في الاقتصاد التقليدي (الكلاسيكي الجديد) ترتكز عملية القرار على عدة خيارات تقود في النهاية الى أفضل مستوى من المنفعة الفردية. معظم نظريات الاقتصاد التقليدي تُصاغ وتُستخدم في ظل الافتراض بان الافراد المشاركين في الفعالية او النشاط الاقتصادي انما يتصرفون عقلانيا. الذات في الاقتصاد التقليدي يمكن تصورها كوحدة رشيدة منسجمة غير متناقضة يتم تجسيدها بعلاقة تامة، منفردة وتفضيلية.

اما الاقتصاد السلوكي فهو يدرس تأثير العوامل السايكولوجية والاجتماعية والادراكية والعاطفية على القرارات الاقتصادية للأفراد والمؤسسات ونتائج ذلك على الاسواق والارباح وتخصيص الموارد. الاقتصاد السلوكي يركز بالأساس على محدودية وعقلانية الافراد الاقتصاديين. النماذج السلوكية تضم رؤى متعددة من علم النفس والقانون والسوسيولجي ونظرية الاقتصاد الجزئي. وبهذا فان هذه النماذج تغطي نطاقا واسعا من المفاهيم والطرق والحقول. الاقتصاد السلوكي احيانا تتم مناقشته كبديل للاقتصاد الكلاسيكي الجديد، وهو يسعى لمعرفة الكيفية التي تُصنع بها قرارات السوق والآلية التي تقود الخيار العام.

كان الاقتصاد الجزئي اثناء الفترة الكلاسيكية مرتبطا بقوة بالسايكولوجي. آدم سمث، مثلا، كتب نظرية العواطف الاخلاقية التي طرحت تفسيرات سايكولوجية لسلوك الفرد بما فيه مسائل حول العدالة والانصاف، اما جرمي بنهام كتب بكثافة عن الاطر السايكولوجية للمنفعة. ولكن حين برز الاقتصاد الكلاسيكي الجديد سعى الاقتصاديون لعرض الموضوع كعلم طبيعي، مستنتجين سلوك اقتصادي من الافتراضات حول طبيعة الوكلاء الاقتصاديين، حيث طوروا مفهوم الـ homo economics او الانسان الاقتصادي الذي فيه السايكولوجي كان عقلانيا في الاساس.

الفروق بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد السلوكي:

1- الاقتصاد التقليدي يرى ان التحليلات الاقتصادية والافتراضات حول الناس لا حاجة لكي تكون واقعية. اما الاقتصاد السلوكي يرى ان الافتراضات حول الناس يجب ان تكون واقعية.

2- في الاقتصاد التقليدي، الناس لديهم المقدرة على اكتساب ومعالجة المعلومات الملائمة بكفاءة وفاعلية عاليتين. اما الاقتصاد السلوكي يرى ان الناس ليست لديهم القابلية على اكتساب ومعالجة المعلومات بطريقة فعالة. الناس عادة ذوي عقلانية محدودة، حيث انهم يقومون بأفضل ما يستطيعون في ضوء ما يواجهون من قيود.

3- في الاقتصاد التقليدي يستطيع الناس حساب التأثيرات المستقبلية للقرارات الحالية، اما في الاقتصاد السلوكي لا يستطيع الناس دائما تقدير النتائج المستقبلية لقرارات الحاضر خاصة في ظروف عدم اليقين التي تحيط بعالمنا الواقعي.

4- الناس في الاقتصاد التقليدي يمكنهم دائما اتخاذ قرارات ذكية لا يشعرون معها بالإحباط والفشل. في المقابل، يمكن للناس في الاقتصاد السلوكي عمل قرارات ينتهي بعضها بالفشل.

5- يستطيع الناس دائما عمل قرارات في بيئة مثالية، حيث تتوفر لديهم جميع المعلومات التي يحتاجونها والوقت الكافي لعمل افضل القرارات. اما في الاقتصاد السلوكي فان الناس يواجهون بيئة تمنعهم من عمل أفضل الخيارات الممكنة.

6- تعظيم الدخل والثروة هو كل ما يهم في الاقتصاد التقليدي. اما في الاقتصاد السلوكي ليست الثروة والدخل هو المهم. العدالة، عمل الاشياء المناسبة، الاحتفاظ بالسمعة الحسنة، إسعاد الاصدقاء والجيران هو المهم حتى لو جاء ذلك على حساب الدخل والثروة.

7- الموقع النسبي لا يهم في الاقتصاد التقليدي. لا يهم كم يحصل جارك من النقود، المهم كم تحصل انت. في الاقتصاد السلوكي الدخل النسبي له اهمية في سعادة الناس تماما كما في الدخل المطلق.

8- الناس في الاقتصاد التقليدي لا يتأثرون باي شيء او اي شخص آخر. اما في الاقتصاد السلوكي يتأثر الناس بظروفهم والزملاء والماضي.

9- الناس في الاقتصاد التقليدي تحكمهم المصلحة الذاتية وهذه هي الطريقة العقلانية الوحيدة. في الاقتصاد السلوكي بعض الناس تحكمهم المصلحة الذاتية ولكن التضحية والاخلاق هي ايضا حوافز هامة للسلوك.

10- مقدار ما يبذلهُ الناس من مشقة في العمل يُفترض ان يكون ثابتا في نقطة قصوى. ولذلك، لا يغير الناس طريقتهم في العمل، وانتاجيتهم لا يمكن ان تتأثر ببيئة العمل. اما في الاقتصاد السلوكي فان الكيفية التي يعمل بها الناس تتقرر ببيئتهم وبتفضيلاتهم الشخصية. وبالتالي، فان الانتاجية والتكاليف والاسعار يمكنها ان تتأثر ببيئة العمل.

11- في الاقتصاد التقليدي الناس دائما متشابهون، اما في الاقتصاد السلوكي يختلف الناس حسب اذواقهم ورغباتهم.

12- الاسواق في الاقتصاد التقليدي هي فعالة حتى عندما تبدو غير فعالة. الفاعلية موجودة في كل مكان. اما في الاقتصاد السلوكي يمكن ان تكون الاسواق غير فعالة، وعندما تبدو غير فعالة فهي حقا كذلك.

نقد الاقتصاد السلوكي

نقاد الاقتصاد السلوكي يركزون على عقلانية الافراد الاقتصاديين. هم يؤكدون على ان السلوك المُلاحظ تجريبيا له تطبيقات محدودة على مواقف السلوك.

آخرون لاحظوا ان نظريات الادراك مثل prospect theory هي نماذج لصنع القرار، وليست تعميم لسلوك اقتصادي، وهي تُطبّق فقط على نوع من مشاكل لقرارات احادية تُعرض على المشاركين في التجربة او المستجيبين للاستبيان.

لكن المناصرين للاقتصاد السلوكي يرفضون ذلك ويرون ان نماذج الكلاسيك الجدد تفشل في التنبؤ بالنتائج في سياق العالم الواقعي. الرؤى السلوكية يمكنها ان تؤثر على نماذج الكلاسيك الجدد. هذه النماذج المعدلة، كما يرى السلوكيون، لا تصل فقط الى نفس التنبؤات الصحيحة للنماذج التقليدية وانما هي ايضا تتنبأ بالمحصلات التي تفشل النماذج التقليدية في الوصول اليها.

ان الاقتصاد السلوكي يثري الاقتصاد التقليدي بدمج افكار من حقول متعددة. النتيجة من كل ذلك هي تحليلات اقتصادية أكثر قوة وحيوية ترتكز على افتراضات أكثر واقعية حول الافراد والطريقة التي يتصرفون بها في العالم الواقعي والظروف التي تؤثر على سلوكهم.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0