لورا تايسون، جيمس مانيكا

 

بيركلي- عادة ما ينظر للأرباح المرتفعة على إنها تدل على النجاح الإقتصادي أي نتيجة الإبتكار والفعالية وذلك من خلال المنافسة الشريفة ولكن كما أشار تقرير نشر مؤخرا من قبل مجلس المستشارين الإقتصاديين الإمريكيين فإن هناك سبب آخر للأرباح المرتفعة وهي تركز قوى السوق.

يشير التقرير إلى عدة مؤشرات لتناقص التنافس في الإقتصاد الأمريكي بما في ذلك الإنحدار طويل المدى في تشكيل الشركات الجديدة وتراكم الأرباح لدى مجموعة صغيرة من الشركات ومن أجل تطبيق توصيات التقرير أصدر الرئيس الإمريكي باراك أوباما مؤخرا أمر تنفيذي يدعو جميع وكالات الحكومة الأمريكية لإستخدام سلطتها من أجل الترويج للتنافس.

إن هذه لحظة مهمة من أجل تقييم حالة التنافس في عدة قطاعات. إن العديد من الصناعات الأمريكية بما في ذلك بعض من أكثرها إبتكارا تهيمن عليها حفنة من الشركات الضخمة وبعضها تتمتع بحصص كبيرة جدا في السوق وتحقق عوائد تتجاوز بكثير معدلاتها التاريخية وهناك بعض الشركات التي تراكم النقود أو تستحوذ على المنافسين عوضا عن إستخدام عوائدها في بناء القدرات الإنتاجية.

مهما يكن من أمر سيكون من الخطأ أن نستنتج بإن ضعف المنافسة يحرك هذه الإتجاهات الإقتصادية غير الإعتيادية فهي تقع في سياق دينامية قطاعية متغيرة بسرعة ورقمنة سريعة.

إن أرباح الشركات هي في أعلى مستوياتها ولكن تباينها بين الشركات والصناعات قد زاد أيضا بشكل كبير فالشركات الأكثر ربحية في الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد في الصناعات الثقيلة بل في قطاعات تستثمر في الأبحاث والتطوير والعلامات التجارية وبرامج الحاسوب والحلول الحسابية. إن الشركات في قطاعات مثل الصناعات الدوائية والإعلام والمالية وتقنية المعلومات والخدمات التجارية تتمتع بأعلى هوامش الربح وحتى مع إستبعاد التمويل فإن حصة تلك القطاعات من أرباح الشركات الأمريكية زادت بشكل كبير من 25% سنة 1999 إلى 35% سنة 2013.

إن ربحية الشركات تحركها بشكل متزايد القدرات الرقمية وفي القطاعات الإقتصادية الأكثر تقدما من الناحية الرقمية فإن هامش الربح نما 2-3 مرات أسرع من المتوسط وحتى ضمن تلك القطاعات هناك تفاوت كبير بين الشركات الأفضل أداءا وبقية الشركات. إن متغير "الرابح يأخذ كل شيء" للإقتصاد الرقمي لا يحقق أرباح لم يسبق لها مثيل فحسب للشركات القيادية بل إنه يسرع من رتم الإبتكار ويوسع المجالات التي يمكن للشركات أن تدخلها وتؤسس بسرعة قوة سوقية.

إن هناك أيضا العديد من الأسباب التي تجعل بعض الشركات تقرر أن تراكم عوائدها فأولا بينما لم يستعيد الإستثمار الإجمالي في الأعمال التجارية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي نشاطه منذ الأزمة المالية لسنة 2008 فإن النمو في الإستثمار كان متوافقا مع العلاقة التاريخية مع نمو الإنتاج وعلى المستوى الإقتصادي الإجمالي فإن نمو الإستثمار كان ضعيفا بسبب الضعف الشديد للنمو الإقتصادي وفي الوقت نفسه فإن نمو الإستثمارات كان قويا في قطاعات مثل التقنية وحتى وقت قريب الطاقة حيث كانت هناك توقعات بتزايد الطلب وبينما تنتظر بعض الشركات الأمريكية حصول طلب أكثر في الولايات المتحدة الأمريكية فإنها قامت بالإستثمار في الأسواق الأجنبية وذلك نظرا لحجمها ونموها المتوقع.

ثانيا، إن قضايا القياس قد تجعل أرقام الإستثمار أقل وضوحا. إن سعر المعدات الرأسمالية وخاصة معدات تكنولوجيا المعلومات والإتصالات قد إنخفضت بشكل كبير منذ الثمانينات مع تحسن في نوعيتها مما يعني أن الإستثمار بالإسعار الحقيقية وعلى أساس ضبط الجودة يمكن أن يكون أقوى بكثير من الإحصاءات الرسمية.

ثالثا، إن الشركات التي تعتمد على الرقمنة بشكل كبير وليس فيها أصول كثيرة تتمتع بحضور أكبر بكثير في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بالعقد الماضي فبسبب طبيعتها لا تحتاج تلك الشركات للكثير من المصانع والمعدات ومواكب السيارات فالتركيز على إستثماراها في رأس المال الفعلي يتجاهل قدرتها على جني العوائد من الملكية الفكرية وغيرها من الأصول غير المحسوسة كما إنه يغفل عن إستثمار تلك الشركات في الأبحاث والتنمية وأصول الملكية الفكرية وفي واقع الأمر فلقد وصل الإستثمار في الأبحاث والتنمية لأرقام غير مسبوقة وذلك بفضل الشركات التي تركز على الأفكار والتي تنافس من خلال الإبتكار.

في الوقت نفسه هناك العديد من الشركات القيادية في القطاعات التي تعتمد على الأفكار بشكل كبير تستخدم أموالها الضخمة في النمو من خلال الإندماج والإستحواذ وكلما كبرت تلك الشركات وزادت ربحيتها كلما استخدمت الإندماج والإستحواذ كأحد الطرق القليلة المتوفرة لإستمرار النمو.

في واقع الأمر فإن كل هذا قد يسرع من عملية تركز قوى السوق ولكن من الأهمية بمكان ملاحظة بإن تأثيرات تركز قوى السوق تتغير ففي أعداد متزايدة من الأسواق الرقمية والتي تستحوذ فيها عدة شركات رقمية على أسهم قيادية ليست هناك أدلة بإن قوة السوق تؤدي لأسعار أعلى بل على العكس من ذلك اكتسب الزبائن مجموعة من الخدمات المجانية والفرص.

إن المخاوف الأكثر شيوعا والمتعلقة بتركز قوى السوق يمكن أن تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات ولا تتعلق بقوة التسعير وفي واقع الأمر بدأ البعض بالتساؤل عن ما إذا كان جمع كميات كبيرة من البيانات والتحكم بها من قبل شركات ضخمة قليلة تتمتع بحصص كبيرة في السوق قد يكون عاملا معاديا للتنافس مما يخلق عوائق لا يمكن تذليلها فيما يتعلق بدخول السوق للمبتكرين المحتملين.

لكن في الوقت نفسه فإن بعضا من المنصات الرقمية الأضخم بسبب طبيعتها يمكن أن تروج للمنافسة بينما تحسن الشفافية في الأسواق وتمكن ملايين الشركات الصغيرة من الوصول للزبائن والموردين حول العالم. لقد وجدت دراسة أجريت مؤخرا بإن المنصات الرقمية يمكن أن تساعد الشركات الصغيرة في زيادة معدلات التصدير لديها بشكل كبير.

إن من الممكن أن حقبة "ذروة الأرباح " والتي أثارت مخاوف عن قوة السوق شارفت على النهاية فالمؤسسات الأمريكية حقق نجاحات مذهلة خلال العقود الثلاثة الماضية ولكن الأرباح بدأت بالتراجع من 11،5% من الدخل الوطني سنة 2012 إلى 9،5% في العام الماضي واليوم تتصاعد الأجور كما أن تكاليف الاقتراض ليس لديها مجال إلا أن تزيد وسياسات الضرائب التجارية تحت التدقيق.

بالإضافة إلى تلك التحولات فإن رقمنة النشاط التجاري الأمريكي ما تزال في مراحلها المبكرة فلقد قدرت الأبحاث التي أجريت مؤخرا بإن الإقتصاد الأمريكي قد حقق فقط 18% من إمكانياته الرقمية وبينما يستمر التحول الإقتصادي فإن عالم الشركات قد يصبح أكثر دارونية وفي واقع الأمر فإن العديد من الشركات الرقمية العملاقة لم تكن موجودة قبل عقد من الزمان ومن المكن أن لا تعد موجودة بعد عقد من الان. إن قادة السوق اليوم قد يبدو أنه لا يمكن قهرهم ولكن من الممكن دائما الإطاحة بهم من خلال الأشياء الجديدة القادمة.

* لورا تايسون رئيسة سابقة لمجلس الرئيس الأمريكي للمستشارين الإقتصاديين وأستاذة في كلية هاس للإقتصاد في جامعة كالفورنيا، جيمس مانيكا مدير معهد ماكينزي العالمي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1