بقلم: كارل بيلدت

كوبنهاغن-لقد استغرقت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وقتًا طويلاً في إعداد إستراتيجيتها للأمن القومي والتي أصدرتها أخيرًا في أكتوبر، وعلى الرغم من أن البيت الأبيض أصدر وثيقة مؤقتة في مارس 2021، يبدو أن الصيغة النهائية قد تطلبت مزيدًا من العمل أكثر مما كان متوقعًا.

ان من غير الصعب معرفة السبب فبينما ركّزت الوثيقة المؤقتة بشكل أساسي على الصين وتعاملت مع روسيا فقط كمصدر ازعاج، فرض الواقع نفسه في فبراير 2022 وذلك عندما شن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربًا من أجل جعل أوكرانيا "خالية من النازية" و "منزوعة السلاح" أي فعليًا القضاء على أوكرانيا. بينما وصفت الاستراتيجية المؤقتة روسيا بانها مصدر للتعطيل فإن الوثيقة النهائية أقرت بإن روسيا " تشكل الآن تهديدًا فوريًا ومستمرًا للسلم والاستقرار الدوليين" بسبب تبنيها "لسياسة خارجية إمبريالية".

لكن مهما يكن من أمر فإن الصين هي العنصر الأهم الذي يلوح في الأفق بالنسبة للنظرة الاستراتيجية لإدارة بايدن كما ينبغي أن يكون عليه الحال. ان الوثيقة النهائية توضح بإن الصين هي " المنافس الوحيد لأمريكا التي لديها النية لإعادة تشكيل النظام العالمي وتتمتع بشكل متزايد بالقوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتقنية لتحقيق ذلك". لقد لاحظ غراهام اليسون من جامعة هارفارد من خلال اطروحته المتعلقة " بفخ ثوقيديدس " أن القوة الصاعدة للصين والخوف الذي تغرسه في القوة المهيمنة هي التي تعمل على تحريك الخطاب الاستراتيجي بالإضافة الى الخطاب المتعلق بالسياسة الخارجية.

مع ذلك ومن بين جميع الأدوات التي يمكن للولايات المتحدة استخدامها في هذه المنافسة الجديدة بين القوى العظمى، فإن هناك أداة رئيسية مفقودة من استراتيجيتها الجديدة وهي التجارة. إن هذا الإغفال صارخ بشكل خاص لأن الصين تدين بصعودها إلى نجاحها كقوة تجارية.

لقد أدركت الإدارات الأمريكية السابقة أن التجارة كانت مفتاح الهيمنة الأمريكية العالمية، فعلى سبيل المثال، حددت استراتيجية الأمن القومي للرئيس باراك أوباما لعام 2015 أجندة تجارية طموحة تهدف إلى وضع الولايات المتحدة "في قلب منطقة تجارة حرة تغطي ثلثي الاقتصاد العالمي". تفاوضت إدارة أوباما بعد ذلك على اتفاقية تجارية مع 11 دولة أخرى مطلة على المحيط الهادئ باستثناء الصين، واتفاقية استثمار عبر المحيط الأطلسي، لكن ألغى الرئيس دونالد ترامب كلا من الشراكة عبر المحيط الهادئ وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي حيث صوّرت إدارته بشكل خاطئ التجارة كمصدر للإذلال والإفقار الأمريكي.

صحيح أن استراتيجية بايدن تشير بشكل عابر إلى أن "ازدهار أمريكا يعتمد أيضًا على تجارة عادلة ومنفتحة ونظام اقتصادي دولي". لكنها تتجنب بشكل متعمد كلمة "حرة" في إشارتها إلى التجارة، ولا تستخلص أي استنتاجات تتعلق بالسياسات من هذه الملاحظة المهمة. وبدلاً من ذلك، فإنها تؤكد على الاجراءات "التي تتجاوز التجارة"، مع إشارات عديدة إلى الجهود التي يبذلها مجلس التجارة والتكنولوجيا بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمجموعة الرباعية (أمريكا واليابان والهند وأستراليا) لمعالجة قضايا سلسلة التوريد من خلال ضوابط أكثر صرامة على التكنولوجيا والاستثمار. إن هذه بلا شك مخاوف مهمة. لكن مثل هذه الإجراءات ليست بديلاً عن سياسة قوية موجهة نحو فتح الأسواق العالمية للتجارة والاستثمار.

لقد أظهرت التجارب الأخيرة لماذا يجب ان تبقى محاولة التوصل لاتفاقيات تجارية جديدة أولوية قصوى. أن عمر اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية هو اكثر من عشر سنوات بقليل، ولكن تلك الاتفاقية عززت بالفعل التجارة الثنائية بأكثر من 50% مع فوائد كبيرة وعلى نطاق واسع لكلا الجانبين، وفي السياق نفسه تراجعت التجارة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بحوالي 15% منذ بريكست مع آثار ضارة واضحة على اقتصاد المملكة المتحدة على وجه الخصوص، وعلى الرغم من عدم وجود رسوم جمركية جديدة، يجب الآن التعامل مع العديد من القواعد واللوائح والمقاييس. غالبًا ما يتم اعتبار اتفاقيات التجارة الحرة أمرًا مفروغًا منه، ولكن كما تظهر هذه الأمثلة فإنها مهمة للغاية.

بينما لا تتقيد الصين على الدوام بالتزاماتها بموجب الاتفاقيات التجارية، فإن هذا لم يمنعها من تعزيز علاقاتها التجارية، وعلى الرغم من محدودية اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة الجديدة التي تركّز على الصين، فهي الآن تُعتبر أكبر اتفاقية تجارية في العالم من حيث اتساع نطاقها، وقد تقدمت الصين أيضًا بطلب للانضمام إلى الاتفاقية التي حلت مكان الشراكة عبر المحيط الهادىء وهي الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادىء (لم تتقدم الولايات المتحدة بطلب مماثل).

لا ينبغي التقليل من أهمية أجندة التجارة العدوانية للصين. قد لا تغزو الصين دولًا أخرى (حتى الآن)، لكنها تعمل بشكل حثيث على بناء علاقات تجارية واقتصادية، ولا شك في أن تلك العلاقات تعزز قوتها السياسية أيضًا. إن الفارق بين مسار التجارة بين الصين وأمريكا صارخ بالفعل، فمن بين 193 دولة في العالم، فإن هناك 20 دولة فقط تعتبر الولايات المتحدة - التي لا تزال أكبر اقتصاد في العالم - الشريك التجاري الأول لها. تشمل هذه القائمة كندا والمكسيك والعديد من الاقتصادات الصغيرة في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى، ولكن ليس من بين تلك الدول دولة آسيوية أو أفريقية واحدة.

على النقيض من ذلك فإن الصين هي أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي وبقية العالم منقسم بشكل متزايد بين هاتين القوتين التجاريتين، وبالإضافة الى هيمنة الصين على معظم منطقة المحيط الهادىء، فإنها مهمة جدًا في افريقيا كما انها تحقق نجاحات مهمة في أمريكا اللاتينية. إن من الملفت للنظر أن هناك الآن أكثر من 100 دولة تتاجر مع الصين بمقدار ضعف تجارتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

إن الولايات المتحدة الأمريكية معرضة لخطر التخلف عن الركب وذلك بسبب عوامل من بينها الإغفال الصارخ للتجارة من إستراتيجيتها للأمن القومي وتعزيزها للتوجهات الحمائية في صنع السياسات المحلية، وفي حين أن الاتحاد الأوروبي يمكنه وينبغي عليه أن يدافع عن علاقات تجارية عالمية أكثر عمقًا وانفتاحًا، إلا أن غياب الولايات المتحدة عن هذه الجهود يعني أن الصين ستستمر في أن يكون لها اليد العليا وسيكون لذلك تداعيات جيوسياسية واضحة في المستقبل. يجب على القادة الأمريكيين إعادة النظر في موقفهم الحالي قبل فوات الأوان.

* كارل بيلدت، وزير الخارجية السويدي من 2006 إلى اكتوبر 2014، ورئيس الوزراء 1991-1994، الرئيس المشارك للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق