بقلم: فرهاد علاء الدين

السلاح المنفلت والفساد وسوء الإدارة، جميعها عوامل تدفع النظام السياسي العراقي نحو الانهيار المحتمل.

بات العراق يمر بأزمة حقيقية بعد أن وصل الانتشار غير المسبوق للأسلحة الخارجة عن السيطرة إلى مستويات مخيفة، كما أثرت البطالة على قطاعات كبيرة من القوى العاملة. وبلغت الطاقات الشبابية المعطلة نسب مخيفة ترافقها بطالة مقنعة في عموم مؤسسات الدولة وتدني مستويات الإنتاج إن لم تكن معدومة في العديد من مرافق الدولة المترهلة والمثقلة بمؤسسات لا حاجة لها أصلا، إضافة الى تفشى الفساد المالي والإداري في معظم أجهزة الدولة الرئيسية. كل ذلك بات واقعا ملموسا تحت إدارة نظام سياسي هش وسوء إدارة، ومما زاد الأمر سوء انتشار جائحة كورونا وتداعياتها على مجمل مناحي الحياة وتأثيراتها الاقتصادية التي عصفت ببلد لم يكد يلتقط أنفاسه من سلسلة أزمات باتت تتشظى يوما بعد آخر منذ ٢٠٠٣ وليومنا هذا.

هذه الأزمات والتحديات تشكل عوامل انهيار وشيك لأي نظام في العالم وليس في العراق فحسب، يضاف الى كل ما تقدم عدم اكتراث القيادات السياسية الحاكمة والمتحكمة بالمشهد القائم لمخاطر الانهيار المتوقع، وانصرافها الى تقاسم ما تبقى من مغانم بدلا من ممارسة مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية في معالجة الأزمات ووقف بوادر الانهيار.

انتشار السلاح

لا شك بأن السلاح المنفلت يلعب دورا كبيرا في تقليص موارد الدولة، حيث يعمل على الاستيلاء بشكل مباشر أو غير مباشر على موارد الدولة، مثلما نراه الآن في المنافذ الحدودية التي تسيطر عليها بعض هذه المجاميع، وعند هبوط أسعار النفط كما حصل في سنة ٢٠٢٠ ستبدأ المجاميع المسلحة بالاقتتال فيما بينها للسيطرة على الرقع الجغرافية التي تؤمن لها الموارد مثل المنافذ أو الآبار النفطية أو المصانع. بمعنى أخر، إن خطر السلاح المنتشر بين شرائح المجتمع وتحت أي مسمى تشكل خطرا جسيما على الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي ولن يتمكن العراق من التعافي مالم تتم السيطرة على هذا السلاح.

سلاح الدولة: ويمسك بهذا السلاح المؤسسات العسكرية والأمنية وتأتمر هذه المؤسسات بإمرة القائد العام للقوات المسلحة شكلا، ولكن من الناحية الحقيقية فأن معظم هذه المؤسسات نخرها الفساد وتعمل طبقا للولاءات الحزبية ولا يوجد سوى القليل منها الذي يعمل لصالح الدولة.

سلاح الفصائل: ينقسم هذا السلاح الى نوعين، سلاح بيد فصائل مسلحة داخل هيئة الحشد الشعبي لكنه يأتمر بأوامر القيادات العسكرية والحزبية لتلك الفصائل، بوصلتها المصلحة الذاتية بشكل خاص ومصلحة الطائفة الشيعية بشكل عام ولا تتردد عن تحدي الدولة في أي لحظة في حال عدم اتفاق اتجاه الدولة مع هذه المصالح. النوع الأخر هو السلاح بيد فصائل مسلحة خارج هيئة الحشد الشعبي وهذه الفصائل عقائدية وولاءها للجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا تأتمر بأوامر الحشد وتعمل خارج سلطة الدولة وبل وتستخدم هذا السلاح ضد الدولة أحيانا، لكنها مستفيدة من كل ما تقدمه الدولة لفصائل الحشد من رواتب ودعم مالي وتسليحي ولوجستي بضمنه ترخيص الحركة والمرور على مدار الساعة.

سلاح البيشمركة: ترتبط قوات البيشمركة من الناحية الشكلية بالقائد العام للقوات المسلحة في إقليم كوردستان أي رئيس الإقليم، لكنها واقعا منقسمة الى قسمين، الأول تحت قيادة الحزب الديموقراطي الكوردستاني والقسم الثاني تحت قيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني. وولاء هذا السلاح ليس للدولة العراقية عند تعارض مصالحها مع المصالح الكوردية كما حصل في كركوك وضواحيها سنة ٢٠١٧.

سلاح العشائر: معظم العشائر العراقية وسط وجنوب العراق، بل وحتى شماله أن لم تكن جميعها مسلحة ويتفاوت نوع ومستوى التسليح من عشيرة الى أخرى، وتقع صدامات ومواجهات مسلحة بين هذه العشائر خاصة في البصرة والناصرية والعمارة بين حين وآخر، حيث تستخدم الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بل وحتى الثقيلة أحيانا، وولاء هذا السلاح للعشيرة بالتأكيد مما يرجح إمكانية استخدامه مع أو ضد الدولة حسب المصلحة العليا للعشيرة.

سلاح الإرهاب: الفصائل والخلايا الإرهابية تمتلك هي الأخرى كما لا بأس به من السلاح والذخيرة والعتاد المسخرة جميعها لخلخلة وإضعاف الوضع الأمني وتهديد سلطة الدولة في معظم مناطق وسط وغرب وشمال العراق، ويستهدف الدولة والأهداف العسكرية والمدنية على حد سواء.

السلاح المنفلت: والذي يتجمع لدى الأفراد ويباع ويشترى علنا في أسواق تعنى به، ويضم هناك كما هائلا من السلاح الخفيف المرخص وغير المرخص وكميات لا يستهان به من الذخيرة والعتاد، وينتشر بين المواطنين المدنيين، واستخدام هذا السلاح في الوقت الراهن هو أما للدفاع الشخصي أو في المناسبات الاجتماعية مما يهدد السلم الأهلي، كذلك يجري، ولكن استخدامه ضد الدولة ومؤسساتها أحيانا بحسب ولاء حامل السلاح.

انتشار هذا الكم الهائل من السلاح خارج سيطرة الدولة يجعله يشكل خطرا حقيقيا على الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي ويجعل الدولة ضعيفة وغير قادرة على التحكم والسيطرة، وهذا ينطبق بحسب وصفه لي أحد الدبلوماسيين الكبار في بغداد بان "الدولة العراقية هي خامس أكبر قوة مسلحة في العراق".

استشراء الفساد

الفساد في العراق بعد أن كان ظاهرة أصبح ثقافة تقودها الأحزاب الحاكمة عبر تكالبها على نهب منظم لثروات البلد بشكل مباشر أو غير مباشر، ويعد الفساد الأكثر خطرا على البلاد، وبات يشل حركة البناء والتنمية والتطور المتوقفة أصلا، وينخر في جسد الاقتصاد المتهاوي ويبدد الثروات المالية والإدارية. لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من الحد من انتشار الفساد داخل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية بالرغم من تعدد الجهات الرسمية المعنية بمكافحته من بينها هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والسلطة القضائية. لقد عملت معظم الأحزاب الحاكمة على تأسيس مكاتب اقتصادية تعمل على تنصيب الوزير ومن يليه وتوجيههم بما يخدم مصالح الحزب من إحالة العقود الشرائية أو الخدمية أو عقود المقاولات ، واغلبية الأحزاب باتت مشتركة أو مشاركة في هذه الظاهرة بشكل أو بأخر.

ولم يقتصر الفساد بالسلطة التنفيذية بل تعداه الى السلطة التشريعية، ويعمل مجلس النواب على تقنين بعض أشكال الفساد أو غض النظر عن الفساد وتقاعسه عن ممارسة دوره الرقابي، وخير مثال على ذلك فشل مجلس النواب في استجواب أي وزير منذ بداية الدورة الحالية الى يومنا الحاضر برغم وجود عدة طلبات لاستجواب اكثر من وزير مودعة لدى رئاسة المجلس ، ويلجأ بعض النواب الى التلويح بكارت الاستجواب لهذا الوزير أو ذاك لتحقيق مكاسب نفعية. وزادت سطوة النائب على الدوائر الحكومية بعد إقرار قانون مجلس النواب رقم ١٣ لسنة ٢٠١٨اذ تنص المادة ١٦ ثانيا على إلزام الدوائر الحكومية بالتعاون مع النائب "لتمكينه من أداء دوره" وتلزم المادة ١٥ كافة الوزارات بالرد على مراسلات النواب ويعد الامتناع عن الإجابة إخلالا بمهامه يعاقب عليه بموجب المادة ٣٢٩ من قانون العقوبات العراقية.

وبحسب تقرير هيئة النزاهة لعام ٢٠٢١، تم استقدام ٥٢ وزير أو من بدرجتهم كما صدر ٤٩١ امر استقدام بحق ٣٦٩ مسؤولا رفيعا من الدرجات الخاصة، كما جاء في تقرير الهيئة لسنة ٢٠١٨ بانه تم إحالة اكثر من ثلاثة الأف متهم للقضاء من بينهم ١١ وزيرا و١٥٦ من ذوي الدرجات الخاصة. بالرغم من هذه الأعداد الكبيرة من القضايا والإحالات الى القضاء إلا انه لم يتم إيداع أي وزير في السجن في الأعوام القليلة السابقة والسبب الأساسي هو تدخل الأحزاب السياسية لصالح الوزير المدان.

ضعف النظام السياسي والمحاصصة

إن مصدر أزمات العراق يكمن بضعف النظام السياسي وهشاشته، كونه منبثق من محاصصة طائفية وعرقية والذي جرى اعتماده بعد سنة ٢٠٠٣. وقد تمكنت الأحزاب الحاكمة من السيطرة على المشهد السياسي بعد أول انتخابات تشريعية في سنة ٢٠٠٥، وبقيت هذه الأحزاب متحكمة الى الآن مع تفاوت بسيط في نفوذ البعض منهم هم على مر السنين، على سبيل المثال كان المجلس الأعلى الإسلامي هو المتصدر لغاية انتخابات ٢٠٠٦ ومن بعده تصدر ائتلاف دولة القانون المشهد لغاية انتخابات ٢٠١٤، فيما بدأت الكتلة الصدرية وتحالف الفتح بالهيمنة بعد انتخابات ٢٠١٨. وفي إقليم كوردستان يتصدر المشهد السياسي الحزبين الحاكمين الرئيسيين منذ ١٩٩٢ ولحد اليوم. أما الساحة السنية فكانت مشهدا لتغيرات سياسية درامية، من مقاطعة الانتخابات الأولى الى التمثيل المنقسم وثم دخول داعش في المحافظات السنية وبروز القيادات الجديدة، ولم يسيطر أي حزب بعينه على المشهد بشكل متواصل، وبذلك لم يستقر الوضع السني على صورة مماثلة للفريقين الآخرين من الشيعة والكورد.

جميع الأحزاب العراقية حديثة العهد بأصول وقواعد الحكم باستثناء الحزبين الكورديين الديمقراطي والاتحاد وتعود تجربتهما الى عام ١٩٩٢. خبرة الأحزاب العراقية في إدارة البلد والعملية السياسية مبنية على الاجتهاد الحزبي والقرارات الارتجالية هي سيدة الموقف في اغلب الأحيان، ولا تعتمد تلك الأحزاب على دراسات وخطط مدروسة أو مستمدة من تجارب مماثلة. وتتنافس هذه الأحزاب على الحكم على أساس المحاصصة المذهبية والقومية إذ تم تشكيل الحكومات السابقة بشكل توافقي لإرضاء القوى الرئيسية التي استفردت بالحكم، وجميع هذه الأحزاب مسؤولة عما وصل إليه حال البلد وتتحمل جميعها مسؤولية الخراب الذي حل بالعراق منذ نحو عقدين، برغم الموازنات الإتحادية التي بلغت أكثر من تريليون و٤٠٠ مليار دولار أمريكي منذ عام ٢٠٠٥ الى عامنا الحالي، من دون أن نرى على الأرض ما يوازي كل هذا الإنفاق.

مازالت الأحزاب تتنافس في كل انتخابات، ولكن على أساس الاتفاق بتقاسم المغانم، والتوافق فيما بينها على توزيع المناصب العليا حسب المحاصصة الحزبية، بغض النظر عن الأداء الانتخابي والفوز أو الخسارة تحت شعار حكومة توافقية، ولم نجد حتى يومنا هذا معارضة سياسية إلا نادرا وتعمل هذه الأحزاب معا تحت مبدأ التخادم وتبادل المصالح.

لقد ساهمت الأحزاب في انهيار مؤسسات الدولة من خلال تعيين عشوائي غير الكفوء في المناصب العليا وبهذا استقطبت طبقة انتهازية من بين صفوفها تعمل على خدمتها من خلال هذه المناصب، ولهذا السبب نرى أن التعين في الدولة ليس مرهونا بالخبرة الإدارية والوظيفية والاختصاص بقدر ارتباطه بخدمة الحزب وطاعة الحزب وتنفيذ أوامره وتلبية رغبات زعيمه، مما حال دون تعيين الكفاءات واستثمار قدراتها في إعادة إعمار البلاد وتنميتها.

سوء الإدارة

أدى هذا الهيكل السياسي الضعيف إلى سوء الإدارة السياسية في جميع مفاصل الدولة، والسبب الرئيسي في هذا الفشل هو قلة خبرة المسؤول العراقي في إدارة الدولة، لقد كانت الأحزاب المعارضة في المنفى ولعقود من الزمن منهمكة في معارضة النظام السابق ولم تكتسب خبرة في إدارة الدولة، كما أن الناشط السياسي المعارض لم يتدرج في مؤسسات الدولة. بالإضافة الى أن اغلب أفراد المعارضة وخصوصا في الدول الغربية لم يكونوا يعملون في البلد المضيف لكسب الخبرات والمهارات وتطوير قدراتهم العلمية والفنية والإدارية، بل كانوا يعتاشون على المعونات التي تقدمها لهم حكومات تلك الدول. ولا يختلطون إلا مع أبناء جلدتهم من الجالية العراقية والدليل أن غالبيتهم لم يتعلموا لغة الدولة المضيفة.

بعد زوال النظام الدكتاتوري على يد التحالف الدولي، تم تنصيب أقطاب المعارضة في الحكم وتسليمهم مقاليد إدارة الدولة برغم عدم توفر الخبرة في الحكم، من دون التخلي عن نزعة المعارضة. ولازالت سمات هذه النزعة متجذرة لدى العديد من قيادات تلك الأحزاب، مما يعكس خشيتها من مغادرة الحكم سريعا وزوال السلكة من أيديهم بشكل أو بآخر. وهذا ما يدفعهم للتسابق نحو الاستحواذ على مقدرات البلاد المتاحة أمامهم بأسرع وقت ممكن.

وبالرغم من قلة خبرة الحكام الجدد فانهم فشلوا حتى بالاستعانة بالخبرات المتراكمة الموجودة داخل مؤسسات الدولة، بالعكس قاموا بإفراغ هذه المؤسسات من الخبرات تحت شعار اجتثاث البعث أو عدم الانتماء لأحزابهم، تم استبدال المدير العام ووكيل الوزير والمستشار والخبير في شؤون إدارة الوزارات والمنشآت الحكومية بأعضاء الأحزاب الحاكمة على أساس طائفي محاصصاتي دون الاكتراث بالكفاءة أو الخبرة، والنتيجة كانت إخلاء المؤسسات الحكومية من الخبرة الإدارية فانهارت جميع هذه المؤسسات والدليل هو ما آلت ا إليه أوضاع قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية والطاقة والصناعة والزراعة. لذلك ليس من المستغرب أن نرى أن جميع الأبنية الحكومية والطرق الرئيسية التي تربط المدن والجسور في العاصمة بغداد وعموم المحافظات والمستشفيات والجامعات الحكومية وغيرها كلها من بناء العهد البائد والعهود السابقة ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة منذ ٢٠٠٣ من بناء ما ينافس تلك الشواهد، حتى بات مشهد بغداد ومدن وسط وجنوب العراق بائس لا يسر الناظرين.

عوامل أخرى

وفى حين يتم تسليط الضوء على التحديات الاقتصادية والسياسية الرئيسية التي تواجه العراق، هناك عوامل لا حصر لها تساهم كل منها جزئيا في الانهيار المحتمل للعراق. ولكن يكفي إلقاء نظرة سريعة الى انهيار الخدمات العامة والأساسية مثل الكهرباء والماء والمجاري والطرق والصحة والتعليم، وأن جولة تفقدية في أي مدينة من مدن العراق عدا إقليم كوردستان يظهر جليا حجم التراجع والخراب والفشل في هذه القطاعات، مما يعكس غياب العدالة الاجتماعية، وتردي مستوى التعليم في المدارس والجامعات، وتخلف القطاع الصحي والتواني في حل مشاكل النازحين وإعادتهم الى ديارهم، وتأخر إعادة إعمار المناطق المحررة من داعش، كل تلك المشاهد تمثل عوامل فشل تنخر في جسد الدولة وكيانها وكل واحد منها يساهم في تعجيل عملية الانهيار. وعلى هذا النحو، يستكشف المقال الأخير في هذه السلسلة السيناريوهات المحتملة لهذا الانهيار، كما يعرض الإصلاحات الحقيقية اللازمة لتجنب مثل هذه الكارثة في العراق.

* فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الاستشاري العراقي وهو كاتب ومراقب في الشؤون السياسية الحالية في العراق وكردستان وهو أحد المساهمين في منتدى فكرة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق