يتناول المقال مفارقة المجتمع الأمريكي الذي حقق تقدمًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا، بينما تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات ومشاعر الأمان والتفاؤل. ويحلل تأثير وسائل التواصل وجائحة كورونا والاستقطاب السياسي والذكاء الاصطناعي في العلاقات الاجتماعية وإدراك الواقع والمستقبل. كما يستعرض مؤشرات العزلة وتراجع الصداقات، ويؤكد أهمية المؤسسات الموثوقة والروابط الإنسانية والعدالة الاقتصادية...
تعيش الولايات المتحدة مفارقة اجتماعية لافتة، تتمثل في التباعد المتزايد بين مؤشرات التقدم الاقتصادي والتكنولوجي من جهة، والشعور العام بالاستقرار والثقة والتفاؤل من جهة أخرى. فقد حقق المجتمع الأمريكي خلال العقود الماضية مستويات مرتفعة من الثروة والإنتاج والابتكار، وتوسعت قدرته على تطوير التكنولوجيا والخدمات الصحية والاتصالات، بينما تكشف استطلاعات الرأي عن تراجع الثقة بعدد من المؤسسات الكبرى، وتصاعد القلق بشأن المستقبل، وتنامي الشعور بالعزلة والاضطراب الاجتماعي لدى فئات من السكان.
وتثير هذه المفارقة سؤالًا يتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية: لماذا يستطيع مجتمع أن يصبح أكثر ثراءً وتقدمًا من الناحية المادية، بينما يشعر كثير من أفراده بأن حياتهم أصبحت أقل استقرارًا، وأن المستقبل يحمل مخاطر أكبر من الفرص؟ وما الذي يجعل الإنسان أكثر قلقًا بشأن واقع يتوافر فيه قدر من المعرفة والتكنولوجيا والموارد لم تعرفه الأجيال السابقة؟
تتصل الإجابة بطبيعة التحولات التي أعادت تشكيل الحياة الأمريكية خلال العقدين الماضيين. فقد أدى الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى تغيير الطريقة التي يتلقى بها الأفراد المعلومات ويفسرون الأحداث، بينما جاءت جائحة كورونا لتحدث اضطرابًا عميقًا في العلاقات الاجتماعية والأنشطة اليومية والمؤسسات التعليمية والمهنية. ثم دخل الذكاء الاصطناعي إلى الحياة العامة بسرعة كبيرة، بالتزامن مع تصاعد الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمصادر التقليدية للمعرفة، وتزايد المخاوف المتعلقة بمستقبل العمل والدخل والاستقلال الشخصي.
وقد تناول الكاتبان جيم فانديهاي ومايك ألين هذه التحولات في مقال تحليلي نشرته منصة «أكسيوس» في الأول من يونيو/حزيران 2026، بعنوان «الجيل المضطرب.. تفسير شامل للحظة الأمريكية». ويقدم المقال محاولة لفهم حالة الاضطراب التي يعيشها المجتمع الأمريكي، من خلال الربط بين ثلاث موجات متراكمة: الثورة الرقمية، والتداعيات الاجتماعية لجائحة كورونا، ثم التسارع التكنولوجي والسياسي والمعلوماتي الذي أعقبها.
ويرى الكاتبان أن هذه التحولات أنتجت حالة من عدم اليقين الاجتماعي، جعلت قطاعات واسعة من الأمريكيين تواجه صعوبة في الشعور بأن الحياة تسير نحو الأفضل، حتى عندما تشير بعض البيانات العامة إلى تقدم اقتصادي وصحي وأمني.
وتكتسب هذه المعالجة أهمية خاصة عندما توضع إلى جانب الدراسات المتعلقة بالثقة المؤسسية والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية. فالأزمة التي يناقشها المقال لا تتعلق بوجود مشكلات اقتصادية أو سياسية منفصلة، وإنما بتغير البيئة التي يبني الإنسان داخلها إحساسه بالأمان، ويحدد من خلالها علاقته بالمؤسسات والآخرين والمستقبل.
ومن هنا يصبح فهم المجتمع الأمريكي المعاصر مرتبطًا بدراسة التفاعل بين الواقع المادي والإدراك النفسي والعلاقات الاجتماعية، لأن الشعور بالاستقرار لا ينبع من وفرة الموارد وحدها، بل يتشكل أيضًا عبر الثقة بالمؤسسات، وقوة الروابط الإنسانية، ووضوح التوقعات، والقدرة على فهم العالم المحيط والتأثير فيه.
مفارقة التقدم والتشاؤم.. لماذا يختلف الواقع عن الشعور؟
تقوم الفكرة المركزية لمقال أكسيوس على وجود فجوة بين المؤشرات العامة التي تعكس جوانب من التقدم الأمريكي وبين الطريقة التي ينظر بها المواطنون إلى أوضاعهم ومستقبلهم.
فقد أشار الكاتبان إلى ارتفاع الثروة الأمريكية الإجمالية، وتراجع جرائم العنف مقارنة بمستويات تاريخية سابقة، وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى نحو 79 عامًا، ووصول إنتاج الطاقة إلى مستويات قياسية. وهذه مؤشرات مهمة على قدرة الاقتصاد والمجتمع على تحقيق إنجازات تراكمية في مجالات متعددة.
لكن هذه الصورة تتزامن مع نتائج استطلاعات تكشف عن مستويات منخفضة من ثقة المستهلكين وتوقعاتهم الاقتصادية، وتراجع الثقة بعدد من المؤسسات العامة.
ففي مايو/أيار 2026، أظهرت بيانات جامعة ميشيغان انخفاض معنويات المستهلكين إلى مستويات شديدة التدني، بالتزامن مع استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم وتكاليف المعيشة. كما سجلت استطلاعات مؤسسة غالوب تراجعًا في تقييم الأمريكيين للاقتصاد وتوقعاتهم بشأن اتجاهه خلال المرحلة المقبلة.
وتكشف هذه البيانات عن ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة عند تقييم أوضاع المجتمع: مستوى الأداء الاقتصادي والاجتماعي العام، ومستوى التجربة المعيشية المباشرة للأفراد، ومستوى تصوراتهم عن المستقبل.
فقد يرتفع الناتج المحلي الإجمالي، بينما تواجه بعض الأسر صعوبات متزايدة في تحمل تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم. وقد تزداد الثروة الإجمالية، بينما تتركز نسبة مهمة من مكاسبها لدى الفئات المالكة للأصول والاستثمارات، دون أن ينعكس ذلك بصورة متساوية على دخول العاملين.
كما أن تحسن المؤشرات العامة لا يعني اختفاء المشكلات المحلية أو الفردية؛ فقد تنخفض معدلات الجريمة على المستوى الوطني، بينما يظل سكان منطقة معينة يشعرون بعدم الأمان بسبب حوادث قريبة منهم أو تجارب شخصية أو تكرار مشاهدة أخبار العنف.
وتؤثر طبيعة الحياة اليومية في تشكيل هذا الشعور. فالإنسان لا يقيس تقدمه الشخصي من خلال حجم الاقتصاد الوطني وحده، وإنما يقارنه بقدرته على توفير السكن والغذاء والخدمات، والمحافظة على عمل مستقر، وتأمين مستقبل أبنائه، والتعامل مع الظروف الطارئة دون خوف من انهيار وضعه المالي.
وتزداد الفجوة عندما ترتفع التوقعات الاجتماعية بوتيرة أسرع من تحسن الظروف المعيشية. فكلما أصبح الإنسان أكثر اطلاعًا على مستويات الرفاه التي يتمتع بها الآخرون، قد يشعر بأن موقعه يتراجع نسبيًا، حتى إذا تحسنت بعض جوانب حياته مقارنة بالماضي.
وتؤدي المقارنات الاجتماعية دورًا في هذه العملية، خصوصًا عندما يصبح النجاح المادي والمهني والاستهلاكي حاضرًا بصورة مستمرة في البيئة الرقمية.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير التشاؤم بوصفه مجرد انطباع نفسي منفصل عن الواقع. فالمخاوف المتعلقة بأسعار السكن والعمل والديون وتكاليف الخدمات تعبر عن ضغوط حقيقية، حتى عندما تكون المؤشرات الاقتصادية الإجمالية إيجابية.
ولهذا فإن المفارقة لا تتمثل في وجود واقع جيد وشعور سيئ بالضرورة، وإنما في أن التقدم على المستوى الكلي قد يتزامن مع تجارب اجتماعية واقتصادية متباينة، ومع تراجع قدرة بعض الأفراد على الشعور بالأمان والتنبؤ بمستقبلهم.
ومن هنا تتضح أهمية الانتقال من قياس التقدم بالأرقام الإجمالية إلى دراسة كيفية توزيعه، وطريقة إدراكه، ومدى انعكاسه على نوعية الحياة اليومية.
وسائل التواصل الاجتماعي.. كيف تغيرت صورة العالم في أذهان الناس؟
يضع كاتبا أكسيوس انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي في مقدمة التحولات التي أسهمت في إعادة تشكيل التجربة الأمريكية المعاصرة.
فمنذ النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتسعت قدرة الإنسان على الوصول المستمر إلى الأخبار والمعلومات والأشخاص، وأصبحت المنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.
وقد نقلت هذه الثورة الإعلامية الفرد من بيئة كان يتلقى فيها المعلومات عبر الصحف والتلفزيون والإذاعة والمؤسسات المحلية، إلى بيئة تتدفق فيها الأخبار والتعليقات والصور والمقاطع المرئية بصورة مستمرة، دون ارتباط بوقت محدد أو مصدر واحد.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه لم يغير سرعة وصول المعلومات فقط، وإنما غيّر أيضًا الطريقة التي يجري بها اختيارها وترتيبها وعرضها.
فأنظمة التوصية المستخدمة في المنصات الرقمية تعتمد على تحليل سلوك المستخدم واهتماماته، ثم تقدم له محتوى يتوقع النظام أنه سيحظى باهتمامه أو يدفعه إلى مزيد من التفاعل.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تعرض الفرد لنوعيات معينة من الأخبار والآراء، بينما تتراجع فرص اطلاعه على موضوعات لا تتوافق مع اهتماماته السابقة.
وتتضح آثار هذا النظام عندما يتعلق الأمر بالأخبار السلبية والأحداث المثيرة؛ فالمحتوى الذي يتضمن تهديدًا أو صراعًا أو فضيحة قد يجذب الانتباه بسرعة، ويحقق مستويات مرتفعة من التفاعل، ما يزيد فرص ظهوره المتكرر.
ومع استمرار التعرض لهذا النوع من المحتوى، قد تتشكل لدى بعض المستخدمين صورة عن العالم تتسم بارتفاع مستوى الخطر والاضطراب، حتى عندما لا تعكس الأخبار التي يشاهدونها النسب الفعلية للظواهر في المجتمع.
وقد تناول فانديهاي وألين هذه المشكلة في مقال آخر نشرته أكسيوس في فبراير/شباط 2026، ركزا فيه على ضرورة استعادة قدرة الفرد على التحكم بمصادر معلوماته، بدل ترك أنظمة التوصية تحدد بصورة شبه كاملة ما يشاهده ويقرأه ويستمع إليه.
وأوضح الكاتبان أن معرفة الإنسان بالواقع أصبحت تتشكل بصورة متزايدة من مجموع الأشخاص والمنصات والقنوات التي يتابعها، وأن الخيارات الرقمية اليومية تؤثر في تصوراته عن المجتمع والسياسة والاقتصاد والحياة.
وتظهر هنا العلاقة بين البيئة المعلوماتية والأمان النفسي. فالإنسان يحتاج إلى قدر من الاستقرار المعرفي يسمح له بفهم الأحداث ووضعها في سياقها، والتمييز بين المخاطر المباشرة والأحداث البعيدة، وبين الحالات الفردية والاتجاهات العامة.
لكن التدفق المتواصل للمعلومات قد يجعل هذه العملية أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تتداخل الأخبار المؤكدة مع الشائعات والتفسيرات المتعارضة والمحتوى المصمم لإثارة الانفعال.
وقد يشعر الفرد بأنه يعيش وسط سلسلة لا تنتهي من الأزمات، لأن كل حدث جديد يظهر أمامه قبل أن يستوعب الحدث السابق أو يفهم نتائجه.
وتزداد المشكلة عندما تتحول المنصات إلى مصدر أساسي للمقارنة الاجتماعية. فالمستخدم لا يتعرض للأخبار العامة وحدها، وإنما يشاهد أيضًا صور النجاح والثروة والسفر والمكانة الاجتماعية التي يعرضها الآخرون، وغالبًا ما تكون منتقاة لتعكس الجوانب الأكثر جاذبية في حياتهم.
وقد يؤدي هذا التعرض المتكرر إلى رفع التوقعات، وتغيير معايير تقييم الذات، وزيادة الشعور بعدم الرضا لدى بعض الأفراد.
ومع ذلك، فإن وسائل التواصل تؤدي أيضًا وظائف إيجابية، مثل تسهيل التواصل وتبادل المعرفة وبناء المجتمعات المهنية والاجتماعية وتوفير فرص المشاركة العامة.
ولذلك فإن دورها في تشكيل القلق والثقة لا يمكن اختزاله في تأثير واحد؛ إذ تختلف النتائج بحسب نوع المحتوى، وطبيعة الاستخدام، والخصائص الفردية، والبيئة الاجتماعية المحيطة.
وتبقى الإضافة الأهم لمقال أكسيوس أنه يضع الثورة الرقمية ضمن سلسلة من التحولات التي غيّرت إدراك الإنسان للعالم، وجعلت التفاعل المستمر مع المعلومات جزءًا من تكوين الشعور الاجتماعي بالأمان أو الاضطراب.
تآكل الثقة بالمؤسسات.. حين تفقد المرجعيات التقليدية مصداقيتها
تمثل الثقة إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المجتمعات الحديثة، لأنها تسمح للأفراد بالتعامل مع مؤسسات وأشخاص لا يعرفونهم معرفة مباشرة، والاعتماد على قواعد وإجراءات يتوقعون استمرارها وعدالتها.
فالإنسان يحتاج إلى الثقة بالمؤسسات الصحية عندما يطلب العلاج، وبالمدارس والجامعات عندما يسعى إلى التعليم، وبالنظام القضائي عندما يريد حماية حقوقه، وبالمؤسسات الإعلامية عندما يبحث عن معلومات تساعده على فهم الأحداث.
كما أن النشاط الاقتصادي نفسه يعتمد على الثقة بالعقود والمصارف والأسواق والقوانين، لأن التبادل بين الأفراد والمؤسسات يصبح أكثر تكلفة وتعقيدًا عندما تغيب التوقعات المستقرة بشأن التزامات الأطراف المختلفة.
ومن هنا فإن تراجع الثقة لا يمثل مجرد تغير في المواقف العامة، بل يؤثر في قدرة المجتمع على التعاون وتبادل المعلومات وتنفيذ القرارات ومعالجة الأزمات.
وتظهر السلاسل التاريخية لمؤسسة غالوب تراجعًا طويل الأمد في مستويات الثقة بعدد من المؤسسات الأمريكية، مع اختلاف المسارات بين مؤسسة وأخرى، وتقلبها تبعًا للأحداث والظروف السياسية والاقتصادية.
وتشير هذه البيانات إلى أن الثقة بالمؤسسات لم تعد تستند إلى افتراض مستقر بقدرتها على أداء وظائفها بصورة صحيحة، بل أصبحت تتأثر بدرجة أكبر بتقييم الأداء والاختلافات السياسية والتجارب الاجتماعية.
كما يقدم تقرير إيدلمان العالمي للثقة لعام 2026 صورة عن اتجاه أوسع نحو الانغلاق داخل دوائر الثقة القريبة. فقد أظهر التقرير أن 70% من المشاركين في استطلاعه العالمي يترددون أو يمتنعون عن منح الثقة لأشخاص يختلفون معهم في القيم أو الحقائق التي يعتمدونها أو طرق معالجة المشكلات أو الخلفيات الثقافية.
وهذه النسبة تخص العينة الدولية التي شملها تقرير إيدلمان، وليست قياسًا للمجتمع الأمريكي وحده. لكن التقرير أظهر أيضًا أن الولايات المتحدة سجلت أكبر فجوة في الثقة بين فئات الدخل المرتفع والمنخفض، بلغت 29 نقطة، ما يشير إلى العلاقة بين الموقع الاقتصادي ومستوى الثقة بالمؤسسات.
وتكشف هذه النتائج عن تحول مهم في بنية الثقة الاجتماعية. فبدل الاعتماد على مؤسسات عامة يفترض أنها تخدم المجتمع بصورة واسعة، قد يتجه الأفراد إلى جماعات أصغر يتشاركون معها القيم والتصورات والمصالح.
وقد توفر هذه الجماعات شعورًا بالانتماء والحماية، لكنها قد تزيد صعوبة بناء الثقة بين الفئات المختلفة عندما تصبح درجة التشابه شرطًا أساسيًا لقبول الآخرين.
ويتصل هذا التحول بتراجع الثقة المعرفية أيضًا؛ فحين يفقد الأفراد ثقتهم بالمصادر المؤسسية للمعلومات، يصبح اختيار المصدر مرتبطًا بدرجة أكبر بالقرب النفسي أو الثقافي أو السياسي.
وقد يثق الإنسان بمؤثر رقمي أو شخصية عامة لأنها تشاركه المواقف نفسها، حتى عندما تكون معرفتها المتخصصة بالموضوع محدودة.
وهكذا تنتقل الثقة من قواعد مهنية ومؤسسية قابلة للفحص إلى علاقات شخصية وانتماءات اجتماعية قد يصعب تقييمها بصورة مستقلة.
ويؤثر هذا التحول في المؤسسات نفسها، لأنها تصبح مطالبة ببناء الثقة مع جمهور متنوع لم يعد يمنحها المصداقية تلقائيًا بسبب تاريخها أو مكانتها.
ومن هنا تكتسب الشفافية والكفاءة والمساءلة أهمية متزايدة، لأن الثقة المستقرة تحتاج إلى تجارب متكررة يشعر فيها الأفراد بأن المؤسسات تنفذ التزاماتها وتعترف بأخطائها وتتعامل مع المواطنين بصورة منصفة.
وتصبح أزمة الثقة أكثر عمقًا عندما تتداخل مع الاستقطاب السياسي وتفاوت الفرص الاقتصادية، لأن الأفراد قد يفسرون إخفاق المؤسسات بوصفه دليلًا على انحيازها لفئات معينة، بدل اعتباره مشكلة إدارية أو مهنية قابلة للإصلاح.
وبذلك تتحول الثقة من عامل يساعد على استقرار الحياة العامة إلى قضية اجتماعية وسياسية قائمة بذاتها، تؤثر في طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة.
جائحة كورونا.. عندما انقطعت الروابط التي تنظم الحياة اليومية
جاءت جائحة كورونا لتضيف إلى التحولات الرقمية صدمة اجتماعية واسعة، لم تقتصر آثارها على المخاطر الصحية والوفيات والضغوط الاقتصادية، وإنما امتدت إلى الطريقة التي يعيش بها الأفراد علاقاتهم اليومية ويشاركون في المؤسسات والأنشطة الجماعية.
فخلال الجائحة، أغلقت مدارس وجامعات ومكاتب وشركات ومؤسسات دينية واجتماعية أبوابها لفترات متفاوتة، وانتقل جانب كبير من العمل والتعليم والتواصل إلى الوسائل الرقمية.
وقد أدى ذلك إلى تغير مفاجئ في أنماط الحياة التي اعتادها الناس، بعدما أصبحت الأنشطة البسيطة، مثل الذهاب إلى العمل أو زيارة الأصدقاء أو المشاركة في المناسبات الاجتماعية، مرتبطة بإجراءات صحية وقيود على الحركة والتجمع.
وتكشف أهمية هذه التغيرات عن الدور الذي تؤديه المؤسسات والأنشطة اليومية في المحافظة على الاستقرار النفسي والاجتماعي. فالإنسان لا يحتاج إلى العلاقات المباشرة للحصول على المساعدة عند وقوع مشكلة فحسب، وإنما يعتمد عليها أيضًا في بناء شعوره بالانتماء وتكوين الروتين اليومي وتبادل الخبرات والحصول على الدعم العاطفي.
وقد يؤدي العمل أو الدراسة أو المشاركة في نشاط اجتماعي منتظم إلى توفير شبكة من العلاقات التي تمنح الفرد شعورًا بأنه جزء من مجتمع أوسع، حتى عندما لا تكون جميع هذه العلاقات وثيقة أو عميقة.
ومع توقف هذه الأنشطة، فقد كثير من الأفراد جزءًا من التواصل العفوي الذي كان يحدث بصورة طبيعية في أماكن العمل والمدارس والأحياء والمؤسسات المحلية.
كما أن الخوف من العدوى، وفقدان بعض الأقارب والأصدقاء، وتغير الظروف الاقتصادية، أضافت ضغوطًا نفسية واجتماعية إلى التجربة الجماعية للجائحة.
ولا يعني ذلك أن الجميع تأثر بالطريقة نفسها؛ فقد واجهت بعض الفئات عزلة شديدة، بينما استطاعت فئات أخرى المحافظة على علاقاتها بوسائل مختلفة، أو وجدت في العمل عن بُعد فرصًا لتحسين توازنها بين الحياة المهنية والأسرية.
لكن الجائحة كشفت أهمية البنية الاجتماعية اليومية، ودرجة اعتماد الإنسان عليها في المحافظة على الشعور بالاستقرار.
وقد أصدر مكتب الجراح العام الأمريكي عام 2023 تقريرًا موسعًا بعنوان «وباء الوحدة والعزلة الاجتماعية»، تناول العلاقة بين الروابط الاجتماعية والصحة الجسدية والنفسية، وأوضح أن الوحدة تمثل قضية صحية ومجتمعية تتطلب اهتمامًا مؤسسيًا واسعًا.
وأشار التقرير إلى أن الافتقار إلى العلاقات الاجتماعية يرتبط بزيادة مخاطر عدد من المشكلات الصحية والنفسية، وأن الروابط الاجتماعية الجيدة تساعد على تعزيز القدرة على التعامل مع الضغوط والأزمات.
وتبرز أهمية التقرير في أنه يعيد النظر إلى العلاقات الإنسانية بوصفها جزءًا من مقومات الصحة العامة، وليست مجرد جانب شخصي يترك بالكامل لاختيارات الأفراد.
كما أن المشكلة لم تبدأ مع جائحة كورونا؛ فقد كانت بعض مؤشرات العزلة وضعف المشاركة الاجتماعية تظهر قبلها بسنوات، لكن الجائحة جعلت آثارها أكثر وضوحًا، وأوجدت ظروفًا جديدة قد تكون ساهمت في استمرارها لدى بعض الفئات.
ويشير كاتبا أكسيوس إلى أن المجتمع الأمريكي لم يستعد جميع أشكال الاتصال الاجتماعي التي كانت قائمة قبل الجائحة، وأن بعض الأفراد أصبحوا أكثر اعتمادًا على الوسائل الرقمية وأقل مشاركة في الأنشطة المباشرة.
وتطرح هذه الحالة سؤالًا يتعلق بقدرة المجتمعات على استعادة العلاقات التي تعرضت للانقطاع، لأن عودة المؤسسات إلى العمل لا تعني بالضرورة عودة جميع الأفراد إلى أنماط مشاركتهم السابقة.
فقد تتغير العادات الاجتماعية مع الوقت، ويصبح التواصل الرقمي بديلًا مستمرًا لبعض اللقاءات، بينما تقل فرص تكوين علاقات جديدة خارج الأسرة والعمل.
وتكشف هذه التطورات أن التعافي من الأزمات الكبرى لا يقاس بالمؤشرات الاقتصادية والصحية وحدها، وإنما يتطلب النظر أيضًا إلى استعادة الروابط الاجتماعية والأنشطة والمؤسسات التي تمنح الحياة اليومية تماسكها واستقرارها.
أزمة الصداقة والانتماء.. الاتصال المستمر والعلاقات المتراجعة
تقدم دراسات الصداقة الأمريكية دليلًا مهمًا على التحولات التي أصابت العلاقات الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، وتساعد على تفسير جانب من التراجع في الشعور بالأمان والانتماء.
فقد نشر مركز المسح للحياة الأمريكية في يونيو/حزيران 2021 دراسة بعنوان «حالة الصداقة الأمريكية.. التغير والتحديات والخسارة»، أعدها الباحث دانيال كوكس، واستندت إلى استطلاع تناول عدد الأصدقاء المقربين وطبيعة العلاقات ومستويات التواصل والدعم العاطفي.
وأظهرت الدراسة أن 12% من الأمريكيين أفادوا بعدم امتلاك أصدقاء مقربين عام 2021، مقارنة بـ3% في استطلاع أُجري عام 1990. كما تراجعت نسبة الذين يقولون إن لديهم عشرة أصدقاء مقربين أو أكثر من 33% إلى 13% خلال الفترة نفسها.
وفي المقابل، ارتفعت نسبة الذين لديهم ثلاثة أصدقاء مقربين أو أقل من 27% إلى 49%.
وتحتاج هذه المقارنة إلى ملاحظة منهجية؛ فقد استُخدمت مقابلات هاتفية في استطلاع 1990، بينما نُفذ استطلاع 2021 عبر الإنترنت، وهو اختلاف قد يؤثر في طريقة الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بعدد الأصدقاء والعلاقات الشخصية.
وتعكس هذه النتائج تغيرًا في بنية العلاقات الاجتماعية، خصوصًا عندما توضع إلى جانب عوامل أخرى، مثل الانتقال المتكرر بين المدن، وتأخر الزواج، وضغوط العمل، وتغير أنماط الأسرة، واتساع الاعتماد على التواصل الرقمي.
فقد أصبحت حياة كثير من الأفراد موزعة بين الالتزامات المهنية والأسرية والتنقل والأنشطة الرقمية، ما قد يقلل الوقت المتاح لبناء علاقات جديدة والمحافظة على العلاقات القديمة.
كما أن بعض الروابط التي كانت تتكون بصورة طبيعية داخل الأحياء والمؤسسات الدينية والاجتماعية أصبحت أقل انتظامًا في حياة بعض الفئات، بينما أصبحت أماكن العمل من أبرز البيئات التي تنشأ فيها الصداقات.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن 54% من المشاركين الذين لديهم أصدقاء مقربون أفادوا بأنهم تعرفوا إلى أحد أصدقائهم عبر أماكن عملهم أو عمل أزواجهم، ما يوضح أهمية المؤسسات المهنية في بناء الروابط الاجتماعية.
لكن هذا الارتباط يجعل بعض العلاقات أكثر تعرضًا للتغير عندما ينتقل الإنسان إلى وظيفة جديدة، أو يفقد عمله، أو يتقاعد، أو يعمل من المنزل لفترات طويلة.
وتظهر هنا العلاقة بين الصداقة والاستقرار؛ فالأصدقاء لا يمثلون مصدرًا للترفيه والتواصل فحسب، وإنما يمكن أن يوفروا الدعم عند المرض أو فقدان العمل أو مواجهة المشكلات الأسرية والنفسية.
كما أن وجود علاقات قريبة يساعد الإنسان على مشاركة مخاوفه وتجاربه، والحصول على وجهات نظر مختلفة، وتخفيف الشعور بأنه يواجه تحديات الحياة منفردًا.
وتختلف هذه الوظائف عن مجرد امتلاك عدد كبير من المتابعين أو جهات الاتصال في المنصات الرقمية. فقد يستطيع الفرد التواصل مع مئات الأشخاص، لكنه لا يمتلك بالضرورة علاقات توفر له المساندة العاطفية أو العملية عند الحاجة.
ومن المهم عدم اعتبار الصداقات الرقمية أقل قيمة بصورة مطلقة، لأن بعضها يمكن أن يتحول إلى روابط قوية ومستقرة، خصوصًا عندما يجمع الأفراد اهتمام أو تجربة مشتركة.
لكن القيمة الاجتماعية للعلاقة تتحدد بدرجة الثقة والاستمرارية والدعم المتبادل، وليس بعدد الرسائل أو حجم التفاعل الإلكتروني وحده.
ويؤكد تقرير الجراح العام الأمريكي أن قوة الروابط الاجتماعية تؤثر في قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات، لأن المجتمعات الأكثر اتصالًا تمتلك شبكات دعم تساعد على تبادل المعلومات والمساعدة وتنظيم الاستجابة المشتركة.
ومن هنا تصبح أزمة الصداقة والانتماء جزءًا من تفسير التراجع في الشعور بالأمان، لأن الفرد الذي يمتلك موارد مالية أو تقنية جيدة قد يشعر بضعف الاستقرار إذا فقد العلاقات التي تمنحه الدعم والثقة والانتماء.
الاستقطاب السياسي.. عندما يختلف الناس في فهم الواقع نفسه
يشكل الاستقطاب السياسي أحد العوامل المؤثرة في تراجع الثقة الاجتماعية، خصوصًا عندما يمتد من الخلاف حول السياسات والبرامج إلى العلاقة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات.
فالاختلاف السياسي جزء طبيعي من المجتمعات المتنوعة، وتسمح الأنظمة الديمقراطية بالتنافس بين الأفكار والمصالح والتصورات بشأن إدارة الشؤون العامة.
لكن الاستقطاب يصبح أكثر تأثيرًا في التماسك الاجتماعي عندما يتحول الانتماء السياسي إلى معيار أساسي للحكم على الأشخاص والمؤسسات، أو عندما تصبح الثقة بالمعلومات مرتبطة بالجهة التي تنشرها أكثر من ارتباطها بالأدلة التي تقدمها.
وفي المجتمع الأمريكي، تزامن تصاعد الاستقطاب خلال العقود الماضية مع توسع الإعلام الرقمي وظهور منصات تسمح للأفراد بمتابعة الشخصيات والمصادر الأكثر توافقًا مع مواقفهم.
وقد أدى ذلك إلى تراجع الاعتماد النسبي على مجموعة محدودة من المؤسسات الإعلامية التي كانت تقدم إطارًا مشتركًا للأحداث العامة، وظهور بيئات معلوماتية متنوعة تعكس تفسيرات مختلفة للقضايا نفسها.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الخلاف لم يعد يتعلق دائمًا بالحلول المناسبة لمشكلة متفق على وجودها، وإنما قد يبدأ من الاختلاف في تحديد طبيعة المشكلة وأسبابها والوقائع المرتبطة بها.
فقد يتلقى فردان معلومات متباينة عن الاقتصاد أو الهجرة أو التعليم أو الأمن، ثم يبني كل منهما موقفه على تصور مختلف للواقع.
وعندما تتكرر هذه الحالة، تصبح قدرة المجتمع على الوصول إلى تفاهمات عامة أكثر صعوبة، لأن الاتفاق على السياسات يحتاج أولًا إلى قدر من التوافق بشأن المعلومات الأساسية.
وقد تناول فانديهاي وألين هذا التداخل في مقال آخر نشرته أكسيوس في فبراير/شباط 2026، أشارا فيه إلى تزامن ثلاثة تحولات واسعة: تغير طبيعة السياسة والحكم، والتقدم السريع للذكاء الاصطناعي، والتحول في الطريقة التي تتشكل بها تصورات الأفراد عن العالم.
وتظهر أهمية الربط بين هذه التحولات في أن البيئة السياسية تؤثر في الثقة بالمؤسسات، بينما تؤثر البيئة الإعلامية في كيفية تفسير القرارات والأحداث، ويضيف التطور التكنولوجي أدوات جديدة لنشر المعلومات والتأثير في الجمهور.
وقد يتحول الاستقطاب إلى عامل يضعف العلاقات الاجتماعية عندما يصبح الاختلاف في الرأي سببًا لتجنب الآخرين أو قطع العلاقات معهم.
وتشير دراسة الصداقة الأمريكية إلى أن الخلافات السياسية كانت من بين العوامل التي أثرت في بعض العلاقات الشخصية، مع اختلاف درجة التأثير بين المجموعات والأفراد.
كما أن تقرير إيدلمان لعام 2026 أظهر انتشار التردد في الثقة بأشخاص يختلفون في القيم والتصورات، وهي ظاهرة تتجاوز السياسة وحدها، لكنها تساعد على فهم الصعوبة التي تواجه المجتمعات في المحافظة على روابطها عبر الاختلافات.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تتراجع الثقة بالمؤسسات المشتركة، لأن المؤسسات العامة تؤدي دورًا في توفير قواعد وإجراءات تسمح بتعايش الأفراد رغم اختلاف توجهاتهم.
وعندما تصبح هذه المؤسسات نفسها موضع انقسام دائم، قد يتراجع الشعور بوجود إطار مشترك يحمي حقوق الجميع وينظم التنافس بينهم.
وهكذا يرتبط الاستقطاب بمسألة الأمان الاجتماعي، لأن الإنسان يحتاج إلى الشعور بأن الاختلاف لا يؤدي بالضرورة إلى فقدان العلاقات أو الحقوق أو القدرة على المشاركة في الحياة العامة.
ويصبح بناء الثقة عبر الاختلافات أحد الشروط المهمة للمحافظة على استقرار المجتمعات، من خلال تطوير ثقافة الحوار والتفاهم والاعتماد على المعلومات الموثوقة، وتعزيز المؤسسات التي تتعامل مع المواطنين على أساس قواعد واضحة ومنصفة.
الذكاء الاصطناعي.. عندما يصبح المستقبل أقل قابلية للتوقع
تأتي الثورة الحالية في الذكاء الاصطناعي في مرحلة يعاني فيها المجتمع الأمريكي من ضغوط متراكمة تتعلق بالثقة والعلاقات الاجتماعية والتفاوت الاقتصادي والاستقطاب المعلوماتي.
وتكمن أهمية هذا التزامن في أن التكنولوجيا الجديدة لا تدخل مجتمعًا مستقرًا تمامًا من حيث التوقعات والعلاقات، وإنما تدخل بيئة تشهد أصلًا تغيرات واسعة في طرق العمل والتواصل والمعرفة.
فقد أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على أداء مهام تتعلق بالكتابة والتحليل والبرمجة وإعداد التقارير والبحث في المعلومات وتنظيم العمل، وهي أنشطة كانت ترتبط بدرجات مختلفة بالقدرات المهنية والمعرفية للإنسان.
ويفتح هذا التقدم فرصًا كبيرة لتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات والتعليم والبحث العلمي، لكنه يثير أيضًا أسئلة حول مستقبل الوظائف والمهارات والمسارات المهنية.
فقد يجد العامل أن المهارات التي اكتسبها خلال سنوات تحتاج إلى تحديث سريع، بينما يواجه الطالب صعوبة في تحديد التخصص الذي يمنحه فرصًا مستقرة خلال السنوات المقبلة.
كما أن المؤسسات التعليمية والمهنية تحتاج إلى وقت لتطوير مناهج التدريب والتأهيل، في حين تتقدم قدرات الأنظمة الذكية بصورة متسارعة.
وقد نشرت أكسيوس في أبريل/نيسان 2026 مقالًا عن مخاوف الشباب الأمريكيين من تأثير الذكاء الاصطناعي في بداية حياتهم المهنية، أشار إلى وجود فجوة بين سرعة انتشار التكنولوجيا واستعداد المؤسسات التعليمية لإعداد الخريجين للتعامل معها.
وتتضح أهمية هذا الاتجاه في أن الأمان المهني لا يتعلق بالحصول على وظيفة حالية وحدها، وإنما يشمل قدرة الإنسان على تصور مساره الوظيفي خلال سنوات مقبلة، ومعرفة المهارات التي ينبغي أن يطورها للمحافظة على موقعه في سوق العمل.
وعندما تصبح هذه التوقعات أكثر غموضًا، قد يتزايد القلق حتى لدى الأفراد الذين لم يفقدوا وظائفهم، لأنهم يشعرون بأن قواعد المنافسة المهنية تتغير بصورة يصعب التنبؤ بها.
كما أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في المجال المعلوماتي، من خلال قدرته على إنتاج النصوص والصور والأصوات والمقاطع المرئية، وتقديم إجابات مباشرة عن الأسئلة.
ويزيد ذلك أهمية التحقق من المصادر، لأن المستخدم قد يواجه صعوبة في معرفة ما إذا كان المحتوى أصليًا أو مصطنعًا، أو ما إذا كانت المعلومات المعروضة تستند إلى أدلة موثوقة.
وتصبح هذه المشكلة أكثر حساسية في مجتمع تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الإعلامية والمصادر التقليدية للمعرفة.
فقد لا يقتصر القلق على احتمال انتشار المعلومات الخاطئة، وإنما يمتد إلى الشك العام في صحة المعلومات، حتى عندما تكون موثقة.
وهذا النوع من عدم اليقين يؤثر في قدرة الأفراد على بناء تصور مستقر للواقع، لأنه يجعل عملية التحقق أكثر تعقيدًا ويزيد الاعتماد على مصادر بديلة قد تختلف في مستوى المصداقية.
ويطرح التقدم في الذكاء الاصطناعي أيضًا تغيرًا في العلاقة بين الإنسان والمعرفة؛ فالحصول على إجابة سريعة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فهمها أو تقييمها أو استخدامها بصورة مسؤولة.
ولهذا تصبح مهارات التفكير النقدي والتحليل والتحقق والتعلم المستمر أكثر أهمية، لأنها تساعد الإنسان على التعامل مع بيئة تتزايد فيها المعلومات والقدرات التقنية.
ومن هنا يتضح أن أثر الذكاء الاصطناعي في الشعور الاجتماعي بالأمان لا يتوقف على الوظائف أو الاقتصاد وحدهما، وإنما يمتد إلى قدرة الإنسان على فهم المستقبل والتحكم المعقول في خياراته، والمحافظة على ثقته بقدرته على التعلم والتكيف والمشاركة في عالم يتغير بسرعة.
الفقاعات المعلوماتية.. عندما يعيش المجتمع داخل تصورات مختلفة للعالم
أدى التوسع في المنصات الرقمية إلى تغيير البنية التقليدية للمجال الإعلامي، بعدما أصبح إنتاج المحتوى ونشره وتداوله متاحًا لأعداد كبيرة من المؤسسات والأفراد، ولم يعد مقتصرًا على الصحف ومحطات التلفزيون والإذاعة.
وقد منح هذا التحول المواطنين فرصًا أوسع للوصول إلى المعلومات والتعبير عن آرائهم والمشاركة في النقاشات العامة، كما سمح بظهور مصادر متخصصة تقدم معارف وخبرات لم تكن تحظى بحضور واسع في الإعلام التقليدي.
لكن هذا التوسع ترافق مع تغير في طبيعة العلاقة بين المستخدم والمعلومات، إذ أصبحت أنظمة التوصية ومجموعات المتابعة والاهتمامات الشخصية عوامل مهمة في تحديد المحتوى الذي يصل إليه الفرد.
وتنشأ عن هذه البيئة إمكانية تكوين ما يعرف بالفقاعات المعلوماتية، وهي حالات يتعرض فيها المستخدم بصورة متكررة لمعلومات وتفسيرات متقاربة، بينما تقل فرص اطلاعه على آراء ووقائع قد تختلف عن تصوره السابق.
ولا يعني ذلك أن جميع مستخدمي المنصات يعيشون داخل فقاعات مغلقة، لأن كثيرًا منهم يتعرضون لمصادر متنوعة، وقد تسهم البيئة الرقمية في توسيع آفاقهم المعرفية. لكن بعض أنماط الاستخدام يمكن أن تعزز الانتقاء المعلوماتي والانغلاق داخل دوائر متشابهة.
وتظهر آثار هذه الحالة في القضايا العامة التي تتطلب قدرًا من الفهم المشترك؛ فقد يتابع شخص مجموعة من المصادر التي تؤكد تحسن الاقتصاد، بينما يتابع آخر مصادر تركز على ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، فيتشكل لدى كل منهما تصور مختلف عن الاتجاه العام للحياة الاقتصادية.
وقد تكون المعلومات التي يتلقاها الطرفان صحيحة في جوانب منها، لكن اختلاف الموضوعات والمؤشرات والسياقات يؤدي إلى تكوين صورتين متباعدتين عن الواقع.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتحول الثقة بالمصدر إلى امتداد للانتماء الاجتماعي أو السياسي، فيرفض الفرد المعلومات التي لا تتوافق مع تصوره حتى قبل فحص الأدلة التي تستند إليها.
وقد أشار فانديهاي وألين في سلسلة مقالات عن التحول الإعلامي إلى أن البيئة المعلوماتية الجديدة تمنح الأفراد قدرة واسعة على اختيار ما يتابعونه، لكنها تجعل هذه الاختيارات نفسها جزءًا من عملية تشكيل تصورهم للعالم.
ويرتبط ذلك بتحول مهم في وظيفة الإعلام؛ فقد كان الوصول إلى المعلومات يعتمد بدرجة أكبر على المؤسسات التي تختار الموضوعات وترتبها وفق معايير تحريرية، بينما أصبحت المنصات والخوارزميات والمؤثرون يشاركون في تحديد أولويات الاهتمام العام.
وفي هذه البيئة، قد تتراجع قدرة المجتمع على بناء فهم مشترك للقضايا الكبرى، لأن الأفراد لا يتابعون الوقائع نفسها أو لا يتعرضون لها في السياق نفسه.
وتؤثر هذه الحالة في الثقة الاجتماعية؛ فالتفاهم بين الناس يحتاج إلى القدرة على إدراك طبيعة الاختلاف، والتمييز بين الخلاف حول الوقائع والخلاف حول تفسيرها أو طرق التعامل معها.
وعندما يضعف هذا التمييز، قد تصبح المناقشات العامة أكثر انفعالًا وأقل قدرة على الوصول إلى حلول مشتركة.
وتقدم نتائج تقرير إيدلمان لعام 2026 مؤشرًا على أهمية هذه المشكلة؛ إذ أظهر التقرير انتشار الميل إلى الثقة بالأشخاص المتشابهين في القيم والمعتقدات، وتزايد الصعوبة في بناء الثقة بين المختلفين.
ومن هنا يصبح تطوير الثقافة الإعلامية والقدرة على تقييم المصادر جزءًا أساسيًا من تعزيز التماسك الاجتماعي، لأنه يساعد الأفراد على التعامل مع المعلومات المتعارضة دون فقدان القدرة على الحوار والتفاهم.
كما أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية في المحافظة على وضوح الفصل بين الخبر والرأي والتحليل، وتفسير البيانات ضمن سياقاتها، وتصحيح الأخطاء بشفافية، حتى تتمكن من بناء الثقة على أساس مهني قابل للتحقق.
وتكشف هذه المسألة أن أزمة المجتمع الأمريكي لا تتعلق بتراجع الثقة بالمعلومات وحدها، وإنما تشمل تغير الطريقة التي تتشكل بها المعرفة الاجتماعية المشتركة، وما يترتب على ذلك من آثار في العلاقات والمؤسسات والقدرة على معالجة المشكلات العامة.
أزمة المعنى والتفاؤل.. لماذا يتحول المستقبل إلى مصدر للقلق؟
بعد دراسة العوامل الاقتصادية والرقمية والمؤسسية والاجتماعية، تتضح أهمية الانتقال إلى المستوى النفسي الذي يجمع آثار هذه التحولات في تجربة الفرد اليومية.
فالإنسان يحتاج إلى قدر من الاستقرار في توقعاته حتى يستطيع تنظيم حياته، واتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل والتعليم والأسرة والسكن والادخار، والتخطيط للمستقبل.
ولا يشترط هذا الاستقرار غياب المشكلات أو امتلاك ضمانات كاملة، وإنما يقوم على الشعور بأن الحياة تخضع لقواعد يمكن فهمها، وأن الجهد الذي يبذله الفرد يستطيع أن يحقق نتائج معقولة، وأن المؤسسات والعلاقات المحيطة توفر له قدرًا من الدعم والحماية.
وعندما تتغير هذه القواعد بسرعة، قد يشعر الإنسان بأن قدرته على التأثير في مستقبله أصبحت أقل وضوحًا، حتى عندما يمتلك موارد وإمكانات جيدة.
وتظهر هذه الحالة في العلاقة بين التعليم والعمل؛ فقد اعتادت أجيال سابقة النظر إلى التعليم الجامعي بوصفه طريقًا مهمًا للحصول على وظيفة مستقرة وتحسين المستوى المعيشي. لكن التحولات التكنولوجية والاقتصادية تجعل بعض المسارات المهنية أكثر تعقيدًا، وتزيد الحاجة إلى تحديث المهارات والانتقال بين الوظائف.
كما أن ارتفاع تكاليف السكن والخدمات قد يغير التوقعات المتعلقة بالاستقلال الاقتصادي وتكوين الأسرة، خصوصًا لدى الفئات التي تبدأ حياتها المهنية.
وتتصل هذه التغيرات بمفهوم الفاعلية الذاتية في علم النفس، الذي يتعلق بإيمان الفرد بقدرته على تنظيم أفعاله والتأثير في النتائج التي يسعى إلى تحقيقها.
فكلما شعر الإنسان بأن جهوده ترتبط بنتائج يمكن توقعها بدرجة معقولة، أصبح أكثر قدرة على تحديد الأهداف والمثابرة والتعامل مع الصعوبات.
أما عندما تبدو العوامل المؤثرة في حياته بعيدة عن قدرته على الفهم أو التأثير، فقد يتزايد الشعور بالعجز وعدم اليقين.
وتصبح هذه المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتزامن الضغوط الاقتصادية مع تدفق متواصل للأخبار السلبية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وضعف العلاقات الاجتماعية الداعمة.
فقد يواجه الإنسان مشكلة مهنية أو مالية محددة، لكنه يتعامل معها داخل بيئة معلوماتية واجتماعية تعزز شعوره بأن المشكلات واسعة ومستمرة، وأن فرص التحسن محدودة.
ومن هنا يظهر الفرق بين القلق المرتبط بمشكلة معينة والقلق الناتج عن تصور عام بأن المستقبل نفسه أصبح غير مضمون.
ويقدم تقرير إيدلمان لعام 2026 مؤشرًا على هذا الجانب، إذ أظهر أن 32% فقط من المشاركين في الاستطلاع الدولي توقعوا أن تكون أوضاع الجيل المقبل أفضل من أوضاع الجيل الحالي. وهذه نتيجة عالمية لا تمثل المجتمع الأمريكي وحده، لكنها تعكس أهمية تراجع التفاؤل بوصفه قضية اجتماعية تتجاوز الحدود الوطنية.
وتكمن أهمية التفاؤل الاجتماعي في أنه يؤثر في علاقة الإنسان بالمستقبل، وفي استعداده للاستثمار في التعليم والعمل والعلاقات والمشاركة العامة.
كما أن الثقة لا تتعلق بالمؤسسات وحدها، بل تشمل الثقة بإمكان التحسن وبالقدرة على التعلم والتكيف وبناء حياة مستقرة.
وقد تساعد العلاقات الاجتماعية القوية على حماية هذا الشعور، لأنها توفر للإنسان مصادر للدعم والخبرة والتشجيع، وتسمح له بمشاركة المخاوف والتعامل معها بصورة واقعية.
كما أن المؤسسات الجيدة تستطيع تعزيز التفاؤل عندما تقدم خدمات مستقرة وفرصًا واضحة، وتتعامل مع المشكلات بشفافية وتسمح للأفراد بالمشاركة في تطوير الحلول.
وتبرز هنا القيمة الأساسية لمقال أكسيوس؛ فهو يحاول فهم المجتمع الأمريكي بوصفه مجتمعًا يواجه تغيرات متراكمة في مصادر الأمان المادي والمعرفي والاجتماعي.
فالمشكلة لا تنشأ من التحولات التكنولوجية أو الاقتصادية بصورة منفردة، وإنما من تزامنها مع تغير العلاقات والمؤسسات والتوقعات التي يعتمد عليها الأفراد في فهم حياتهم.
وبذلك يصبح تراجع التفاؤل تعبيرًا عن علاقة معقدة بين الظروف المعيشية والإدراك النفسي والثقة الاجتماعية، ويحتاج إلى معالجة تراعي هذه الجوانب مجتمعة.
استعادة الثقة والأمان.. كيف يعيد المجتمع بناء روابطه؟
تقدم الدراسات المتعلقة بالثقة والعزلة والروابط الاجتماعية أساسًا لتطوير مجموعة من المداخل التي تساعد على فهم شروط استعادة التماسك الاجتماعي.
فالتحولات التي شهدها المجتمع الأمريكي خلال العقدين الماضيين لا تتعلق بقطاع واحد أو مؤسسة واحدة، ولذلك تحتاج معالجتها إلى جهود متكاملة تشمل الاقتصاد والتعليم والإعلام والعمل والأسرة والمؤسسات العامة والمجتمع المحلي.
ويبرز في مقدمة هذه الجهود تعزيز الثقة بالمؤسسات من خلال تحسين الأداء والشفافية والمساءلة. فالمواطن الذي يواجه مشكلات متكررة في الحصول على الخدمات أو يشعر بأن المؤسسات لا تستجيب لاحتياجاته قد يفقد تدريجيًا ثقته بقدرتها على معالجة القضايا الأكبر.
ولهذا يصبح تطوير الخدمات وتوضيح القرارات والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها جزءًا من إعادة بناء الثقة، لأن المصداقية تنشأ من التجارب العملية المتكررة، وليس من الخطابات والوعود وحدها.
كما أن الحد من الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية العامة والتجارب المعيشية للأفراد يمثل مدخلًا أساسيًا لتعزيز الاستقرار.
فقد لا يكفي تحقيق نمو اقتصادي مرتفع إذا استمرت الضغوط المتعلقة بالسكن والصحة والتعليم والعمل، أو إذا تركزت المكاسب بصورة لا يشعر معها كثير من المواطنين بتحسن أوضاعهم.
ومن هنا تبرز أهمية السياسات التي توسع فرص العمل الجيد، وتحسن الوصول إلى الخدمات، وتساعد الأفراد على مواجهة المخاطر الاقتصادية دون فقدان الاستقرار المعيشي.
أما على المستوى الاجتماعي، فتحتاج المجتمعات إلى تعزيز المساحات التي تتيح بناء العلاقات المباشرة والمشاركة المنتظمة في الأنشطة الجماعية.
فالمدارس والمؤسسات الدينية والمراكز الثقافية والرياضية والأحياء السكنية والجمعيات المحلية تستطيع توفير فرص للتواصل والتعاون تتجاوز العلاقات الرقمية أو المهنية المحدودة.
ويؤكد تقرير الجراح العام الأمريكي بشأن الوحدة والعزلة أهمية الاستثمار في البنية الاجتماعية المحلية، وتطوير السياسات التي تعزز الاتصال الإنساني، وإدماج الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية ضمن الرعاية الصحية والتعليم والتنمية المجتمعية.
كما يوصي التقرير بتطوير البيئات الرقمية بحيث تدعم الاتصال الإنساني الجيد، بدل أن تؤدي بعض أنماط استخدامها إلى زيادة العزلة أو إضعاف التفاعل المباشر.
وتبرز أهمية الأسرة في هذا المجال بوصفها إحدى المؤسسات الأساسية التي توفر الدعم والاستقرار، وتساعد على بناء الثقة والقدرة على التعامل مع الضغوط.
لكن تعزيز العلاقات الأسرية يحتاج أيضًا إلى ظروف اقتصادية ومهنية تسمح للأفراد بتخصيص وقت كافٍ للتواصل والرعاية، لأن ضغوط العمل وعدم الاستقرار قد تؤثر في جودة العلاقات داخل المنزل.
ويؤدي التعليم دورًا مماثلًا في بناء الثقة الاجتماعية، من خلال تنمية مهارات الحوار والتعاون والتفكير النقدي والقدرة على التعامل مع الاختلاف.
فقد أصبحت المدارس والجامعات مطالبة بإعداد الأفراد للحياة داخل بيئة معلوماتية معقدة، تتطلب القدرة على تقييم المصادر وفهم الخوارزميات والتعامل مع المحتوى الاصطناعي والمحافظة على استقلال التفكير.
كما أن الاستعداد للتحولات المهنية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى برامج تعليم وتدريب تساعد الأفراد على تحديث مهاراتهم، وتمنحهم تصورًا أوضح للفرص الممكنة بدل تركهم أمام مخاوف عامة بشأن مستقبل العمل.
وتتحمل المؤسسات الإعلامية بدورها مسؤولية في بناء بيئة معرفية أكثر استقرارًا، من خلال تقديم معلومات موثقة، وتفسير الأحداث دون مبالغة، وتوضيح الفرق بين الوقائع والاستنتاجات والتوقعات.
ويزداد دور الصحافة أهمية عندما تصبح المعلومات متاحة بكميات كبيرة، لأن القيمة لم تعد تكمن في سرعة نقل الخبر وحدها، وإنما في القدرة على التحقق منه ووضعه في سياقه وتفسير دلالاته.
وتشير دراسة إيدلمان لعام 2026 إلى أهمية المؤسسات القادرة على تقريب وجهات النظر وبناء الثقة بين الأفراد المختلفين. وقد وجد التقرير أن أماكن العمل تتمتع بموقع يمكن أن يساعدها على أداء هذا الدور، من خلال تطوير بيئات تسمح بالحوار والتعاون بين العاملين ذوي الخلفيات والتصورات المتنوعة.
وتتصل هذه الفكرة بأهمية بناء الثقة عبر الاختلاف، لأن المجتمعات الحديثة تضم فئات متعددة في ثقافاتها ومصالحها وقيمها، ويحتاج استقرارها إلى قواعد مشتركة تسمح بالتعاون دون اشتراط التطابق الكامل بين الأفراد.
ومن هنا يمكن تحديد مجموعة من الاتجاهات العملية لاستعادة الثقة الاجتماعية، تشمل تحسين كفاءة المؤسسات وعدالة الخدمات، وتقوية الروابط الأسرية والمجتمعية، وتطوير التربية الإعلامية والرقمية، وتوسيع فرص التدريب والعمل، ودعم المشاركة الاجتماعية، وتعزيز الحوار بين الفئات المختلفة.
ويحتاج نجاح هذه الجهود إلى وقت وتراكم، لأن الثقة التي تتراجع خلال سنوات طويلة لا تعود بقرار واحد أو حملة إعلامية محدودة، وإنما تتشكل عبر التجارب والممارسات التي يشعر الأفراد من خلالها بأن المجتمع يمتلك القدرة على الاستجابة للمشكلات وتوفير فرص التحسن.
ويعكس هذا التصور الرسالة الأساسية التي يقدمها مقال أكسيوس؛ فالأمان الاجتماعي يرتبط بمجموع العلاقات والمؤسسات والتوقعات التي تنظم حياة الإنسان، وتساعده على فهم واقعه والتعامل مع تحدياته.
الخاتمة.. التقدم الذي يحتاج إلى ثقة اجتماعية
تكشف التجربة الأمريكية عن جانب مهم من التحولات التي تعيشها المجتمعات المتقدمة، ويتمثل في أن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي قد يتزامن مع تراجع بعض مصادر الاستقرار النفسي والاجتماعي. فقد توسعت قدرات الإنسان في الإنتاج والاتصال والحصول على المعلومات، بينما تغيرت بصورة متسارعة العلاقات والمؤسسات والتوقعات التي يعتمد عليها في بناء إحساسه بالأمان.
وتقدم أطروحة «الجيل المهتز» تفسيرًا لهذه الحالة من خلال التراكم الذي أحدثته الثورة الرقمية وجائحة كورونا والذكاء الاصطناعي والاستقطاب السياسي، وما رافقها من تغيرات في طبيعة التواصل والثقة والمعرفة.
وتوضح الدراسات المتعلقة بالصداقة والعزلة والثقة المؤسسية أن العلاقات الإنسانية تشكل جزءًا أساسيًا من بنية الاستقرار الاجتماعي، وأن ضعفها قد يزيد صعوبة مواجهة التحولات الاقتصادية والمهنية والمعلوماتية.
كما تكشف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية عن أهمية التمييز بين التقدم الإجمالي والتجربة الفردية، لأن تحسن الاقتصاد لا يعني بالضرورة توزع مكاسبه بصورة متساوية أو انتقال آثاره مباشرة إلى شعور جميع المواطنين بالرضا والأمان.
وتتمثل القيمة الأوسع لهذه المعالجة في توضيح أن استقرار المجتمعات يحتاج إلى تكامل ثلاثة عناصر مترابطة: ظروف مادية تسمح بحياة كريمة، ومؤسسات تستحق الثقة، وعلاقات إنسانية توفر الدعم والانتماء والمشاركة.
ومن خلال هذا التكامل، يصبح التقدم أكثر قدرة على تحسين الحياة اليومية، وتعزيز التفاؤل، وتوسيع قدرة الأفراد على التعامل مع المستقبل. فالمجتمع المتقدم يحتاج إلى المعرفة والثروة والتكنولوجيا، كما يحتاج إلى الروابط والثقة والمعنى الذي يجعل هذه الإنجازات جزءًا من تجربة إنسانية مستقرة ومتماسكة.




اضف تعليق