يشرح المقال لماذا قد تتحول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى صراع طويل بلا حسم، إذ يعجز الطرفان عن تحقيق أهدافهما الكبرى، لكنهما يملكان القدرة على مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي. ويؤدي انعدام الثقة، والخوف من تقديم تنازلات، واستمرار الردع المتبادل، إلى توازن مستنزف يضعف الطرفين، ويعيد تشكيل...

يتناول المقال مأزق الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها صراعًا قد يطول من دون حسم، لأن الطرفين عاجزان عن تحقيق أهدافهما الكبرى، لكن كليهما يمتلك القدرة والدافع لمواصلة القتال وفرض الكلفة على الآخر. ويرى كاتب المقال علي واعظ في مجلة «فورين أفيرز» (Foreign Affairs)، أن غياب الثقة، والخوف من تقديم تنازلات تُفسَّر بوصفها ضعفًا، واستمرار أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية، تدفع الصراع نحو حالة من التوازن المستنزف؛ فلا سلام دائمًا ولا انتصار حاسمًا، بل حرب ممتدة تعيد تشكيل إيران وأمن الخليج وتوازنات المنطقة.

متى ستنتهي الحرب في إيران؟ 

يزعم المسؤولون الأميركيون أن الإجابة هي: قريبًا. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سبتمبر/أيلول: «أعتقد أن الحرب ستنتهي فورًا بعد انتخابات [نوفمبر/تشرين الثاني]. إنهم لا يستطيعون الصمود أكثر من ذلك». ويتفق القادة الإيرانيون على أن نهاية الحرب باتت قريبة. ففي أغسطس/آب، أعلن أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإسلامي، أن طهران «أجبرت أكثر الجيوش تسلحًا في تاريخ العالم على الركوع». ويرى كثير من المحللين الخارجيين أن الصراع سيستمر فترة أطول، وسينتهي بالمفاوضات بدلًا من حسمه بانتصار واضح لأحد الطرفين. لكن يسود عمومًا شعور بأن القتال سيُحسم قريبًا، بطريقة أو بأخرى.

ومثل هذا التفكير مفهوم. فجميع الحروب تنتهي في نهاية المطاف، وبعد أشهر من ارتفاع أسعار الطاقة، أصبح العالم متشوقًا على نحو خاص إلى توقف هذه الحرب. لكن الحقيقة المقلقة هي أن الصراع ليس قريبًا بأي حال من نهايته. فالطرفان الرئيسيان المتحاربان عاجزان عن تحقيق أهدافهما المنشودة، ومع ذلك يشعر كلاهما بأنه يحقق ما يكفي لجعل مواصلة القتال، بمزيج من الأدوات العسكرية والاقتصادية، أمرًا يستحق العناء.

فالولايات المتحدة لا تستطيع إسقاط النظام الإيراني، ولا إجباره على التخلي عن برنامجه الصاروخي، أو حمله على هجر برنامجه النووي، أو دفعه إلى وقف دعمه لشركائه الإقليميين. لكنها تستطيع الاستمرار في إضعاف قدراته العسكرية وتضييق الخناق على اقتصاده. أما إيران فلا تستطيع طرد القوة العظمى الوحيدة في العالم من الشرق الأوسط، لكنها قادرة على مواصلة إلحاق الأضرار بالقواعد الأميركية في المنطقة، وقصف حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وتعطيل التجارة الدولية.

والأهم أن الدولتين تمتلكان الموارد اللازمة للقتال إلى أجل غير مسمى، وكلتاهما تعتقد أنه لا خيار أمامها سوى استخدامها. ويعتقد كل طرف أنه إذا خفف الضغط، فسيمضي الطرف الآخر قدمًا حتى يهينه أو يحقق أهدافه الأساسية.

ويجري الطرفان محادثات دورية، لكن الثقة المتبادلة معدومة. بل إن كلًا منهما يشتبه في أن عدوه سيستخدم وقف إطلاق النار ببساطة لإعادة تنظيم قواته وتجديد إمداداته، ثم معاودة الهجوم.

وتخشى الحكومة الإيرانية أن يؤدي تخليها عن أوراق قوتها، سواء في مضيق هرمز أو ترسانتها الصاروخية أو برنامجها النووي، إلى جعلها عرضة للضغوط لاحقًا. أما واشنطن فتخشى أن يمنح رفع العقوبات على نطاق واسع طهران الموارد والوقت اللازمين لإعادة بناء قدراتها. وفي الوقت نفسه، تخشى إسرائيل أن يؤدي ضبط النفس اليوم إلى ظهور إيران أقوى غدًا.

وهكذا تبدو الخطوات المطلوبة للخروج من الحرب خطرة، تحديدًا لأنها تستلزم أن يجعل كل طرف نفسه، ولو مؤقتًا، أكثر عرضة للخطر.

ولذلك ستستمر الحرب على النحو الذي سارت عليه حتى الآن. فلن يكون هناك حل شامل، ولن يكون هناك اتفاق سلام دائم. لكن لأن الوضع الراهن قابل للاستمرار بالنسبة إلى كل طرف، ولأن الأطراف تفتقر إلى القدرة على انتزاع اليد العليا، فلن يحدث أيضًا تصعيد دراماتيكي. لن تُهزم طهران ولا واشنطن، لكن لن ينتصر أحد.

لا مخرج

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لم يكن من المفترض أن تسير الحرب بهذه الطريقة. فعندما انضمت إلى إسرائيل في ضرب الجمهورية الإسلامية في 28 فبراير/شباط، كانت واشنطن تعتقد أنها ستنتصر بسرعة.

فقد سبق للبلدين، في يونيو/حزيران 2025، أن دمرا أو دفنا معظم المنشآت النووية الإيرانية، وفجرا العديد من مواقع الصواريخ. كما قتلت إسرائيل عشرات العلماء الإيرانيين البارزين وأكثر من عشرين قائدًا عسكريًا، وألحقت بحزب الله في لبنان خسائر فادحة.

وكان الرئيس السوري بشار الأسد، الحليف الإيراني القديم، قد فقد السلطة، فيما كانت احتجاجات ضخمة قد هزت الحكومة الإيرانية للتو. وبدا أن الجيش الأميركي وقوات الدفاع الإسرائيلية يتمتعان بوصول لا ينازع عليه تقريبًا إلى المجال الجوي الإيراني. وبعبارة أخرى، بدا النظام وكأنه يقف على حافة الانهيار.

وفي الأيام الأولى من الصراع، قتلت إسرائيل والولايات المتحدة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعددًا من كبار القادة العسكريين في البلاد. لكن التوقعات بانهيار الجمهورية الإسلامية أثبتت خطأها.

فقد سارع النظام إلى استبدال المسؤولين الذين فقدهم، وبدأ في الرد على أعدائه، فدمر طائرات أميركية وقاذفات صواريخ وأنظمة رادار في قواعد موزعة في أنحاء الخليج العربي. كما سيطر على مضيق هرمز وضيّق حركة التدفقات التجارية عبر الممر المائي. وهاجمت القوات الإيرانية البنية التحتية المدنية في أنحاء منطقة الخليج، ما جعل شركاء واشنطن الإقليميين يدفعون ثمن تمكينهم الهجوم الأميركي الإسرائيلي.

وقد قلل المسؤولون الأميركيون من شأن هذه الانتكاسات، ووعدوا بأن النظام الإيراني لا يفصله سوى هجوم آخر أو عقوبة إضافية عن الاضطرار إلى تقديم تنازلات. لكن من المستبعد للغاية أن تتمكن إسرائيل وواشنطن من إجبار طهران على التراجع بشأن أي قضية ذات أهمية حقيقية.

فقد حاولتا مرارًا قصف مسؤولي النظام وبرامجه العسكرية حتى القضاء عليها، لكن طهران كانت تعيد بناءها بسرعة. ومن الصعب تصور كيف يمكن للغارات الجوية المقبلة أن تحقق ما لم تحققه الغارات السابقة.

وبالطبع، أضافت الولايات المتحدة بعدًا جديدًا إلى هجومها، إذ راكمت العقوبات إلى جانب حصارها الساحل الجنوبي لإيران وقصفها الدوري. وقد نجحت هذه التدابير في زيادة تقييد وصول إيران إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك قدرتها على استيراد سلع متنوعة وتصدير سلع رئيسية مثل النفط.

لكن من غير المرجح أيضًا أن يقنع ذلك النظام بالتراجع. فالممرات البرية وبحر قزوين يقوضان أي محاولة لإغلاق إيران إغلاقًا محكمًا، حتى وإن كانت قدرة هذه الطرق لا تستطيع تعويض إغلاق المسارات البحرية وتقلص الروابط الجوية. كما قدمت الصين وروسيا مجموعة متنوعة من السلع ومعلومات استخبارية عسكرية قيّمة.

والأثر الاقتصادي للقيود الأميركية حقيقي، لكن الحكومة ستنقل الضرر إلى شعبها عبر خفض الإعانات، بدل تقليص الإنفاق على الأجهزة العسكرية والأمنية التي تحتاج إليها للدفاع عن نفسها في مواجهة الخصوم الخارجيين والمعارضة الداخلية.

ويتعين على الإيرانيين العاديين مواجهة انهيار العملة والتضخم المنفلت بصورة مباشرة، وبالنسبة إليهم قد يبدو وصف الوضع الراهن بأنه «قابل للاستمرار» أمرًا يكاد يكون فاحشًا. لكن ما قد يكون غير قابل للاستمرار بالنسبة إلى المجتمع الإيراني يمكن أن يكون قابلًا للاستمرار تمامًا بالنسبة إلى الدولة.

فالجمهورية الإسلامية لا تحتاج إلى حماية إيران كلها من التدهور الاقتصادي؛ وإنما تحتاج فقط إلى حماية المؤسسات والدوائر الاجتماعية الضرورية لبقائها.

وقد يأمل المسؤولون الأميركيون أن يدفع ازدياد فقر السكان الإيرانيين طهران إلى تغيير موقفها. لكن القادة الإيرانيين يعتقدون أنهم يواجهون تحديًا وجوديًا، وفي مثل هذه الظروف من غير المرجح أن ينظر القادة إلى أي مستوى من المعاناة الاقتصادية باعتباره نقطة انهيار واضحة.

وفوق ذلك، سبق للنظام أن تحمل وضعًا أسوأ ولمدة أطول من دون أن يتراجع. فمن عام 1980 إلى عام 1988، خاضت البلاد حربًا مع العراق قُتل فيها مئات الآلاف من الإيرانيين، وتكبدت الدولة أضرارًا بمئات مليارات الدولارات.

لكن حتى ذلك لم يكن كافيًا لدفع طهران إلى الانسحاب. بل إن إيران، حتى بعد طرد القوات العراقية من أراضيها، غزت أراضي خصمها وأمضت ست سنوات تحاول إسقاط الرئيس العراقي صدام حسين، رغم استمرار المعاناة الداخلية.

ولم يتوقف الصراع إلا بعد التقدم العراقي في ساحات القتال، وتزايد التدخل الأميركي في الخليج، وظهور تصور بأن ميزان القوى الإقليمي يتحول بصورة حادة ضد طهران.

وبالطبع، لم تستخدم الولايات المتحدة جميع أوراقها بعد. إذ يمكنها إرسال قوات برية، لكن مثل هذه العمليات ستؤدي على الأرجح إلى سقوط عدد أكبر بكثير من الضحايا الأميركيين، كما ستدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع أكثر، ولذلك فهي غير قابلة للتنفيذ سياسيًا.

ويمكن لواشنطن أيضًا شن غارات جوية على أهداف رئيسية في البنية التحتية، بما يلحق أضرارًا تمتد آثارها لأجيال بشبكة الطاقة الإيرانية وأنظمة النقل والاتصالات وغيرها من المنشآت. لكن طهران سترد بالمثل ضد شركاء الولايات المتحدة في الخليج، الأمر الذي سيرفع تكاليف الطاقة أيضًا.

وقد احتفى النظام الإيراني بقدرته على الصمود أمام الهجمات الأميركية، لكن آفاق انتصاره على الولايات المتحدة تبدو قاتمة بالقدر نفسه.

فلا تستطيع إيران زيادة الضغط بسهولة لأن أزمتها الاقتصادية تقلص هامش المغامرة الاستراتيجية. وقد تعتقد القيادة الإيرانية أنها قادرة على تحمل مشقة طويلة الأمد، لكن مواجهة كبرى أخرى مع الولايات المتحدة ستعرضها لأضرار أعمق في ظل عقد اجتماعي يعاني أصلًا من الضغوط.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن المسؤولين الإيرانيين لا يملكون سببًا وجيهًا للاعتقاد بأن التصعيد الدراماتيكي سيدفع واشنطن إلى الانسحاب؛ فقد يؤدي بسهولة إلى رد أكثر تدميرًا من رئيس أميركي مندفع.

ولهذا يُرجح أن تفضل طهران، في الوقت الراهن، فرض تكاليف محسوبة على الولايات المتحدة، والحفاظ على أوراق الضغط، واختبار تصميم واشنطن من دون تجاوز عتبة تستدعي هجمات مكثفة.

وحتى لو صعّدت طهران بصورة كبيرة، فمن غير المرجح أن تنتصر الجمهورية الإسلامية. تستطيع إيران إضعاف الوجود الأميركي في المنطقة، وقد أجبرت الولايات المتحدة بالفعل على إنفاق مبالغ هائلة على الصراع، تجاوزت 40 مليار دولار وما زالت في ارتفاع.

لكن إجمالي الميزانية الأميركية يبلغ تريليونات الدولارات، ولدى واشنطن مخزون كبير من القنابل الأقل تطورًا التي يمكنها استخدامها في القتال مع تناقص مخزونها من الأسلحة المتقدمة.

وقد فقدت الولايات المتحدة جنودًا، لكن عددهم لا يمثل سوى جزء ضئيل مما خسرته في أفغانستان والعراق. كما تستطيع إبقاء الخسائر البشرية منخفضة نسبيًا لأنها قادرة على القتال عن بعد، وإطلاق الصواريخ من خارج الأراضي الإيرانية.

مضيق التوازن

للوهلة الأولى، قد يبدو عجز طهران وواشنطن عن تحقيق نصر حاسم أمرًا يبشر بالسلام. فعندما تدرك الدول أن النصر غير قابل للتحقيق، قد تلجأ أحيانًا إلى التسوية.

لكن كلًا من إيران والولايات المتحدة لديها أهداف ثانوية، وتعتقد أن مواصلة القتال ستساعدها على تحقيقها.

فواشنطن، مثلًا، تعتقد أن الهجمات المتقطعة ستضمن ألا تتمكن طهران أبدًا من إعادة بناء قدراتها العسكرية بالكامل أو تطوير أسلحة نووية. وهي تريد ضرب إيران كلما تجاوز النظام عتبة معينة، مثل إعادة بناء منظومة أسلحة تثير قلقًا خاصًا، أو استئناف تخصيب اليورانيوم.

وبذلك تعتقد الولايات المتحدة أنها تستطيع إبقاء إيران ضعيفة من دون تحمل المخاطر السياسية والعسكرية المرتبطة بمحاولة تغيير النظام.

أما إيران فتعتقد من جانبها أن استمرار القتال سيساعدها على استعادة قوة الردع التي فقدتها. ولذلك تحشد شركاءها الإقليميين، مثل الفصائل العراقية والحوثيين في اليمن، لإبقاء خصومها تحت الضغط من جبهات متعددة.

كما أصبح النظام أكثر استعدادًا للضرب أولًا. ففي يوليو/تموز، على سبيل المثال، شن هجومًا صاروخيًا على قاعدة في الأردن تستضيف أفرادًا عسكريين أميركيين، رغم عدم وقوع ضربة أميركية مباشرة قبل ذلك.

وبالطبع، سعت إيران أيضًا إلى الهيمنة على مضيق هرمز. وكان المسؤولون الإيرانيون ينظرون سابقًا إلى إغلاق الممر المائي بوصفه إجراءً أخيرًا لا يُستخدم إلا في الظروف القصوى، ولذلك انتظروا حتى اندلاع حرب شاملة.

لكن خلال يوم واحد فقط، أثبتت طهران قدرتها على التحكم بالمضيق من خلال استهداف السفن بالطائرات المسيرة والصواريخ، ما منحها مصدرًا جديدًا للضغط.

ويبدو أن إيران تعتقد أيضًا أن استمرار القتال سيساعدها على استعادة النفوذ الذي كان قد تراجع قبل الحرب، وربما توسيعه، بعدما أخفقت مرارًا في ردع خصومها وفقد شركاؤها الإقليميون جزءًا من نفوذهم.

وهذا يفسر لماذا وسعت إيران، فور ضربها من إسرائيل والولايات المتحدة في فبراير/شباط، ساحة المعركة إلى الشرق الأوسط بأسره، بما في ذلك دول الخليج التي أمضت السنوات الأخيرة في إعادة بناء علاقاتها مع طهران.

وفي المجمل، هاجمت إيران أكثر من اثنتي عشرة دولة في أنحاء الشرق الأوسط. وهي تريد إقناع هذه الدول بالابتعاد عن واشنطن من خلال إثبات أن الشراكة مع الولايات المتحدة تجعلها أكثر عرضة للخطر.

وقد تكون تقديرات واشنطن وطهران صحيحة، وقد تكون خاطئة. لكن حتى إذا لم يكن لأي منهما شيء يكسبه من استمرار القتال، وحتى إذا أدرك الطرفان ذلك، فسوف يواجهان صعوبة في التوصل إلى تسوية.

فلأن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن نظراءهم الأميركيين مصممون على تدمير الجمهورية الإسلامية، فهم لا يعتقدون أنهم يستطيعون وقف القتال حتى لو أرادوا ذلك.

ولا تشعر واشنطن بالخوف نفسه، لكنها ما تزال تعتقد أنها لا تستطيع تحمل تقديم تنازلات. فمن وجهة نظر المسؤولين الأميركيين، إذا منحت الولايات المتحدة إيران الأشياء التي ترغب فيها أكثر من غيرها، أي رفعًا واسعًا للعقوبات والاعتراف بنفوذ النظام على مضيق هرمز، فإنها ستكون قد قوّت خصمها وكافأت الإكراه العسكري.

نظريًا، تستطيع إيران والولايات المتحدة معالجة هذه المخاوف عبر الدبلوماسية. لكن عمليًا، لا يثق أي منهما بالآخر بالقدر الكافي لإجراء مقايضات دائمة.

ولنتأمل، مثلًا، ما حدث لمذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان في يونيو/حزيران على أمل وقف الحرب. كان من المفترض أن تعالج الصفقة أولويات البلدين من خلال إعادة فتح مضيق هرمز وإطلاق مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع واسع للعقوبات وإنهاء الهجمات على إيران وشركائها.

لكن سرعان ما اتضح أن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين لم يكونوا متفقين على التفاصيل.

فقد جادلت واشنطن بأن الاتفاق يعني أن السفن تستطيع المرور عبر المضيق مجددًا بالطريقة التي تريدها، بينما رأت طهران أنها ما تزال قادرة على تحديد طريقة العبور وفرض الرسوم.

ولذلك أطلقت إيران النار على سفن كانت تسلك الممر المائي بمحاذاة الساحل العُماني بدلًا من الساحل الإيراني، ما أثار غضب المسؤولين الأميركيين.

وفي المقابل، اتهمت إيران واشنطن بانتهاك الاتفاق لعدم الإفراج الفوري عن الأصول الإيرانية المجمدة، وعدم وقف إسرائيل عن ضرب حزب الله.

وخلص الطرفان إلى أن الآخر يتصرف بسوء نية، فعاد الصراع من جديد.

ولا يعني هذا الفشل أن طهران وواشنطن لن تتفاوضا. فمن المرجح أن تحافظا على الحوار، وقد توقفان الصراع بصورة دورية لإعادة تنظيم صفوفهما.

لكن الدبلوماسية والحرب يمكن أن تحدثا في الوقت نفسه. ففي خمسينيات القرن الماضي، مثلًا، انخرطت كوريا الشمالية والولايات المتحدة في مسار دبلوماسي لسنوات قبل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.

وطالما ظلت طهران وواشنطن قادرتين على إيذاء بعضهما وملتزمتين بذلك، فلن تنتهي الحرب مهما كثرت المحادثات.

مراقبة الجوار

قد تكون الحرب ضد إيران استقرت في حالة من الجمود، لكن الصراع يعيد تشكيل الجمهورية الإسلامية والمنطقة المحيطة بها على السواء.

تقليديًا، كانت إيران نظامًا سلطويًا معقدًا، يقوم نظامه السياسي على مزيج من سلطة رجال الدين والمؤسسات المنتخبة والأجهزة الأمنية والعسكرية القوية وشبكات المحسوبية المتنافسة ومجتمع نابض بالحيوية.

لكن وفاة خامنئي أزالت الشخصية العليا في النظام وأخلت بالتوازن القائم، فيما تعمل الحرب بصورة منهجية على تفضيل أجزاء الدولة المسؤولة عن البقاء على كل ما عداها.

ومن شأن الصراع الدائم أن يزيد من رفعة مكانة الإيرانيين الذين يرتدون الزي العسكري على حساب الإيرانيين الذين يرتدون البزات المدنية، وربما حتى على حساب رجال الدين.

وستواصل المؤسسات التشاركية في الجمهورية الإسلامية، التي ضعفت أصلًا، التراجع، فيما ستزداد قوة النخب العسكرية والأمنية، ويغطيها غطاء ثيوقراطي آخذ في الترقق.

ولا يعني ذلك أن الأجزاء غير المسلحة من بنية السلطة التقليدية في البلاد ستكون عاجزة عن ممارسة النفوذ. فقد يواصل السياسيون المدنيون مناقشة ما إذا كان ينبغي لإيران محاولة التفاوض، ومقدار الألم الاقتصادي الذي تستطيع البلاد تحمله.

لكن أفكارهم ستكون بالكامل تحت رحمة النخبة المسلحة التي تعطي الأولوية لاستعادة الردع والحفاظ على قدر كافٍ من القدرة الهجومية لإيذاء خصوم إيران.

ولن تلغي البلاد مؤسساتها المدنية، لكن مجالات متزايدة من الحياة يجري تعريفها بوصفها قضايا أمنية، بما في ذلك الاتصالات والاستثمار الأجنبي والجامعات والإعلام والسياسة الاقتصادية، ومن ثم أصبحت تقع تحت سيطرة المؤسسة الأمنية.

وسيستمر الطابع الديني للنظام، لكن المؤسسة الدينية التي كانت في السابق ترعى الجيش لتدعيم حكمها قد تنتهي خاضعة له.

وفي الوقت نفسه، تعيد دول الخليج العربية صياغة عقائدها الأمنية.

وسيُرضي جزء من تفكيرها إيران؛ فبعد عقود من محاولة إبقاء واشنطن منخرطة في المنطقة خشية أن يجعلها الانسحاب الأميركي أكثر عرضة للخطر، خلصت دول الخليج إلى أن العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة تجعلها أهدافًا.

لكن من غير المرجح أن يطرد الخليج واشنطن. فبالرغم من أوجه قصورها، ما تزال الولايات المتحدة الدولة الخارجية الوحيدة التي توفر لهذه البلدان قدرًا من الدعم العسكري، كما تعمق عدم ثقتها بإيران منذ بدء الحرب. وفي الواقع، ردت بعض دول الخليج على الجمهورية الإسلامية عسكريًا.

وبدلًا من ذلك، يُرجح أن تتبع هذه الدول سياسة موازنة وتحوط. فستقيم روابط دبلوماسية واقتصادية أقوى مع إيران على أمل إقناعها بالتوقف عن مهاجمتها، لكنها ستحتفظ في الوقت نفسه بعلاقاتها الأمنية والاقتصادية مع واشنطن.

وستبدأ أيضًا في محاولة تطوير دفاعات صاروخية محلية أقوى، وتحصين بنيتها التحتية، وإنشاء طرق بديلة لتصدير الطاقة، وبناء احتياطيات استراتيجية أكبر من النفط والغاز والأسلحة.

وقد تحاول المنطقة كذلك استخدام علاقاتها مع كل من إيران والولايات المتحدة للتوسط في الصراع.

معركة تلو أخرى

الحروب فوضوية بطبيعتها، ومن الممكن أن يؤدي هجوم أو حدث مستقبلي إلى زعزعة التوازن الراهن.

فكلما أصبح البلدان أكثر اعتيادًا على الوضع القائم، قد يفرطان في الثقة بدفاعاتهما ويقرران التصعيد.

وقد تُغرى واشنطن، على سبيل المثال، بمحاولة إجبار النظام على الانهيار من خلال هجوم عسكري أكثر شراسة، ما قد يدفع إيران إلى إحداث اضطراب أكبر في الأسواق وإلحاق مزيد من الأضرار بالخليج.

وإذا قتل صاروخ إيراني أعدادًا كبيرة من الأميركيين، أو أدى هجوم إيراني إلى تعطيل بنية تحتية حيوية في الخليج، فقد تختار الولايات المتحدة أخيرًا استخدام قوات برية أو تدمير شبكة الكهرباء الإيرانية، ما قد يعرض النظام للخطر.

وقد تكون طهران مخطئة أيضًا في اعتقادها أنها تستطيع الاستمرار في فرض معاناة هائلة على شعبها. فقد تؤدي حالات النقص المتتابعة في السلع إلى اندلاع اضطرابات جماهيرية جديدة وانشقاقات داخل النخبة، ما يجعل استمرار النظام في محاربة الولايات المتحدة والحفاظ على السلطة في الوقت نفسه أكثر صعوبة.

وقد يتحول التدهور الذي يبدو قابلًا للإدارة إلى شيء أكثر خطورة بكثير: تراجع في القدرة على الحكم، وليس مجرد تراجع في القدرة على القتال.

لكن الحرب تبدو، في الوقت الراهن، قابلة للاستمرار. فواشنطن لم تحقق أيًا من أهدافها المعلنة، كما استهلكت كميات كبيرة من الذخائر باهظة الثمن. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة قادرة على تحمل تكاليف القتال، وتعتقد أن كلفة التراجع تفوق كلفة الاستمرار.

ويواجه المجتمع الإيراني سنوات من الإفقار وانعدام الأمن، لكن الجمهورية الإسلامية نفسها ما تزال مستقرة، ولا تعتقد أنها تستطيع تحمل تقديم تنازلات ذات مغزى.

وهذه هي مفارقة هذا الصراع: خرج الطرفان منه أضعف مما كانا عليه، ولا يستطيع أي منهما الانتصار، ومع ذلك يواصلان القتال لأن البدائل تبدو لكليهما غير مقبولة على الإطلاق.

اضف تعليق