب في الظاهر وتدعمه وتذكيه في الخفاء.

إذ يرى الكثير من المحللين ان هذا التصعيد الأمني المضطرد في فرنسا، هو نتيجة لسياسة تخبط السلطات الاوربية في مواجهة الارهاب، مثل قرار دعم الحرب على الارهاب، فضلا عن تجنيد ودعم بعض المجاميع الإرهابية بصورة غير مباشرة في بعض الدول الساخنة أمنيا، إذ تظهر تلك الأحداث الأمنية المذكورة اعلاه، انقلاب الإرهاب على الذين يدعمونه بحسب وصف هؤلاء المحللين.

ويرى بعض الخبراء بشؤون الارهاب بأن قضية مكافحة التطرف تشكل أهمية كبرى لدى جميع الدول من دون استثناء، وذلك أثر التهديدات الارهابية المتصاعدة نتيجة لتنامي التطرف الذي يجسده ظهور جيل جديد من الجماعات الارهابية مثل داعش وبوكو حرام (في نيجيريا)، إذ بات يشكل تهديدا خطيرة للسلام والامن العالميين.

لذا تسعى السلطات في القارة العجوز بصورة حثيثة الى إيجاد أساليب واستراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب، وتجسد ذلك بـ القمة الدولية ضد "الارهاب" الجهادي في واشنطن، لكن تلك القمة لم تسفر عن اي اجراء عملي ضد ظاهرة العنف والارهاب وهو ما يثير الشكوك حول مدى فعالية مثل هكذا فعاليات لردع التطرف والارهاب.

في حين يرى بعض المحللين أن وراء انتشار هذه الظاهرة رسالة سياسية تشير الى احتمال وجود صراع سياسي – غربي/غربي – حول الهيمنة والنفوذ السياسي، باستخدام أدوت ارهابية لتحقيق أجندات خارجية، فالملاحظ بأن قضية التطرف والإرهاب تشكل ضغطا كبيرا داخل المعترك السياسي الدولي حاليا، مما يعني أن تنامي التطرف سيمثل رمضاء المتطرفين التي تكوي الجميع، لذا يرى بعض الخبراء ان على العالم التوحد ضد التطرف والتصدي لأساليب نشره كالدعاية الموجهة، والحرب النفسية والآن فإن العالم مقبل على بحور دماء وأزمات أمنية اقليمية وربما عالمية لا تحمد عقباها.

التعبئة الدولية ضد التطرف والارهاب فارغة المضمون

في سياق متصل سعت الولايات المتحدة الى تعبئة الاسرة الدولية ضد "الارهاب" الجهادي في قمة عالمية في واشنطن لم تسفر عن اي اجراء عملي، واختتم الرئيس باراك اوباما ووزير خارجيته جون كيري في واشنطن اجتماعا كبيرا استمر ثلاثة ايام "ضد عنف المتطرفين" بحضور ممثلين لأكثر من ستين دولة ومنظمة. بحسب فرانس برس.

وبين المشاركين خصوصا الامينان العامان للامم المتحدة بان كي مون والجامعة العربية نبيل العربي ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني ووزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف ورئيس الاستخبارات الروسي الكسندر بورتنيكوف، واعد البيت الابيض لهذا اللقاء منذ فترة طويلة وكان يفترض ان يثير ضجة كبيرة بعد الاعتداءات الاسلامية في باريس وكوبنهاغن وفي اوج هجوم عسكري ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا.

وقال اوباما "نحن موجودون هنا لاننا موحدون ضد آفة التطرف العنيف والارهاب"، داعيا الحكومات الحليفة لبلده الى "البقاء ثابتة في المعركة ضد منظمات ارهابية"، لكن الرئيس الاميركي حذر من ان هذه المعركة "لا علاقة لها بان نكون يهودا او مسيحيين او مسلمين: فكلنا في المركب نفسه وعلينا ان نتكاتف للخروج من هذه الازمة".

وحرص اوباما مثلما تفعل ادارته منذ أشهر على الا يتحدث عن "مكافحة التطرف الاسلامي" في خطوة وقائية تجنبا للغة قد تنتقد الاسلام لكن المعارضة الجمهورية تنتقدها، ويرى الرئيس الديموقراطي ان "فكرة ان الحرب يخوض حربا ضد الاسلام كذبة مخيفة" وكذلك فرضية "اننا نواجه صدام حضارات"، وكان اوباما دشن ولايته الرئاسية في 2009 بخطاب شهير في القاهرة مد فيه اليد الى العالم الاسلامي.

لكن خصمه السياسي الجمهوري جون ماكين كتب في تغريدة على تويتر ان "فكرة ان الاسلام الراديكالي ليس في حالة حرب مع الغرب كذبة رهيبة"، من جهته، فضل وزير الخارجية الاميركي جون كيري ادراج مكافحة "الارهاب" وخصوصا الاسلامي في مجرى التاريخ المعاصر، والى جانب مشاطرته قلق واشنطن من سيطرة الجماعتين على مساحات واسعة، قال ان اكثر من عشرين الف مقاتل اجنبي من اكثر من مئة بلد التحقوا بتنظيم الدولة الاسلامية في الاشهر الاخيرة بينهم اربعة آلاف جاؤوا من اوروبا، وقال كيري انه امر "غير مسبوق" مشيرا الى انه عدد مماثل للجهاديين الذين توجهوا "للقتال في افغانستان في الثمانينات (...) لكن خلال عقد كامل"، واكد كازنوف من جهته ان "اكثر من 400 شاب فرنسي موجودون حاليا في المنطقة السورية العراقية" و"1400 فرنسي يشاركون بشكل او بآخر في الشبكات القتالية"، واكدت مستشارة الامن القومي في البيت الابيض سوزان رايس التزام بلادها بتسريع تقاسم المعلومات مع حلفائها حول الجهاديين الاجانب، لكن بمعزل عن الدعوات الى "تضامن" الاسرة الدولية، لم يؤد الاجتماع الى اي اجراء ملموس، وقال النائب الجمهوري مايكل ماكول انها "قمة بلا مضمون"، بينما تحدث آخرون عن "ندوة بلا اهمية"، ومع ذلك اشاد بيان البيت الابيض "بخطة عمل ضد التطرف العنيف5" التي تبناها المشاركون ويفترض ان تؤدي الى "تقدم عملي خلال قمة ستعقد على هامش الجمعية العامة للامم المتحدة" في ايلول/سبتمبر المقبل، وقالت رايس "قد نحتاج الى سنوات وربما الى عقود لننجح لكننا سننتصر"، وفي مواجهة الهجمات الوحشية المتزايدة التي يشنها الجهاديون في اوروبا والشرق الاوسط، اكد اوباما انه لا بد من فعل المزيد لمنع الجماعات الجهادية كتنظيمي الدولة الاسلامية والقاعدة من تجنيد شبان وتحويلهم الى متشددين.

العالم الاسلامي يواجه تطرفين اسلاميا وغربيا

على الصعيد نفسه قال المدير العام للمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) ان العالم الاسلامي اليوم يواجه خطر التطرف من جانبين.. الإسلاميون المتشددون والمتطرفون الغربيون الذين يتحينون الفرص للإساءة إلى العرب والمسلمين.

وقال عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة ومقرها الرباط في مقابلة مع رويترز "نحن في الحقيقة نواجه خطرين خطر المتطرفين من المسلمين الذين يشوهون صورة الاسلام وخطر المتطرفين في المجتمعات الغربية الذين يستغلون هذه التشوهات ولديهم الاستعداد للاساءة الى المسلمين ومعتقداتهم"، وأضاف "هي عملية صعبة لاننا نحتاج الى جهد كبير والى تعاون العديد من المنظمات والهيئات في الغرب وفي العالم الاسلامي".

وقال التويجري ان موقف الإيسيسكو التابعة لمنظمة التعاون الاسلامي "يصب في اتجاه الثقافة الاسلامية المعتدلة التي تنشر السلم والتسامح والحوار بين المجتمعات الانسانية لان هذا مبدأ قرآني"، وأضاف "نحن نعمل على ان نبين للمجتمعات الانسانية كلها ان المسلمين هم جزء من المجتمع الانساني وفيهم العاقل وغير العاقل والمعتدل وغير المعتدل كما هو الشأن لكل المجتمعات الانسانية لذلك لا يجوز ان يتهموا الاسلام بالجرائم والانحرافات التي يمارسها قلة من المسلمين"، واعتبر انه "لو اتخذنا ذلك معيارا لاتهمنا مجتمعات أخرى بالجرائم التي يرتكبها بعض ابنائهم وهذا من غير العدل والموضوعية". بحسب رويترز.

وسارعت الإيسيسكو إلى اصدار بيان بخصوص مقتل ثلاثة طلبة مسلمين في ولاية نورث كارولاينا الامريكية قبل نحو اسبوع واصفة قتلهم "بالجريمة البشعة" و"النكراء" واستنكرت الصمت الاعلامي والرسمي في الولايات المتحدة ازاء هذه الجريمة اذ لم يبادر الرئيس الأمريكي باراك اوباما الى ادانتها الا مؤخرا تحت ضغط وسائل التواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني، وقال التويجري ان هذا "يبين حيفا واضحا في التعامل مع المسلمين وتقصدا في عدم تبيان ما يتعرضون له احيانا من اعتداءات وعنصرية".

ومن جهة أخرى اعتبر ان العنف والفكر المتطرف الذي يسود بعض المناطق العربية وما يترتب عنه من اراقة للدماء "مخالف لتعاليم الاسلام.. وان ادعى مرتكبوها انهم مسلمون"، واضاف "الاسلام دين الوسطية والاعتدال والرحمة والذين يرتكبون هذه الجرائم ويتطرفون هم يخالفون تعاليم الاسلام".

وتأسست الإيسيسكو عام 1981 بقرار صادر عن مؤتمر القمة الاسلامي الثالث بمكة المكرمة في اطار منظمة التعاون الاسلامي بهدف تقوية العلاقات بين الدول الاعضاء في المنظمة في مجالات العلوم والثقافة ضمن المرجعية الاسلامية.

ودافع التويجري عن اللغة العربية وقال ان من بين اهداف الإيسيسكو الحفاظ على اللغة العربية والدفاع عنها وحمايتها من الهجمات التي تتعرض لها، وقال التويجري الحاصل على رسالة الماجيستر في اللغة الانجليزية من جامعة اوريجون الامريكية "اللغة العربية هي لغة حضارتنا العربية الاسلامية ولغة قرآننا الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف ولغة موروثنا الثقافي الذي تركه لنا الاسلاف"، وأضاف "صحيح هناك لهجات لكن اللغة العربية هي الأصل".

وعن خروج بعض الجهات في العالم العربي بين الفينة والاخرى بمطالب بإزاحة اللغة العربية والتدريس بلغات أجنبية أو لهجات محلية كما حدث في المغرب العام الماضي حيث دار جدل كبير بين المثقفين المغاربة حول امكانية تطوير العامية المغربية مستقبلا والتدريس بها واعتمادها كلغة أم قال التويجري "اليوم نشاهد ان اللغة العربية تزاح بشكل كبير من قبل العاميات كما تشهد هجمة خارجية تقف وراءها بعض الدوائر التي لا تحب العرب والمسلمين متهمة العربية بانها عاجزة عن مواكبة التطورات الخارجية وهذا غير صحيح"، وأضاف "اللغة العربية لغة قوية وقادرة ان تواكب كل مستجدات الحياة. فيها خاصيات كثيرة وهي لغة تنمو ومحفوظة بحفظ الله تبارك وتعالي للقرآن الكريم".

وقال ان العالم العربي "اذا ترك اللغة العربية الفصحى واشتغل بالعاميات عندئذ ستكون هناك قطيعة بين شعوب العالم الاسلامي وبخاصة الدول العربية وبين الدين والتراث والموروث الثقافي"، كما اعتبر ان مصير العربية في حالة التخلي عنها لصالح اللهجات "سيكون كمصير اللاتينية التي توارت من قبل"، وطالب بأن "تكون لنا قوانين تحمي اللغة العربية كما هو الشأن بالنسبة لعدد من شعوب العالم التي تتمسك بلغاتها وتحميها".

الجهاديون قتلوا أكثر من خمسة آلاف شخص بالعالم

الى ذلك قتل أكثر من خمسة آلاف شخص على يد المسلحين الإسلاميين في العالم خلال شهر واحد وفق دراسة مشتركة أجرتها البي بي سي والمركز الدولي لدراسة التطرف بلندن، أظهرت دراسة نشرت أن هجمات المسلحين الإسلاميين في أنحاء العالم أدت إلى مقتل 5042 شخصا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، ما يثبت أن التطرف الارهابي "أقوى من أي وقت مضى" رغم ضعف دور تنظيم "القاعدة". بحسب فرانس برس.

وذكرت الدراسة المشتركة التي أجرتها البي بي سي والمركز الدولي لدراسة التطرف التابعة لكلية لندن كنغز كوليدج أن 664 هجوما وقعت في 14 بلدا خلال الشهر الماضي، وأشارت الدراسة إلى أن مقاتلي التنظيم الارهابي كانوا مسؤولين عن نصف أعمال العنف وعددها 308 هجوما أدت إلى مقتل 2206 أشخاص، وقالت الدراسة إن تلك البيانات "توضح أن الجهاديين والقاعدة لم يعودوا جبهة واحدة"، وأضافت أن 60% من عمليات القتل نفذتها جماعات ليس لها علاقات سابقة بتنظيم القاعدة مشيرة إلى ظهور "حركة متزايدة الطموح والتعقيد والتطور والانتشار"، وتابعت "يبدو من الواضح أن الحركة الجهادية .. أقوى من أي وقت مضى وأن مواجهتها ستشكل تحديا على مدى جيل".

وأشارت الدراسة إلى أن أكثر الدول تضررا هو العراق -حيث شكل عدد القتلى ثلث الحصيلة الشهرية- تليها نيجيريا وأفغانستان وسوريا. وهذه الدراسة هي الأولى من نوعها بحيث لا يمكن مقارنتها مع أية إحصاءات شهرية سابقة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0