14850

 

مايكل جيه. بوسكين

 

ستانفورد ــ عندما سقط سور برلين قبل ربع قرن من الزمان، أعلن خبراء ومفكرون بقيادة فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ ــ انتصار الرأسمالية الديمقراطية على كل الأنظمة المنافسة. وقد تغذى هذا السرد على النجاح الاقتصادي الذي حققته أميركا وانهيار الشيوعية. وبلغت المواجهات السياسية، والفكرية، والعسكرية في بعض الأحيان، والتي أطلقنا عليها مسمى الحرب الباردة، منتهاها.

وفي اجتماع استضافته وارسو في شتاء عام 1990، أعلن الجنرال فويتشخ ياروزلسكي رئيس بولندا وزعيم الحزب الشيوعي في حديث معي وزملائي في مجلس الوزراء أن "قوى التاريخ تقودنا حتماً إلى الرأسمالية". ولم يستطع أن يحرر نفسه من الجدلية الهيجيلية، ولكنه اعترف الآن بأن الشيوعية استوعبت فكرة نهاية التاريخ بشكل خاطئ تماما.

بعد بضعة عقود من الزمان، أتت أشكال مختلفة من الرأسمالية بالأعاجيب في بعض البلدان الشيوعية والاشتراكية السابقة. وتُعَد بولندا مثالاً ممتازاً للانتقال الاقتصادي والسياسي الناجح.

ولكن الرأسمالية بعيدة تماماً عن الازدهار في كل مكان. وتُعَد كوريا الشمالية، التي لم تشهد أي انتقال وحافظت على التخطيط المركزي الصارم، حالة اقتصادية عصبية مختلة. وفي فرنسا بدأت الاشتراكية الناعمة المقترنة بدعم "الشركات الوطنية" تضمحل وتذوى.

وعلاوة على ذلك، في العديد من البلدان وصلت الرأسمالية بدون ديمقراطية. والصين مثال واضح للنجاح الرأسمالي وتأخر الإصلاح الاقتصادي. وعلى أجندة هذه البلدان، لن نجد المنافسة الشريفة في صناديق الاقتراع، والمناقشة الحرة المنفتحة، واحترام حقوق الأقليات ــ وهي الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية. ويبدو أن الاحتفالات بدأت قبل الأوان في عام 1989.

بل لأن الديمقراطية الليبرالية لم تنتصر في مختلف أنحاء العالم تحديدا، أصبح لدينا الآن العديد من الأزمات الملحة التي تتطلب الاهتمام والتحرك. ولكن ينبغي لنا أيضاً أن نركز ــ في وسائل الإعلام وحجرات الدرس ــ على الهجمات الأقل درامية، ولكنها خطيرة رغم ذلك، على الديمقراطية والقيم الديمقراطية، بما في ذلك في أميركا ذاتها، حيث كانت الأنظمة الدولانية وغيرها تشن هجماتها على حرية التعبير وحرية الصحافة.

ونتيجة لهذا فإن الخلافات السياسية من الممكن أن تتحول إلى جريمة جنائية. وفي مثال أخير خبيث، أصدر رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، في خطاب متلفز، أوامره إلى النائب العام والمدعي العام باتخاذ "الإجراءات" القانونية ضد الخبير الاقتصادي ريكاردو هوسمان من جامعة هارفارد لأنه تجرأ وسأل "هل ينبغي لفنزويلا أن تتخلف عن سداد ديونها؟".

كان هوسمان محقاً عندما طرح هذا التساؤل. فالأبحاث تُظهِر على نحو ساحق أن التنمية الاقتصادية الناجحة تتطلب حقوق الملكية الشاملة، وإنفاذ العقود، وحكم القانون المتوازن. وفي الوقت الحالي لا تتمتع فنزويلا بأي من هذه المكونات.

لذا فمن غير المستغرب أن يتسبب العجز الحكومي الهائل الممول بالنمو النقدي السريع في انهيار العملة، مع خفض الشركات المتعددة الجنسيات لقيمة فروعها الفنزويلية كلما تم خفض سعر الصرف الرسمي. وليس من المستغرب أيضاً أن تجد البلاد، مع نقص الصرف الأجنبي، صعوبة في سداد فواتيرها، أو أن تؤدي ضوابط الأسعار والقيود التنظيمية التي تفرضها الدولة البوليسية إلى تفاقم حالة نقص المواد الغذائية. وأخيرا، وسط انتشار التكهنات بأن فنزويلا قد تتخلف بالفعل عن سداد نحو 80 مليار دولار أميركي من الديون الأجنبية، فليس من المستغرب أن ترتفع العائدات على ديونها السيادية إلى 15%.

الواقع أن فنزويلا، التي تملك بعضاً من أكبر الاحتياطيات من النفط على مستوى العالم، لابد أن تتمتع بعصر من الازدهار في ظل ارتفاع أسعار النفط. ولكن الفساد، والسيطرة السياسية من قِبَل شركة النفط الوطنية، وتأميم الأصول النفطية المملوكة لأجانب، كل هذا أدى إلى العكس تماما. (على سبيل الإفصاح: أنا أخدم في مجلس إدارة إحدى هذه الشركات، إكسون موبيل، والتي تنتظر نتائج التحكيم في المحكمة الدولية).

كانت هذه التركيبة التي تتألف من الحكم الاستبدادي والشعبوية المفرطة والإيديولوجية الاشتراكية وانعدام الكفاءة، في عهد الرئيس السابق هوجو شافيز والرئيس الحالي مادورو، تعيث فساداً في فنزويلا. ولكن عندما يناقش هوسمان، وهو مواطن فنزويلي ووزير سابق في الحكومة، سؤالاً مهماً يطرحه المستثمرون في مختلف أنحاء العالم، فإنه لا يتعرض للانتقاد والتوبيخ فسحب، بل وأيضاً للتهديد. والمعنى الضمني هنا واضح: إذا تحدثت فقد يكون مصيرك السجن.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها اقتصادي بارز لمثل هذه المعاملة في أميركا اللاتينية. فقبل عشر سنوات، كان دومينجو كافالو، هو الذي ربط البيزو بالدولار عندما كان وزيراً لمالية الأرجنتين بهدف خفض معدل التضخم الذي بلغ 1000% والذي دمر الاقتصاد ــ ونسيج المجتمع. وعندما أنهى الربط فجأة في عام 2001، كانت النتيجة الركود الحاد، فألقي القبض عليه وسُجِن. ومن حسن الحظ أن الغضب الدولي، بما في ذلك الحملة التي نظمها اقتصاديون في أميركا الشمالية، ساعد في تحرير كافالو.

الحق أنني لا أتفق مع كل السياسات التي نادى بها كافالو أو هوسمان، أو أي صانع سياسات آخر. ولكن هل ينبغي لنا حقاً أن نجرم الخلاف السياسي وليس الفساد أو خدمة المصالح الذاتية؟ هل نريد حقاً أن تلجأ كل حكومة جديدة إلى سجن خصومها السياسيين، كما فعل رئيس أوكرانيا المخلوع فيكتور يانوكوفيتش مع رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو ــ لأنها ترفض السياسات التي أقروها أو تدين نتائجها المتصورة؟

الواقع أننا لم نسقط إلى هذا الحد في الولايات المتحدة حتى الآن. ولكن حتى هنا، أصبح من المعتاد إلى حد كبير الطعن في الدوافع والقيم وليس الأفكار فقط، التي تحرك أولئك الذين نختلف معهم. بل إن الصحافيين والساسة والمفكرين، الذين ينبغي لهم أن يكونوا أكثر فهماً وأفضل اطلاعا، كثيراً ما لا يكتفون بالزعم بأن المقترحات خاطئة، بل يذهبون إلى أن أنصار المقترحات أنفسهم لابد أن يكونوا من الأشرار لأنهم أقروا مثل هذه المقترحات أو طرحوها.

لا ينبغي لنا أن نسمح للانتقاد والخلاف بالتحول إلى مشاعر تنضح بالكراهية وتحط من قدر الكثير من الخطاب العام اليوم. إن الكلمات لها عواقب، ومن الممكن أن تلهب مشاعر وحشية عنيفة أو ما هو أسوأ من ذلك. وحتى محاولة قمع المناقشة الحرة المفتوحة، أو تجريم أولئك الذين يحملون مقترحات سياسية بديلة، أمر بالغ الخطورة. ولابد من مقاومة مثل هذه الاعتداءات الصارخة قبل أن يتعرض المزيد من الناس من أمثال كافالو وهوسمان للتهديد ــ وقبل أن ينتشر المرض إلى أميركا الشمالية وأوروبا.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، وكبير زملاء معهد هوفر، وكان رئيساً لمجلس مستشاري الرئيس جورج بوش الأب الاقتصاديين في الفترة 1989- 1993

https://www.project-syndicate.org/

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0