أفول الصين الطويل

التراجع الديموغرافي، والشلل السياسي، ومصير القوى العظمى

تدخل الصين مرحلة من التراجع الديموغرافي مع انخفاض السكان، وارتفاع الشيخوخة، وتراجع الزواج والخصوبة، في وقت يتزايد فيه تركّز السلطة والجمود السياسي. ويهدد تزامن هذه الاتجاهات النمو الاقتصادي، والضمان الاجتماعي، وسوق العمل، والاستقرار الداخلي، فيما تكشف المقارنة مع سلالة مينغ أن المشكلات السكانية تصبح أخطر عندما تعجز المؤسسات عن...

يتناول المقال التحول الديموغرافي العميق الذي تدخل فيه الصين، مع تراجع السكان وارتفاع الشيخوخة وتباطؤ تكوين الأسر، رابطًا ذلك بجمود سياسي متزايد وصعوبة في إصلاح أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية والعمل والهجرة. ويرى الكاتب كارل مينزنر في مجلة «فورين أفيرز» (Foreign Affairs) أن الخطر لا يكمن في الانكماش السكاني وحده، بل في تزامنه مع تركّز السلطة، وتراجع المرونة المؤسسية، واتساع الانقسامات بين الأجيال والريف والمدن والرجال والنساء. ويخلص المقال إلى أن الصين قد تدخل مرحلة طويلة من التراجع إذا استمرت خياراتها الحالية، فيما تمثل تجربتها تحذيرًا أوسع للقوى الكبرى التي تواجه شيخوخة سكانية وتصلبًا سياسيًا مشابهًا. 

وفي تفاصيل المقال يرى الكاتب:

خلال سنوات الازدهار في عصر الإصلاح، من عام 1978 إلى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت الصين بلدًا من العمال المنتجين. فقد ارتفعت نسبة السكان في سن العمل، أي الذين تراوح أعمارهم بين 15 و64 عامًا، من 57 في المئة من السكان عام 1978 إلى ذروة قاربت 75 في المئة عام 2010. وهؤلاء هم الذين بنوا الطرق والمصانع والمجمعات السكنية والشركات التي دفعت ثلاثة عقود من النمو السنوي الذي اقترب من عشرة في المئة، وحقق توسعًا اقتصاديًا بلغ عشرين ضعفًا.

لكن هذا المد انقلب خلال العقد الماضي. فقد أدت سياسة الطفل الواحد التي انتهجتها بكين، إلى جانب القوى الاجتماعية نفسها التي دفعت الخصوبة في شرق آسيا إلى أدنى مستوياتها التاريخية، إلى بقاء معدلات المواليد في الصين دون مستوى الإحلال السكاني طوال ثلاثة عقود، ما استنزف الوقود الذي غذّى صعود البلاد.

وبلغ إجمالي سكان الصين ذروته عند 1.4 مليار نسمة عام 2021، وهو يتراجع الآن بمعدل يتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين نسمة سنويًا، وهو ما يعادل تقريبًا فقدان مدينة بحجم لوس أنجلوس كل عام.

وبحلول أربعينيات هذا القرن، إذا استمرت الصين في اتباع مسار شرق آسيا نحو معدلات خصوبة شديدة الانخفاض، فسوف تفقد نحو واحد في المئة من سكانها سنويًا، أي قرابة عشرة ملايين شخص، وهو عدد يفوق سكان مدينة نيويورك.

وفي الوقت نفسه، سترتفع نسبة الصينيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر ارتفاعًا حادًا، فتتضاعف من 15 في المئة اليوم إلى نحو 30 في المئة خلال أربعينيات هذا القرن، ثم ترتفع إلى ما يزيد كثيرًا على 40 في المئة بحلول أواخر القرن الحادي والعشرين.

أما في الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن ترتفع نسبة هذه الفئة العمرية بصورة أبطأ بكثير، من نحو 19 في المئة من السكان اليوم إلى ما يزيد قليلًا على 23 في المئة عام 2060.

وبعبارة بسيطة، تدخل الصين قرنًا من التراجع الديموغرافي. وسيعيد هذا التحول تشكيل اقتصاد البلاد وسياستها بالقدر نفسه من العمق الذي أعاد به الازدهار الديموغرافي في القرن الماضي تشكيلهما.

ففي منتصف القرن العشرين، أدى تحسن الصحة وانخفاض معدلات وفيات الأطفال إلى تضخم عدد الشباب، واستثمر ماو تسي تونغ هذه الكتلة في إحداث تغيير اجتماعي ثوري، قلب التسلسلات الهرمية الراسخة وأعاد تشكيل المجتمع من القاعدة إلى القمة.

وبحلول عام 1978، كانت الصين تمتلك عددًا متزايدًا من البالغين في سن العمل، واستطاعت سياسات «الإصلاح والانفتاح» البراغماتية التي انتهجها الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ أن تدمجهم بذكاء في الاقتصاد العالمي، ما أتاح للصين أن تظهر بوصفها مصنع العالم.

أما اليوم، ومع تسارع شيخوخة السكان، فإن النظام السياسي الصيني يصبح أكثر رجعية وتصلبًا. ومع عودة الحزب الشيوعي الصيني باتجاه حكم الفرد الواحد، لم تعد مؤسساته التي طالما تباهى بها في الحكم التكنوقراطي على الصورة التي كانت عليها.

وبدلًا من التعامل الخلاق مع التحديات الناشئة، يعتمد الحزب الشيوعي الصيني على القمع، ويتبع توجيهات المركز بصورة انعكاسية، بصرف النظر عن المخاطر.

فعلى الصعيد الاقتصادي، مثلًا، يواصل صناع السياسة اتباع السياسة الصناعية المفضلة لدى الزعيم الصيني شي جين بينغ، القائمة على الصادرات، رغم الحاجة الواضحة إلى تعزيز الاستهلاك المحلي وتقوية شبكة الضمان الاجتماعي للفقراء.

وهكذا فإن قصة الصين في القرن الحادي والعشرين ليست مجرد قصة تراجع ديموغرافي، بل هي أيضًا قصة شلل سياسي، وما يحدث عندما يتقاطع الاثنان.

وهذا المزيج تحديدًا هو الذي يجعل مستقبل الصين قاتمًا بصورة خاصة. فمع تقدم الصين في السن، ستزداد الضغوط الاجتماعية الواقعة على نظامها السياسي.

وقد تنتهي الصين في منتصف القرن الحادي والعشرين إلى وضع يشبه إلى حد كبير وضع سلالة مينغ في القرن السادس عشر: نظام سياسي متصلب تزداد هشاشته بفعل تفاقم الانقسامات الاجتماعية والجندرية والجيلية.

لكن ينبغي للمراقبين في واشنطن ألا يشمتوا بهذا المصير، لأن مسار الصين يمثل في نهاية المطاف تحذيرًا: فالتراجع الديموغرافي والتآكل السياسي قادران على تفريغ أي قوة عظمى من الداخل، بما في ذلك الولايات المتحدة.

سياسة الشلل

كما لاحظت الصحفية لي يوان، تعاني الولايات المتحدة من «الحسد من الصين». فمستثمرو التكنولوجيا ينبهرون بأحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي. وخبراء الطاقة مذهولون من هيمنتها الصناعية في البطاريات والطاقة الشمسية. وكثيرًا ما يعود الصحفيون والمحللون من زياراتهم إليها وهم يقدمون مديحًا ورديًا لأنظمة النقل اللامعة وقدراتها الهندسية.

وفي الوقت نفسه، يدمج السياسيون والمعلقون توسع البحرية الصينية واختبارات الصواريخ مع خطابات شي عن «التجديد العظيم للأمة الصينية» ليكوّنوا صورة واحدة: دولة قوية تنفذ بنجاح استراتيجية كبرى لصعودها في القرن الحادي والعشرين.

وبالمقارنة مع السيرك السياسي في واشنطن وحالة الوهن في بقية الولايات المتحدة، كثيرًا ما تدفع هذه المظاهر السطحية للثروة والقوة الصينية إلى استنتاجات واسعة بشأن المسارات الوطنية النسبية.

لكن عند الفحص الدقيق، يتضح أن بكين تشهد أيضًا تآكلًا سياسيًا عميقًا؛ غير أنه لا يبدو مثل العملية الجارية في واشنطن.

ولأن النظام الصيني شديد السيطرة، فإن انزلاقه إلى حكم فردي شخصاني لا يظهر في صورة مواجهات انقسامية على شاشات التلفزيون أو منشورات متقلبة على وسائل التواصل الاجتماعي يصدرها الزعيم الأعلى. بل يحدث تحول بكين بهدوء، لكنه لا يقل أهمية من حيث النتائج.

وخلال العقدين الماضيين، أصبح الحزب الشيوعي الصيني يتمحور بصورة متزايدة حول رجل واحد.

ففي عام 2018 نجح شي في إلغاء القيود الدستورية على عدد ولاياته بوصفه رئيسًا للدولة، ثم أعاد تشكيل المستويات العليا للحزب في المؤتمر العشرين للحزب عام 2022، وملأها بمؤيديه وأشخاص يميلون إلى الموافقة معه.

كما ضربت عمليات تطهير مماثلة المستويات العليا من الجيش الصيني بصورة منتظمة، وبلغت ذروتها عام 2026 مع إقالة تشانغ يوشيا، الجنرال الأعلى الذي اختاره شي بنفسه، ما ترك شي فعليًا وحيدًا تقريبًا على رأس القوات المسلحة الصينية.

ويتجه شي الآن إلى تولي ولاية رابعة مدتها خمس سنوات أمينًا عامًا للحزب عام 2027، ولم يعطِ أي إشارة إلى من قد يخلفه عام 2032، حين سيكون قد بلغ التاسعة والسبعين.

ويزيد وجود زعيم مسن ومعزول مخاطر الوقوع في أخطاء سياسية في الصين، تمامًا كما يحدث في الولايات المتحدة.

لكن انزلاق الصين من دولة تكنوقراطية كفوءة إلى حكم مدى الحياة تحت سلطة حاكم مستبد متقدم في السن يسلط الضوء على حقيقة أساسية تتعلق بمساري البلدين: فعلى خلاف الصين، لا تزال الولايات المتحدة قادرة على الاختيار بصورة مختلفة، في انتخابات التجديد النصفي، وفي انتخابات 2028، وكل بضع سنوات بعد ذلك.

أما السياسة الصينية فهي أكثر جمودًا بكثير.

والأهم أن المناخ السياسي الخانق الذي أنشأه شي يستنزف قدرة بكين على الاستجابة للمشكلات الناشئة بالطريقة التي استطاعت بها أجيال سابقة القيام بذلك.

ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، استطاع القادة الصينيون في عهد دنغ إطلاق عصر النمو السريع في الصين من خلال إصلاحات ريفية أعادت صياغة الأرثوذكسية الاقتصادية الماوية بالكامل.

وكما أشار تشاو شوكاي، وهو مسؤول حزبي رئيسي شارك في تلك الإصلاحات، فقد اعتمدت قدرة بكين على القيام بذلك على قدر من «الانفتاح في البنية السياسية، سواء في علاقات القوة على المستوى الأعلى أو في المجال الأيديولوجي».

وشهد عصر المرونة نفسه تمكين قادة الحزب لمسؤولين أكفاء وفعالين من معالجة التحديات الاقتصادية الملحة بجرأة، مثلما حدث عندما كلف الأمين العام جيانغ زيمين رئيس الوزراء تشو رونغجي بإصلاح النظام الضريبي عام 1994 لترسيخ المالية المركزية للصين على أسس أكثر صلابة.

ومع تراجع السياسة الصينية، تحل الأرثوذكسية الجامدة محل هذا النوع من حل المشكلات بمرونة.

ويجد الكوادر أنفسهم اليوم مضطرين إلى اتباع السياسات المميزة لشي بصورة عقائدية، بغض النظر عن النتائج.

ففي عام 2022، مثلًا، تخلى مسؤولو شنغهاي بقيادة لي تشيانغ، أمين الحزب في المدينة آنذاك، عن محاولاتهم الأولية لاعتماد نهج أخف وأكثر استهدافًا في التعامل مع انتشار متحور أوميكرون من فيروس كورونا، عندما اتضح أن هذا النهج سيتعارض مع سياسة «صفر كوفيد» التي ربط شي بها شرعيته الشخصية.

وكانت النتيجة إغلاقًا قاسيًا لشنغهاي استمر شهرين، حُرم خلاله كثيرون من الوصول الموثوق إلى الغذاء والدواء، وأصبح نموذجًا لعمليات الإغلاق في أنحاء الصين لاحقًا في العام نفسه.

لكن بدل توجيه اللوم إلى لي بسبب هذه الكارثة، رفعه شي إلى أعلى مراتب اللجنة الدائمة للمكتب السياسي عام 2022، ثم عينه رئيسًا للوزراء عام 2023.

وهو يقود الآن، بولاء، المسؤولين الصينيين في حملة شي لتعزيز التصنيع والنمو القائم على التصدير، رغم مخاوف الاقتصاديين بشأن الانكماش، وتزايد فائض الطاقة الإنتاجية، وتراجع الاستهلاك.

وليس شي وحده المسؤول عن الجمود الخانق الذي ينتشر في مجتمع الصين ودولتها.

فمنذ «الثورات الملونة» في الدول السوفيتية السابقة أوائل العقد الأول من القرن الحالي، ثم الربيع العربي عام 2010، أصبحت نخب الحزب أكثر خوفًا من الاضطرابات الاجتماعية.

وشددت السلطات الصينية قبضتها على وسائل الإعلام والمهنة القانونية والمجتمع المدني، وقلصت المساحة المتاحة للمواطنين الصينيين لمناقشة المشكلات الاجتماعية المتزايدة، وأطفأت الدعوات الناشئة لإصلاح سياسي أعمق.

كما ضاقت المساحة داخل صفوف الحزب الشيوعي الصيني نفسه، ولم يعد سوى عدد قليل مستعدًا للنظر في إصلاحات يمكن أن تؤثر بجدية في مصالح الجماعات الاجتماعية الراسخة.

وفي تسعينيات القرن الماضي، على النقيض من ذلك، دفع تشو باتجاه إعادة هيكلة مؤلمة للمؤسسات المملوكة للدولة من أجل ضمان انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، رغم أن ذلك أدى إلى فقدان عشرات الملايين وظائفهم وأشعل احتجاجات عمالية ضخمة.

وكان قبول مثل هذا الألم قصير الأجل سعياً إلى تحقيق مكاسب طويلة الأجل يُعد يومًا إحدى المزايا المميزة للصين، لكن بكين اليوم لا تُظهر شهية مماثلة لمثل هذه التدابير.

ولنتأمل تردد الحزب في معالجة التداعيات المالية للتراجع الديموغرافي.

فعلى مدى عقود، كانت سن التقاعد في الصين من بين الأدنى عالميًا: 60 عامًا للرجال، و55 عامًا للنساء العاملات في الوظائف المكتبية، و50 عامًا للنساء العاملات في الوظائف اليدوية.

وليس من المستغرب أن يكون باحثون صينيون قد توقعوا نفاد صندوق التقاعد الحضري الرئيسي، الذي يغطي نحو 500 مليون عامل ومتقاعد وكادر حضري، بحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن.

ولذلك كان رفع سن التقاعد مدرجًا على قائمة مهام بكين منذ أكثر من عقد.

لكن السلطات تحركت ببطء وحذر شديدين.

ورغم إعلان زيادة تدريجية أخيرًا عام 2024، فإنها لن تُطبق بالكامل حتى عام 2040، وستظل الصين عندها من بين الدول ذات أدنى أعمار التقاعد في العالم: 63 عامًا للرجال، و58 عامًا للنساء العاملات في الوظائف المكتبية، و55 عامًا للنساء العاملات في الوظائف اليدوية.

وبالمثل، أرجأ الحزب الشيوعي معالجة التفاوت الصارخ في المزايا بين سكان المدن والريف.

ولم تفعل حملة شي التي رُوج لها كثيرًا تحت عنوان «الرخاء المشترك» الكثير لتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الصين، كما لم تعالج التباينات الواسعة في أنظمة التقاعد والرعاية الصحية الحكومية.

وفي عام 2022، كان نحو 138 مليون متقاعد من سكان المدن يتقاضون معاشًا سنويًا يبلغ في المتوسط 6080 دولارًا، أي ما يقرب من 18 ضعف مبلغ 345 دولارًا الهزيل الذي كان يتقاضاه 175 مليونًا من المتقاعدين الريفيين والمهاجرين.

ويدعو الباحثون والمسؤولون الصينيون بصورة منتظمة إلى تحسين المنافع المقدمة لسكان الريف بوصف ذلك وسيلة لتحفيز الطلب المحلي.

لكن سبب عدم تطبيق إجراءات حقيقية لإعادة التوزيع بسيط: فمسؤولو الحزب يخشون إغضاب المستفيدين الحضريين من النظام الحالي، من موظفي الخدمة المدنية والعاملين في مؤسسات الدولة وسكان الطبقة الوسطى في المدن، وكثير منهم تربطهم صلات مباشرة بالحزب، بدرجة تفوق كثيرًا خوفهم من المجتمعات الريفية والمهاجرة المهمشة التي تملك قدرة محدودة على التعبئة.

وقد أدت هاتان النزعتان، شيخوخة نظام لينيني ينزلق باتجاه حكم الفرد الواحد، وتزايد الجمود السياسي في مواجهة أي إجراء قد يشعل اضطرابًا اجتماعيًا، إلى إضعاف قدرة الصين على الحكم.

فحتى بينما تتجه البلاد نحو حافة ديموغرافية، تبدو بكين عاجزة عن الاستعداد للتحديات الاجتماعية التي ستواجهها خلال العقود المقبلة.

تستطيع الصين بناء خطوط جديدة للقطارات فائقة السرعة أو حاملات طائرات، لكنها، على ما يبدو، لا تستطيع بناء شبكة أمان اجتماعي مستدامة لأريافها التي تشيخ بسرعة.

انطلقوا وتكاثروا

الشلل السياسي ليس سوى جزء من القصة.

فبكين تعمل أيضًا بنشاط على دفع الصين نحو نسخة رجعية من ذاتها، وهي نسخة ستفاقم مشكلاتها الديموغرافية بدل أن تساعد على حلها.

فمن خلال تحذيرات شي القاتمة من الاختراق الثقافي الأجنبي، ومطالبته المسؤولين بالرجوع إلى «الثقافة التقليدية الصينية الممتازة» في مزج الماركسية بالقيم الكونفوشية، وإشادته بـ«الدور الخاص للمرأة» بوصفها «زوجة فاضلة وأمًا صالحة»، تغذي بكين إحياءً قوميًا محلي النزعة وتقليديًا جديدًا، وتعيد ترسيخ المعايير الأبوية المتعلقة بأدوار الجنسين.

وتشبه الرؤية العالمية الناشئة في بكين رؤية سلالة مينغ (1368–1644).

فبعد قرن من الحكم المغولي، بدأت سلالة مينغ بفترة قصيرة من الانفتاح على العالم الخارجي، تمثلت في أساطيل الكنوز الشهيرة في أوائل القرن الخامس عشر.

لكنها اتجهت بعد ذلك نحو رؤية انعزالية ومحافظة بصورة انعكاسية للصين.

وكان الحكم المغولي قد مثّل إهانة عميقة، فأصبح قادة مينغ يشكون في النفوذ الأجنبي، وعملوا على استعادة ما اعتبروه الحضارة الصينية الأصيلة.

وليس من الصعب العثور على أوجه الشبه مع الحاضر.

ففي عصر مينغ، مثلًا، تعرضت معتقدات أجنبية مثل المانوية، وهي ديانة فارسية ازدهرت في ظل الحكم المغولي، للقمع.

وبالمثل، منذ عام 2010، ابتعدت بكين تدريجيًا عن السياسات الأكثر تساهلًا في عصر الإصلاح، واتبعت سياسة «تصيين» أديان مثل المسيحية والإسلام.

كما تعرضت الأقليات الإثنية في عهد مينغ لضغوط من أجل الزواج المختلط، تمامًا كما يقنن قانون تعزيز الوحدة والتقدم الإثني لعام 2026 السياسات الجديدة لبكين الهادفة إلى الاستيعاب الإثني القسري.

وشهدت سلالة مينغ أيضًا عودة إلى الكونفوشية الجديدة وآرائها التقييدية بشأن أدوار المرأة داخل الأسرة، وهي آراء تشبه التوجيهات التي تصدرها السلطات المركزية حاليًا إلى اتحاد النساء لعموم الصين:

«أدّوا العمل الأسري بصورة جيدة، وأطلقوا العنان الكامل للدور الفريد للمرأة في تعزيز الفضائل الأسرية للأمة الصينية وإرساء عادات أسرية جيدة، وهي مهمة مهمة أوكلتها اللجنة المركزية للحزب إلى اتحاد النساء في العصر الجديد».

وهذه العودة إلى نموذج سلالة مينغ ستفاقم المشكلات الديموغرافية للصين.

فالانخفاض الحاد في معدلات الزواج والخصوبة في أنحاء شرق آسيا يعكس توترات عميقة بين تطلعات النساء والمعايير الجندرية المتكلسة في المجتمع.

وبين عامي 2013 و2024، انخفض عدد الزيجات الجديدة في الصين بنحو 55 في المئة، مع ابتعاد النساء والرجال على السواء عن تكوين الأسرة.

لكن المكتب السياسي المكوّن بالكامل من الرجال، وهو إحدى أهم مؤسسات الحزب في الصين، يبدو مقتنعًا بأن معالجة هذا الاتجاه ليست سوى مسألة العثور على الحوافز الصحيحة لدفع المواطنين نحو الزواج والإنجاب.

وفي عام 2021، أطلق سلسلة جديدة من المبادرات المؤيدة للإنجاب، شملت مكافآت مالية للمولود وإجازات للوالدين، وفي الوقت نفسه قيّد الوصول إلى الطلاق والإجهاض وعمليات قطع القناة الدافقة لدى الرجال.

كما أعاد تصميم الطوابع والكتب المدرسية والفنون العامة لإظهار الأسر متعددة الأطفال بوصفها النموذج المثالي.

ومن غير المستغرب أن الطبيعة الرجعية وغير الحساسة لسياسات بكين ولغتها لم تحدث تأثيرًا يُذكر فحسب، بل أسهمت أيضًا في تدهور العلاقات بين الجنسين في الصين.

وإذا لم تستطع بكين إقناع مواطنيها بإنجاب الأطفال، فقد تلجأ إلى أداة استخدمتها مجتمعات أخرى تشيخ بسرعة لمواجهة هذا التحدي: الهجرة.

ففي أنحاء العالم، لجأت البلدان التي تتقدم في العمر بسرعة إلى العمالة الأجنبية لملء الوظائف التي تتركها القوى العاملة المتقلصة، ولرعاية الأعداد المتزايدة من كبار السن.

وحتى كوريا الجنوبية، التي كانت انعزالية في السابق، تستقبل أعدادًا أكبر من العمال المهاجرين لتعويض انخفاض معدل المواليد.

ويمثل المقيمون الأجانب اليوم نحو خمسة في المئة من سكانها، بعدما كانت نسبتهم قريبة من الصفر في أوائل تسعينيات القرن الماضي. 

غير أن تبني الحزب الشيوعي الصيني للنزعة القومية المحلية يجعل هذا الخيار صعبًا.

فقد أظهرت نتائج تعدادي السكان في عامي 2010 و2020 أن المقيمين الأجانب يمثلون 0.1 في المئة فقط من إجمالي سكان الصين، وهي تقريبًا النسبة نفسها التي كانت عليها تايوان أو كوريا الجنوبية عام 1990.

لكن بينما اتجه هذان المجتمعان نحو انفتاح أكبر خلال العقود التالية، تسير الصين في طريق يزداد تمركزًا حول الهوية الإثنية.

وخلال العقد الماضي، شددت السلطات الصينية القيود على المنتجات الثقافية الأجنبية مثل الأفلام، ومنذ عام 2016 حددت يوم 15 أبريل/نيسان «يومًا للأمن القومي»، يُحتفى به عبر لافتات دعائية وأنشطة مدرسية وبرامج تلفزيونية تحذر المواطنين من الجواسيس الأجانب.

وهذه الرسائل لن تجعل اجتذاب العمال الأجانب الذين ستحتاج إليهم الصين خلال الأعوام المقبلة، مثل العاملين في رعاية المسنين، أكثر صعوبة فحسب، بل تهيئ السكان الصينيين أيضًا لمقاومتهم.

وفي أغسطس/آب 2025، أعلنت السلطات تأشيرة جديدة تستهدف جذب أجانب شباب موهوبين يعملون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وكان ذلك منسجمًا مع أهداف شي المعلنة بجعل الصين رائدة عالميًا في التصنيع والتكنولوجيا ومنافسة البلدان المتقدمة على المواهب العالمية.

لكن رد الفعل الشعبي كان فوريًا وغاضبًا.

فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب في الصين 18.9 في المئة في الشهر نفسه، ولجأ الشباب إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمهاجمة الحكومة واتهموها بالتفريط في مصالحهم.

وحصدت المنشورات المتعلقة بالموضوع عشرات الملايين من المشاهدات خلال أيام قليلة.

ووُصف بعض المعلقين الذين دافعوا عن الحكومة بأنهم «خونة للعرق».

وتكهن آخرون بأن عمال التكنولوجيا الهنود قد يتدفقون إلى الصين وينافسون الصينيين على الوظائف أو حتى شركاء الزواج. وبعد أكثر من عام، لم تظهر تقارير عن إصدار أي تأشيرة من هذا النوع.

ويمثل الاستياء الداخلي تجاه «الغرباء» خطًا فاصلًا خطيرًا آخر يظهر في الصين في القرن الحادي والعشرين.

فالصين لا تشيخ فحسب؛ بل يُرجح أن تقترب من الذكرى المئوية لتأسيسها عام 2049 في وقت تكون فيه الانقسامات الاجتماعية الجوهرية، بين الرجال والنساء، والصينيين والأجانب، وسكان المدن والريف، قد تعمقت وازدادت مرارة بفعل عقود من الجمود في الحكم والقيم المرتدة إلى الماضي.

وبحلول منتصف القرن، ستعاني بكين نقصًا مزمنًا في العمال الذين تحتاج إليهم، ومن المرجح أن تجد نفسها في الجانب الخاسر من نوع جديد من السخط الشعبوي.

القنبلة الموقوتة

بالنسبة إلى بعض صناع السياسة الأميركيين، يتمثل الخطر الأكبر لهذه الاتجاهات في الحرب.

ففي كتابهما الصادر عام 2022، «منطقة الخطر: الصراع القادم مع الصين»، حذر هال براندز ومايكل بيكلي من أن التراجع الديموغرافي قد يدفع «صينًا بلغت ذروة قوتها» إلى المجازفة ومحاولة الاستيلاء على تايوان قبل أن تبدأ الضغوط الاجتماعية المتصاعدة والقيود الاقتصادية في إحداث تأثيرها بصورة جدية.

وهذا التخوف ليس عبثيًا. لكن التأطير الأكثر ملاءمة ليس مجازفة عقلانية محسوبة، بل سوء تقدير خطير من زعيم مسن ومعزول.

فكما حدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أن يقرر غزو أوكرانيا عام 2022، أو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أن يشن حربًا على إيران عام 2026، قد يجد شي المسن نفسه معزولًا عن الواقع، ومحاطًا بمرؤوسين مذعورين، ثم يتعثر داخل كارثة.

لكن الخطر الأعمق بالنسبة إلى الصين داخلي. فعلى المدى القريب، ومع استمرار الاتجاهات الحالية، تتجه الصين نحو جمود سياسي.

ومن غير المرجح أن تبذل جهودًا جدية لمعالجة مشكلات المناطق الريفية أو تقليص مزايا الفئات المتميزة.

وسيشهد جيل من الشباب نموًا اقتصاديًا ضعيفًا وفرص عمل أقل من تلك التي تمتع بها آباؤهم، في ظل مناخ سياسي راكد يزداد عداءً للنساء على وجه الخصوص. وسيدفع ذلك الناس إلى مزيد من العزوف عن الزواج وتكوين الأسر.

ومع شيخوخة الصين، ستنتج هذه الاتجاهات سخطًا متزايدًا، وسيُدفع جهاز الدولة تدريجيًا إلى استخدام المراقبة الشاملة وأساليب «الإدارة الشبكية»، وهي أدوات طُورت أصلًا لاحتواء الأقليات الإثنية في شينجيانغ وأصحاب العرائض الساخطين في أنحاء الصين، للتعامل معه.

وقد بدأت السلطات الصينية بالفعل في إعادة تشكيل أدوات دولتها الأمنية استجابة لذلك.

ففي عام 2023، أنشأت بكين الإدارة المركزية للعمل الاجتماعي وكلفتها مراقبة الأشخاص الذين يعانون واحدة أو أكثر من حالات «النواقص الأربع»: عدم وجود زوج أو أطفال، أو عدم وجود وظيفة أو دخل مستقر، أو غياب التفاعلات الاجتماعية الطبيعية، أو عدم امتلاك أصول مالية مثل منزل أو سيارة.

كما تراقب من يعانون واحدة من «الخسائر الخمس»: الاستثمارات الفاشلة، أو الانتكاسات المهنية أو الحياتية، أو الاختلالات العاطفية، أو الأمراض النفسية، أو فشل العلاقات الشخصية.

وتنظر بكين إلى هؤلاء الأفراد بوصفهم تهديدات أمنية محتملة قد تنفذ هجمات جماعية، مثل حادثة نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما قاد رجل يبلغ 62 عامًا، وكان ساخطًا على تسوية الممتلكات بعد طلاقه، سيارته إلى داخل حشد وقتل عشرات الأشخاص.

وستشهد العقود المقبلة اتجاه بكين بصورة مطردة إلى «أمننة» المشكلات الاجتماعية الناتجة من التحولات الديموغرافية في الصين.

وفي ثلاثينيات هذا القرن، قد ينظر قادة الحزب المتقدمون في السن من مجمعات تشونغنانهاي المنعزلة ويرون استقرارًا سطحيًا.

وقد يقنع مليارديرات التكنولوجيا الصينيون أنفسهم بأنهم أيضًا محصنون من مشكلات عامة الناس. لكن زيادة القمع والمراقبة ليست حلًا طويل الأجل.

وسيجلس هؤلاء القلة المتميزون فوق قنبلة موقوتة من صنع أيديهم، شبيهة بتلك التي واجهتها النخب السياسية والاقتصادية في السنوات الأخيرة من عهد سلالة مينغ.

وبحلول أواخر القرن السادس عشر، كانت سلالة مينغ التي تمتعت يومًا بالحيوية قد دخلت مرحلة تآكل شديد.

فقد استنزفت عقود من الإسراف المالي، بما في ذلك تكاليف صراع طويل مع اليابان في كوريا، الخزانة الإمبراطورية.

وحاول مسؤولون إصلاحيون مثل تشانغ جوتشنغ سد العجز في مالية الدولة عبر سلسلة إصلاحات تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية وإجبار طبقة النبلاء وملاك الأراضي على تحمل حصة أكبر من العبء المالي المتزايد.

لكن طبقة النبلاء قاومت.

وبعد وفاة تشانغ عام 1582، نجحت في تفكيك إصلاحاته، وشوهت سمعته بعد وفاته لتجعله عبرة لمن قد يحاول استهداف امتيازاتها وثروتها.

وسقط العبء المالي لإمبراطورية مأزومة بدلًا من ذلك على الفلاحين العاديين.

وفي الوقت نفسه، انزلقت بلاط مينغ إلى الشلل السياسي.

فقد أمضى الإمبراطور وانلي (1572–1620) عقدين من حكمه في مواجهة طويلة مع بيروقراطيته بشأن هوية من سيخلفه. وكانت النتيجة فراغًا سياسيًا في القمة.

ومع ابتعاد العرش عن شؤون الحكم، تراكمت العرائض والتقارير التي يرسلها المسؤولون من دون أن تُقرأ، وبقيت مناصب حكومية حاسمة شاغرة، وانقسم الجهاز البيروقراطي الإمبراطوري وسط صراع فئوي مسموم.

وعلى مسارها الحالي، تخاطر الصين بتكرار هذا القوس التاريخي. فمن المرجح أن تعاني بكين فترة طويلة من الجمود السياسي في ظل شي، بالتزامن مع تفريغ القدرة البيروقراطية، ثم تواجه أزمة خلافة في ثلاثينيات أو أربعينيات هذا القرن.

ومع انقضاء سنوات الازدهار، تتكاثر بالفعل المؤشرات إلى أن الصين تواجه قيودًا مالية.

فالحكومات المحلية تسجل عجزًا، ويكافح كثير منها لدفع رواتب المعلمين وموظفي الخدمة المدنية ومخصصاتهم في الوقت المحدد.

ويقع العبء، مرة أخرى، على أضعف فئات المجتمع. فقد شهد سكان الريف والمهاجرون المسجلون في برنامج الرعاية الصحية الحكومي ارتفاع أقساط التأمين بنسبة 20 في المئة سنويًا خلال العقدين الماضيين.

ومع عجزهم عن مجاراة التكاليف، قرر نحو 83 مليون شخص ببساطة التخلي عن تغطيتهم في السنوات الأخيرة.

ولا يعني أي من هذه التطورات بمفرده وقوع كارثة. لكنها مجتمعة تشير إلى الصين في منتصف القرن وقد اتسعت كل خطوط الصدع الاجتماعية الرئيسية فيها بفعل عقود من سياسات الدولة.

وقد يؤدي اضطراب القيادة وضعف الدولة، كما حدث في أواخر عهد مينغ الواهن، إلى الاندماج مع التوترات الاجتماعية الكامنة وإنتاج أزمة وجودية.

ففي عشرينيات القرن السابع عشر، أدت موجة من تخفيضات ميزانية مينغ إلى دفع لي تسي تشنغ، وهو موظف بريد سُرح من عمله، إلى حياة قطع الطرق، قبل أن يصعد لاحقًا ليقود التمرد الذي أسقط السلالة عام 1644.

وقد تؤدي تخفيضات معاشات أو مزايا موظفي الدولة الصينية أنفسهم في السنوات المقبلة إلى إنتاج نظير حديث لهذه الحالة.

وفي ثلاثينيات القرن السابع عشر، أدى تدفق الفلاحين المنكوبين بالجفاف والمجاعة إلى توسع قوات لي غير المنظمة حتى أصبحت قادرة على تحدي العرش الإمبراطوري.

وربما يؤدي نقص المياه في شمال الصين خلال ثلاثينيات أو أربعينيات هذا القرن، وهو نقص قد يفاقمه تغير المناخ، أو وجود سكان ريفيين ومهاجرين تُركوا من دون رعاية صحية كافية لهم أو لوالديهم المسنين، إلى توفير المادة القابلة للاشتعال نفسها التي وفرها فلاحو شنشي الجائعون قبل أربعة قرون.

وقد يصعب تصور كل ذلك وسط الصين اللامعة اليوم. لكن القوى الداخلية القابلة للاشتعال التي تحرق القوى العظمى نادرًا ما تبدو خطرة إلى أن تشتعل بالفعل.

وقبل عشرين عامًا من وصول بلدانهم إلى نقاط أزمتها، كان من الصعب بالقدر نفسه تحديد الحطب الذي سيحمل رسامًا نمساويًا مغمورًا، أو ضابطًا سوفيتيًا عاديًا في جهاز «كي جي بي»، أو مطور عقارات أميركيًا صاخبًا، إلى قلب أحداث العالم.

خيار أميركا

لا تزال هناك بالنسبة إلى واشنطن حاجة حقيقية للغاية إلى الرد على التهديدات التي تشكلها السياسات الصينية المحددة، مثل تصاعد الضغط العسكري على تايوان، أو فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية المدعوم من الدولة الذي يغمر الأسواق العالمية حاليًا.

لكن بعض صناع السياسة الأميركيين قد يميلون إلى صياغة هذه الاستجابة بلغة واسعة عن صراع وجودي، بوصفها «تحديًا جيليًا» لمنع قيام «قرن صيني».

وينبغي لواشنطن ألا تقدم هذه الهدية إلى بكين.

فالواقع أن خيارات بكين نفسها هي التي تقوض مستقبل الصين.

ومع تصاعد السخط الداخلي، سيسعى القادة الصينيون إلى تحويل الأنظار عنه، عبر تصوير السبب الجذري على أنه رفض حضاري أميركي لصعود الصين.

وتبني هذا التأطير يؤدي عمليًا عمل بكين في البحث عن كبش فداء نيابة عنها.

وفوق ذلك، يغذي هذا الخطاب نوعًا من المبالغة الداخلية في رد الفعل القادرة على تمزيق النسيج الاجتماعي الأميركي.

فمثل هذه السرديات تغذي حالات ذعر شبيهة بـ«الخوف الأحمر الثاني» في خمسينيات القرن الماضي، الذي دفع العالم اللامع تشيان شيويسن إلى العودة إلى الصين، حيث أصبح لاحقًا الأب المؤسس لبرنامج الصواريخ الصيني.

وتتكرر دينامية مشابهة اليوم: فمناخ الشك المتشدد في الولايات المتحدة، الذي يتجلى في سياسات تأشيرات تزداد صرامة وعشرات القوانين في الولايات التي تمنع المواطنين الصينيين من امتلاك الأراضي، يدفع العلماء من أصول صينية إلى مغادرة المختبرات الأميركية، ويسهم في انخفاض كبير في التحاق الطلاب الدوليين، الذي تراجع بنسبة 17 في المئة عام 2025.

ولطالما نظر الأميركيون إلى أنفسهم بوصفهم أبناء بلد شاب وحيوي يتجدد بصورة منتظمة بفضل تدفقات المهاجرين، وهو ما وضعه على مسار ديموغرافي مختلف تمامًا عن أوروبا واليابان اللتين تشيخان، والصين الآن.

لكن الولايات المتحدة تواجه تحدياتها الخاصة. فقد انخفض معدل الخصوبة فيها دون مستوى الإحلال عام 2008، وواصل الهبوط منذ ذلك الحين.

وفي الوقت نفسه، تنقلب البلاد ضد الهجرة، التي شكلت الغالبية العظمى من النمو السكاني في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

وبسبب الحملة التي تشنها الإدارة الحالية على الهجرة، قد تكشف البيانات المنتظر صدورها عام 2027 أن عدد سكان الولايات المتحدة أصبح يتراجع للمرة الأولى في تاريخها.

ويجب على واشنطن تجنب تفاقم مشكلاتها الديموغرافية من خلال سياسات مدمرة للذات من النوع الذي يعمق مأزق الصين.

وسياسيًا، لا تزال الولايات المتحدة مختلفة جدًا عن الصين. لكنها تظهر هي الأخرى علامات لا لبس فيها على التصلب السياسي.

فالكونغرس، الذي يمثل أعضاؤه مجتمعين ثالث أعلى متوسط عمر مسجل تاريخيًا، لم ينجح في تمويل الحكومة الفدرالية في موعدها منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. وأصبح إغلاق الحكومة في الوقت نفسه جزءًا متكررًا من ممارسة الحكم الأميركي.

كما تعاني الولايات المتحدة تفاوتًا في الثروة والدخل يقارن بما في الصين، وهي فجوة تجعل من الصعب أيضًا تنفيذ إصلاحات تهدد النخب الراسخة.

فعلى سبيل المثال، تحمي قوانين تقسيم المناطق القيمة العقارية للمنازل التي يمتلكها السكان المتقدمون في السن، بينما تعرقل الشباب في محاولاتهم لشراء المنازل وبناء المسارات المهنية وتكوين الأسر.

وتشير كل هذه العوامل إلى أن الولايات المتحدة ستواجه قريبًا نوعًا من لحظة الحساب التي تمر بها الصين اليوم.

لكن الأزمة الديموغرافية ليست قدرًا محتومًا. إنها حصيلة تراكمية للاختيارات: هل تدعم الأسر أم تملي عليها ما تفعل؟ هل ترحب بالمهاجرين أم تقيم الجدران في وجوههم؟ هل تنهض بالشباب أم تحمي الامتيازات الراسخة؟

في ظل حكم شي، لم تعد الصين تتمتع برفاهية الاختيار؛ فهي تمضي نحو نسخة مسدودة الطريق ومنغلقة على ذاتها، وستفاقم هذه النسخة تراجعها الديموغرافي.

أما الولايات المتحدة، فلا يزال في إمكانها أن تختار طريقًا مختلفًا.

* كارل مينزنر، زميل أول في دراسات الصين في مجلس العلاقات الخارجية، وأستاذ في كلية الحقوق بجامعة فوردهام. وهو مؤلف كتاب «نهاية حقبة: كيف يقوّض الإحياء السلطوي في الصين صعودها».

اضف تعليق