آراء وافكار - وجهات نظر

اخلاق اينشتاين

اعتبر اينشتاين (1879-1955) الاخلاق شيئا اساسيا لا غنى عنه لبقاء الانسانية، حيث بذل جهدا كبيرا لصياغة موقف متماسك عن العلاقة بين الاخلاق والعلوم والدين. فهو يرى ان الاخلاق يجب ان تبتعد عن الدين وتُعامل قدر الإمكان كمسألة دنيوية في جلب الاستقامة والسعادة لكل الناس.

ان المصدر الرئيسي لعدم الانسجام سواء بين الافراد او الجماعات وفقا لاينشتاين هو الاحساس المفرط بأهمية الذات. ولذلك هو طبّق مقدرته الراسخة في تصحيح سوء الفهم لمشكلة غرور الانسان، وهذا قاده للإشارة الى الخطأ الكبير في شعورنا بإمتلاك الرغبة الحرة. عدم وجود الرغبة الحرة بدا لاينشتاين واضحا جدا لدرجة انه لم يجد صعوبة في توضيح استدلالاته على مستوى التفاصيل، لكن الموضوع حقا يشكّل عقبة خطيرة حينما يحاول الناس اتّباع تفكيره في الاخلاق. ان دعم اينشتاين المستمر لحرية الفرد ضد السلطوية بدا للمراقبين كشيء غير منسجم مع انكاره للرغبة الحرة. سنحاول هنا ملء الفجوات المفقودة من عرض اينشتاين، وبيان الانسجام بين كلماته واعماله، وتقييم الصلة الحالية والمستقبلية لإتجاه اينشتاين في الاخلاق.

لا وجود للاختيار

يحاول العلماء توضيح العلاقات السببية بين الاحداث المُشاهدة عبر القوانين الكونية للطبيعة العاملة في المادة. الاجسام الانسانية هي ايضا مصنوعة من الذرات، وعلى الرغم من ان هناك العديد من العوامل الملائمة لإعطاء وصف ميكروسكوبي عملي للفرد، لكنه لا شيء من حيث المبدأ يمنع السلوك المعقد للإنسان من ان يوصف علميا – وهو ما تعنيه التطبيقية الكونية للقوانين العلمية.

اما بالنسبة للاطار العلمي الذي فضّله اينشتاين، هو الذي تنكشف فيه الاحداث بفعل قوانين مقررة سلفا، ذلك انه حالما تتحدد وبشكل تام الحالة الاولى للعالم، ستتقرر ايضا جميع الظواهر اللاحقة. وعليه عندما يواجه الفرد بدائل متعددة ويتخذ الخيار، فان رغبة صانع القرار في لحظة القرار هي في الواقع تقررت سلفا منذ بداية الكون. لذا فان الشعور بامتلاك خيار هو فقط نوع من الوهم. في شهر نوفمبر من عام 1930 وفي مقالة في مجلة نيويورك تايمز، قال اينشتاين بصراحة: "الى كل منْ يغمرهُ الاحساس بالقانون السببي بكل ما يحدث، ان الانسان يتصرف طبقا للضرورة الباطنية والخارجية، وهو سيكون، في نظر الله، ليس اكثر مسؤولية من الشيء الجامد في الحركات التي يقوم بها". البعض سيعارض بان الميكانيك الكوانتم أدخل عنصرا عشوائيا. ولكن بالطبع اينشتاين لم يعتقد بان سببية الكوانتم هي حقا عشوائية، قائلا لنيل بوهر Niels Bohr ان "الاله لا يلعب لعبة النرد". (بوهر اجاب كما يبدو بان اينشتاين لا يجب ان يخبر الله بما يقوم به). ولكن حتى لو كانت تقلبات الكوانتم هي حقا عشوائية، ذلك سيكون تبريرا صعبا للإيمان بالمسؤولية الفردية، في ضوء الطبيعة الغير منضبطة لتلك التقلبات.

اذا كانت الرغبة الحرة مستحيلة، كيف يمكن للمرء اذاً اكتساب الوهم بامتلاكها؟Baruch Spinoza (1632-1677) اشار سلفا الى ان الفرد يرى ارتباطا سببيا موثوقا بين ما يمتلكه من رغبة بإنجاز نتيجة معينة وتحويل تلك النتيجة الى واقع ملموس من خلال تحريك جسمه. ولكن بما ان الفرد لا يستطيع حساب العدد الهائل من الاسباب المبكرة التي قادت لامتلاكه الرغبة، فهو يأخذ أقدم سبب مُقتفى اثره، اي، رغبته، كأصل او مصدر للسلسلة اللاحقة للاحداث. سبينوزا يرى ان هذا القطع او الاختزال غير منطقي، لكنه يصبح ممارسة شائعة، ونحن نردد بشكل روتيني اشياءاً مثل "انا اتحمل المسؤولية عن هذا الخطأ" حتى لو ان مثل هذا الادّعاء يصبح له معنى فقط كشكل من تسجيل المديونية. عندما قال الرئيس بوش انه يتحمل المسؤولية لسوء التعامل مع اعصار كاترينا، هو عرف، والجمهور عرف ايضا، ان الاسباب الحقيقية لسوء الادارة كانت اكثر تعقيدا.

هذا ربما لايزال غير مقنع للناس. احدهم ربما يسأل: انا اشعر كان بإمكاني عمل خيار مختلف عن الخيار الذي قمت به، فلماذا اذا لا اكون انا مصدر القرار؟ الجواب هو ان هناك خيار حقيقي واحد فقط تم في تلك اللحظة، وهو خيار اُملي بأسباب قبلية. اذا كان عليك مواجهة نفس الخيارات مرتين، انت قد تصنع خيارين مختلفين بشكل مقبول، لكن ذلك يعني فقط انه في الفاصل الزمني بين وقوع الخيارين هناك احداث جديدة وقعت - ربما فقط في دماغك- جعلتك تغير اختيارك. لا يهم كيف تصنع خياراتك، افعالك لا تزال كلها تتقرر بأسباب قبلية.

المراسلة التي حصلت بين اينشتاين وصديقه Otto Juliusburger حول مسؤولية هتلر عن جرائم الحرب العالمية الثانية توضح كيف نظر اينشتاين للتعامل مع النتائج الاخلاقية لغياب الرغبة الحرة. هو اعترف بانه طالما ان سلوك كل شخص يتقرر بعوامل قبلية، فان هتلر ليس امامه خيار سوى ما قام به، ولذا فان الحجج الاخلاقية المستخدمة مثلا في استثناء الرجل المجنون من العقوبة – باعتباره لم يكن يعرف ما كان يعمل - ربما ايضا يمكن تطبيقها على هتلر. بكلمة اخرى، الفرق الذي يقيمه المحامون بين المضطرب عقليا الذي لا يعرف الصواب من الخطأ وبين آخر يتصرف لا اخلاقيا لكنه يعرف انه خطأ، يبدو غير مهم لاينشتاين، طالما كلاهما يقومان بما يجب عليهما القيام به انطلاقا من احتشاد الاحداث في دماغيهما، والتي تتدفق وبشكل راسخ من العلل السابقة. لذا بدلا من التركيز على العقوبة، لابد من ان يسترشد الفعل القانوني برفاهية البشرية، ورفاهية البشرية تبرر الافعال لمنع هتلر المستقبل من تحطيم حياة الناس الاخرين، تماما كما يتصرف المجتمع لمنع مرضى الشوزيفرينيا من الاضرار بالآخرين. اينشتاين اتخذ ايضا من غياب الرغبة الحرة كنداء لنا كي لا نتعامل بجدية مع سيادتنا المفترضة: ما نحميه بغرور ونكرّسه بقسوة كسيادة لنا هو في الحقيقة نتيجة للعدد الهائل من العوامل التي ندركها فقط بشكل غامض.

نوعان من الحرية

الناس الذين يواجهون هذا المنطق لأول مرة يميلون ليصبحوا مذعورين – ماذا سيحدث لحريتنا المفترضة اذا لم تكن لدينا الرغبة الحرة؟ في الحقيقة لا حاجة للخوف لو ميزنا بين نوعين من الحرية: الحرية من العلل السابقة، والحرية من الاكراه. ان فكرة الرغبة الحرة المطلقة تفترض ان خياراتنا لم تتقرر بالعلل السابقة، لكن القليل منا حقا يعتقد بالحرية بهذه الطريقة. بدلا من ذلك، نحن نشعر بفقدان الحرية عندما نكون مكرهين، اي، عندما نجبر للقيام بعمل ما او ان نكون بموقف معين ضد قيمنا. هناك مجموعة افضليات ومكروهات معينة يعتبرها الفرد خصائص له. هذه المجموعة من القيم ربما تتغير مع الزمن لكنها ثابتة في المدى القريب جدا. وعليه يصبح هناك معنى لنعيد تعريف "الخيار الحر" كخيار منسجم مع مجموعة قيم الفرد المؤكدة ذاتيا.

اينشتاين كشف بكلماته وافعاله انه قبل بهذا الاستخدام اللغوي للرغبة الحرة: حرية الفرد التي ناضل من اجلها طوال حياته ضد السلطوية تنسجم مع وصف "الحرية من القهر". من الملفت ان زميل اينشتاين والبايوغرافي ابراهام باس Abraham Pais كتب عام 1982 انه لو اراد اعطاء وصفا مختصرا لاينشتاين، سيقول ان اينشتاين كان الفرد الاكثر تحررا على الاطلاق. باس استمر ليوضح انه يقصد ان اينشتاين بدى الاقرب ليكون سيد قدره. من الواضح ان هذه الفكرة للحرية تشير ليكون متحررا من القهر وليس متحررا من الاسباب القبلية. باختصار، اينشتاين قيّم حرية الفرد لكنه لم يفقد الرؤية بالطبيعة الزائلة والمحدودة للذات.

عبودية الانسان

في نفس الخط مع هذه الرؤية للحرية كمقدرة على انجاز القيم الفردية، طالب اينشتاين المجتمع ليعطي حيزا واسعا لكل فرد ليستكشف فكرة معينة لإنجازاته العقلانية: "سواء كان عملا فنيا او انجازا علميا هاما، فان ما هو عظيم ونبيل انما يأتي من شخصية منعزلة، "حسبما جاء في (البرت اينشتاين, الجانب الانساني، 1979). لكن، التبرير الذي ساقه لتعزيز رغبات المنعزلين في العالم- والذين هو من بينهم – كان الفائدة اللاحقة للمجتمع ككل. اينشتاين ربما تأثر بسبينوزا وايضا بالتفكير البوذي، حين تحدث عن "عبودية الرغبات الانانية، والمخاوف" التي يعاني منها الفرد(العلوم، الفلسفة والدين: مؤتمر اكاديمي، 1941). هذه العبودية هي قهرية يمارسها ليس الاخرون وانما الذات.

ولكن كيف تحدث تلك العبودية؟ اذا كانت قيم الفرد منطوية ذاتيا وبشكل ضيق جدا، فانها لا تعكس الطبيعة الحقيقية لذلك الفرد، والتي تستلزم وعيا بالارتباط بحياة الاخرين. لذا على الرغم من ان الخيارات الانانية التي يتخذها الفرد هي متحررة ظاهريا اي بمعنى تتفق مع قيمه الحالية، لكنها لا تنسجم مع طبيعته الحقيقية، ويصبح الصراع الداخلي نوعا من الاكراه. غير ان التحرر من عبودية الانا يقود الى استعادة الاحساس بالارتباط مع بقية العالم، وسيكون المرء قادرا على اعادة تقييم قيمه الاساسية عبر الحفر بعيدا في اعماق الذات. لذلك اقترح اينشتاين بان الكفاح الفردي انما يسترشد بالمبدأ المثالي في تعزيز رفاهية العالم ككل. هذه الرفاهية الكلية تتضمن مصلحة ذاتية شرعية، بالطبع، وان الخداع او التلاعب بالتوازن ليس بالسهل ابدا. وستؤول جهودنا للفشل في النهاية. وعليه من الافضل ان لا نأخذ ذات الفرد بجدية عالية.

اينشتاين بدا بدرجة ما يتبع توصيفاته الاخلاقية: نشاطاته الاخلاقية كانت موجهة بشكل كبير نحو القضايا العامة مثل نزع الاسلحة وانشاء حكومة عالمية. ولكن في المسائل الشخصية هو ايضا حاول اعتماد نصائحه الخاصة: رغم انه حاول ابقاء شؤون العائلة كشيء خاص، لكنه اعترف بحزن بفشله في زواجين اثنين في تحقيق انسجام عائلي. ولكن، طبقا لباس فان، "لمسات الحزن الطارئة عليه لم تستحوذ على احساسه بالمرح".

كراهية اينشتاين للغرور تضمنت ايضا الغرور القومي المتمثل بعقيدة تفوق الامة."انا ضد اي تفوق قومي، حتى وان كان بشكل وطنية مجردة"، قال ذلك في My Credo خطاب عام 1932 لنادي المانيا لحقوق الانسان. كيف ينسجم هذا مع عمله اللاحق للبحرية الامريكية، ومع رسالته لروزفلت حول القنبلة النووية؟ وفقا لرؤية اينشتاين، فان مشاركته في جهود حلفاء الحرب كانت لوقف التهديد للمجتمع الدولي الذي شكّله المجنون هتلر. ولكن حالما اصبح واضحا ان هتلر كان بعيدا عن اكتساب السلاح النووي، اعتذر اينشتاين عن المشاركة في تطوير اسلحة الدمار الشامل.

الحدس: شيء جدير بالاعتزاز والرعاية

بعض الناس الذين يحبون اتجاه اينشتاين المتواضع في الاخلاق يرفضون القبول بإعلانه ان "الاخلاق هي ذات اهمية عظيمة – ولكن لنا، وليس لله"(البرت اينشتاين، الجانب الانساني).

اينشتاين اعترف فعلا بان افكاره في الدين والاله هي غير عادية. بالنسبة له ان العواطف الدينية تتألف من الخوف والتقديس لذلك الغموض العميق للكون، مثل لماذا توجد هناك قوانين طبيعية كونية دقيقة. العديد من الناس يشعرون بعدم الراحة من الاشارة الواضحة بان العلماء وحدهم المؤهلون تماما لدخول دين اينشتاين الكوني، ولكن في الحقيقة لم يكن اينشتاين مؤيدا للوثوق بالعقل وحده. في شبابه، قرأ اينشتاين بشغف كتابات ديفد هيوم، والتي يمكن تلمّس تأثيرها في ما قام به من تمييز بين ماهو "كائن"من حقائق فيزيائية مشاهدة وبين الاخلاقي او "ما ينبغي". طالما العلم هو فقط حول "الكائن"، هو اعترف بانه، الى جانب العقل، لا بد من الحدس الذي يتطلبه اكتساب القيم، بالاضافة الى الامثلة التي وضعها معلمو الاخلاق. كذلك، ان العلاقات الانسانية التي تهتم بها الاخلاق عادة تحتوي على العديد من المتغيرات التي تبطل التحليل العقلاني. وكما كتب اينشتاين "مما لا شك فيه، عندما تكون العوامل الداخلة في لعبة المركب الفينومولوجي كبيرة جدا، فان الطريقة العلمية في اغلب الحالات ستنتهي بنا الى الفشل"(العلوم، الفلسفة والدين).

اينشتاين وفي اثناء عمله في النسبية العامة اقنعه بريقه الفكري بان البديهة هي هامة ليس فقط للاخلاق وانما ايضا للعلوم. وصفهُ في مجلة المانية للتشابه والاختلاف بين الفن والعلم يستحق الاقتباس:"اذا كان ما يُرى ويُمارس يوصف بلغة المنطق، فنحن منشغلون بالعلم. واذا تم ابلاغ ذلك عبر أشكال يصعب فهم ارتباطاتها بالذهن الواعي لكنها مُعترف بها بداهةً كأشياء ذات معنى، عندئذ نحن نكون منخرطون في الفن. المشترك بين الاثنين هو حب الامتثال لذلك المتجاوز الذي يتغلب على الرغبات والمخاوف الفردية "(الجانب الانساني).

ان الجانب البرجماتي لاينشتاين برز ايضا في موقفه تجاه الاديان القائمة. هو اعتبر معظم الاديان تحتوي على مزيج من الرؤى الثمينة والشوائب. الشوائب تشير افتراضا الى تلك العناصر الخرافية، التي لو اُخذت على ظاهرها ستتناقض مع الصلاحية الكونية لقوانين الطبيعة والرؤى الثمينة للدروس الاخلاقية للأديان. هذا يتضح في كتاباته عام 1937: "دعنا لا ننسى ان المعرفة والمهارة وحدهما لا يمكنهما قيادة الانسانية لحياة سعيدة وكريمة. الانسانية لديها كل الاسباب لوضع اصحاب المستويات الاخلاقية العالية والقيم فوق اكتشافات الحقيقة الموضوعية. ما تدين به الانسانية لشخصيات مثل بوذا وموسى ويسوع تشكل بالنسبة لي اعلى من كل انجازات العقل البنّاء".

كلمة اخيرة

ان تأكيد اينشتاين على عدم وجود ذات مستقلة قد لا يفيد عمليا في المدى القصير، لكنه يفيد في المدى الطويل. في المدى الطويل ستسود الحقيقة. بعض الدراسات في دماغ الانسان مثل (دراسة J.M. Delgado) اظهرت سلفا مدى سهولة المغالطة في نسبة حركاتنا للرغبة الذاتية بينما هي في الحقيقة لها اسباب اخرى. ومثلما تأثر اسلافنا بالخدع الاسطورية وابدوا لها الاحترام والاعجاب والتي تُعتبر الآن اوهاما حتى لدى الاطفال، كذلك فكرة الذات المستقلة هي ايضا سيتم الاقرار بها في النهاية كشيء من الوهم. هذا الاعتراف سوف لن ينهي صراع الانسان، ولكنه سيساعد في تهدئة العواطف الانوية والحماس الشوفيني.

* Philosophy Now, Aug/sep 2015

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1