بقلم: أندريس فيلاسكو

سانتياغو– قضى ما لا يقل عن 19 شخصا وجرح الكثيرون؛ ألقيت القنابل النارية على ست محطات لمترو الأنفاق؛ تعرضت مئات من محلات الأسواق الممتازة للتخريب والنهب؛ أشعلت النيران في المقر الرئيسي لأكبر موزع للطاقة في البلاد في وسط المدينة؛ إن مدينة تضم ما يقرب من سبعة ملايين شخص تتعرض للشلل. وبعد إعلان حالة الطوارئ، تقوم وحدات الجيش بدوريات في الشوارع، وتفرض حظر التجول.

كيف لهذا أن يحصل في سانتياغو، (تشيلي) المدينة الأكثر ازدهارًا في بلد يعد بكل المقاييس، أكثر بلدان أمريكا اللاتينية رفاهية وإدراكًا للقانون؟ وماذا علمتنا الأحداث الأخيرة حول استياء المواطنين، واحتمال وقوع أحداث العنف في المجتمعات الحديثة؟

في الواقع، لا يمكننا أن نكون على يقين من الجواب. لقد حدث كل ذلك بسرعة مذهلة. وبعد أيام قليلة من العنف، جاءت الاحتجاجات السلمية. إذ في يوم الجمعة الماضي، تظاهر 1.2 مليون شخص في وسط مدينة سانتياغو، في أكبر مظاهرة احتجاجية في الشوارع، منذ تلك التي ساعدت على إقالة الجنرال، أوغستو بينوشيه، من منصبه قبل 30 عامًا.

إن التفسير السائد لتلك الاحتجاجات هو أن زيادة أسعار تذاكر المترو بنسبة 3٪ تسببت في غضب شعبي من ارتفاع الأسعار، وتزايد اللامساواة. لابد أن يكون هذا صحيحا: فالأشخاص الذين لديهم دخل كاف، ويشعرون أنهم يعاملون معاملة عادلة لا ينهبون، ولا يشاغبون. ولكن عندما يصبح هذا التفسير أساسا لتغيير السياسات، فإن ذلك قد يكون تبسيطا للتفسير الحقيقي.

لنأخذ على سبيل المثال الزيادات في الأسعار. نعم، الشيلي لديها تاريخ في التضخم. وأكيد، لأن سانتياغو تعد أكثر ازدهارًا، فهي أغلى من معظم مدن أمريكا اللاتينية. ومع ذلك، بالكاد وصل معدل التضخم في الشيلي خلال الاثني عشر شهراً حتى سبتمبر إلى 2.1٪، وكان البنك المركزي يخفض أسعار الفائدة لأن معدل التضخم كان أقل من المستوى المطلوب.

أو خذ على سبيل المثال عدم المساواة في الدخل. نعم، بالنسبة لبلد متوسط الدخل من الشريحة العليا، تعاني تشيلي من درجة كبيرة من اللامساواة، مع معامل جيني (المقياس المفضل لمعظم الاقتصاديين لقياس تفاوت الدخل) عند مستوى عال قدره 46.6 في عام 2017 (100 يمثل عدم المساواة المطلقة). ومع ذلك، وفقًا للبنك الدولي، انخفض المعامل انخفاضا ملحوظا من 57.2، عندما عادت تشيلي إلى الديمقراطية في عام 1990. إن فكرة أن التفاوت المتزايد في الدخل وراء استياء المواطنين لا يتناسب مع الواقع.

ولفهم أسباب هذه الظاهرة الاجتماعية، يجب على المرء أن يسأل دائمًا: لماذا هنا؟ لماذا الآن؟ لا التضخم، ولا ارتفاع مستوى عدم المساواة في الدخل يمثلان إجابة مقنعة.

ويدعي آخرون أن التشيليين سئموا ببساطة من اقتحام الأسواق، والبحث عن الأرباح في كل ركن من أركان الحياة اليومية. ومرة أخرى، تبدو هذه الفرضية معقولة. إذ تشير استطلاعات الرأي إلى عدم الرضا الواسع النطاق مع الشركات الخاصة التي تقدم خدمات عامة، بما في ذلك المياه، والكهرباء، والتأمين الصحي، وإدارة صناديق التقاعد.

ومع ذلك، تُظهر هذه الدراسات الاستقصائية نفسُها الغضب من جودة الخدمات التي تقدمها الدولة، سواء في المستشفيات، أو العيادات، أو مرافق للرعاية الحاضنة. إذ يفضل أكثر من نصف أولياء الأمور إرسال أطفالهم إلى المدارس الخاصة التي تعتمد على التبرعات، حتى عندما ينطوي ذلك على دفع رسوم معينة، بغض النظر عن توفر مدارس حكومية مجانية ذات جودة مماثلة. وفي عام 2017، صوت عدد كبير من التشيليين لصالح الرئيس سيباستيان بينيرا، رجل الأعمال الملياردير، الذي يدافع عن الرأسمالية بدون خجل والذي يسير برنامجا لإعادة النمو.

إذا، ما هو السبب؟ لماذا لا يزال ملايين التشيليين يخرجون في مظاهرات احتجاجية، بعد عشرة أيام من اندلاع أعمال العنف؟

أولا، تشيلي ليست وحدها. إذ في العشر سنوات الأخيرة، شهدت مناطق مختلفة مثل بريطانيا العظمى، والبرازيل، وفرنسا وهونغ كونغ، وإكوادور، أحداثا مماثلة. وأيا كان السبب المحلي المباشر، فإن نطاق الاحتجاجات الناتجة عن ذلك، وحجمها، وقوتها، وعنفها، بدت غير متناسبة مع السبب الأولي. إن التغيير الاجتماعي السريع يغذي التوترات، والتناقضات، في المجتمعات الحديثة -حتى تلك الغنية والناجحة- التي يبدو أنها بالكاد تبعد بخطوة أو خطوتين من الفوضى.

وفي تشيلي، هناك عامل واضح مشتبه به هو انتهاكات الاحتكار. إذ في حين أن التضخم العام للأسعار في تشيلي منخفض، فإن بعض الأسعار المهمة لميزانيات الأسرة مرتفعة، وآخذة في التصاعد. فعلى سبيل المثال، فسحت الأنظمة التنظيمية المصممة لضمان الاستثمار في المرافق، للشركات مجالا مبالغا فيه لتحافظ على ارتفاع الأسعار. وكذلك، فقد ثبت أن سلاسل الصيدليات في تشيلي مذنبة بالتواطؤ وتزايد الأسعار، وكذلك مصنّعو ورق الحمام، ومربو الدجاج، وشركات حافلات المسافات الطويلة.

وهنا تكمن المفارقة. إذ لم تبدأ المؤامرة، وتحديد الأسعار بالأمس، في تشيلي. ولكن قبل عشر سنوات مضت، كانت العقوبات ضعيفة، وكان لدى الوكالة المسؤولة سلطة قليلة، وموارد قليلة للتحقيق فيها. وعندما تغير القانون، بدأت الفضائح تحدث كل بضعة أشهر، مما زاد من الوعي العام، والسلوك الاحتكاري. واليوم، يعد تحديد الأسعار جريمة جنائية يعاقب عليها بالسجن، ويبدو من المعقول أن يتراجع هذا السلوك. ولكن ربما ساعد هذا التقدم بالذات في زرع بذور الغضب الشعبي.

لننتقل إلى سوق العمل. إن معدل البطالة في تشيلي يبلغ حوالي 7٪، والأجور آخذة في الارتفاع قبل التضخم. والأخبار السيئة تتعلق بهيكل التوظيف. إذ ما يقرب من ثلث القوى العاملة إما يعملون لحسابهم الخاص، أو يعملون في الخدمة المنزلية، دون عقد رسمي واستفادة من المزايا في كثير من الحالات. ومن بين أولئك الذين لديهم وظيفة رسمية، معظمهم يعملون بعقود قصيرة الأجل. وتعد معدلات توظيف النساء والشباب، من أدنى المعدلات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. كما أن نسبة التمييز مرتفعة. إذ مئات الآلاف من النساء اللائي يرأسن أسرهن عاطلات عن العمل، في حين أن ملايين العمال الذين لديهم وظيفة اليوم لا يمكنهم التأكد من أنهم سيحصلون على أي نوع من الدخل غدًا.

إن قائمة الإصلاحات التي من شأنها حل هذا المشكل- مثل جداول العمل القابلة للتكيف، وأنظمة مكافئة نهاية الخدمة المستحدثة، وتيسير العمل بدوام جزئي، والتدريب على العمل بشكل أفضل، وقوانين مكافحة التمييز بصرامة- واضحة إلى حد كبير. هذا هو ما نجح في بلدان أخرى في ظروف مماثلة. ولكن هنا تكمن المفارقة التالية: حيث أصبحت تشيلي أكثر ديمقراطية، ظهرت نفس المشكلات التي تعاني منها الديمقراطيات المتقدمة. وعرقل المطلعون على النفوذ السياسي الإصلاحات، بينما لم يُمَثل العمال غير الرسميين . ويتحدث قليل من السياسيين عن الشابة العاطلة عن العمل، التي لديها طفلان، ولا تحمل شهادة الثانوية العامة، والتي نادراً ما تصوت على أي حال.

وتساهم المعاشات التقاعدية الهزيلة في شعور الناس بالضعف. إذ يكسب نظام الرسملة الفردية في الشيلي شهرة في الخارج، لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيدًا. ونظرًا لأن الظروف بسوق العمل سيئة، يتقاعد التشيليون بما تقل قيمته عن 20 عامًا من المدخرات، في المتوسط، في حساباتهم. ونظرًا للارتفاع الحاد في أمد الحياة (نجاح تنموي هائل بحد ذاته)، يمكنهم توقع أن يعيشوا 20 عامًا أو أكثر بعد التقاعد. ويمكن أن تكون المعاشات التقاعدية كافية فقط إذا كانت معدلات العائد على هذه المدخرات ضخمة، لكنها تصبح أصغر كل يوم، تماشيا مع انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية العالمية. كما أن الحد الأدنى للمعاشات التي تمولها الحكومة للأشخاص الذين ليس لديهم مدخرات على الإطلاق، بالإضافة إلى زيادة معاش ذوي المعاشات المنخفضة للغاية، تساعد في تخفيف محنة 1.3 مليون شخص في أسفل جدول الدخل. ولكن الطبقة الوسطى الآن تشعر بالضيق- على نحو متزايد حتى يبدأ جيل طفرة المواليد في الشيلي في التقاعد وفق النظام الخاص.

وعلى الرغم من أن اللامساواة في الدخل لم تزد سوءا، فقد أصبحت أنواع أخرى من عدم المساواة أكثر وضوحًا. إذ انضمت الشيلي إلى نادي الدول الغنية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكنها تظل من جميع النواحي مجتمعا تقليديا يدمره الامتياز الطبقي. وغالبا ما يأتي قادة الأعمال، وأعضاء مجلس الوزراء من حفنة من المدارس الثانوية الخاصة في سانتياغو، خاصةً عندما تكون الأحزاب اليمينية في السلطة، كما هي اليوم. وغالبًا ما تبدو النخبة وكأنها تعيش في عالم خاص بها. إذ في الأسبوع الماضي، وصفت سيسيليا موريل، زوجة الرئيس، النهب بأنه "غزو أجنبي".

ولا شيء من هذا جديد. ولكن ربما أصبح الأمر أكثر وضوحا مع تطور البلد. إذ منذ جيل مضى، التحق عدد قليل من أطفال الطبقة العاملة بالجامعة. واليوم، سبعة من عشرة طلاب في التعليم العالي هم أول من يلتحقون بالكلية في أسرهم. وبمجرد تخرجهم، يبدأ الإحباط: إذ من أجل الحصول على أفضل الوظائف، يحظى الأداء الأكاديمي بأهمية أقل من امتلاك اللقب "الصحيح" أو الروابط "الصحيحة".

إن الغضب من النخب جامح في تشيلي، لكن الاحتقار للطبقة السياسية في البلاد عميق بشكل خاص. إذ في عام 2018، اعتقد 70٪ من التشيليين أن البلاد كانت محكومة لصالح حفنة من المجموعات القوية. وبالكاد أعرب 17٪ و14٪ عن ثقتهم في البرلمان، وفي الأحزاب السياسية على التوالي.

إن هذا جديد نسبيا. إذ فسح التقدير الكبير للسياسيين المدنيين خلال الانتقال إلى الديمقراطية منذ ما يقرب من ثلاثة عقود المجال لتزايد تصور العزلة، ثم بعد ذلك لموجة من فضائح تمويل الحملة واليوم، يعد غياب الحدود الزمنية، والتعويضات الضخمة للبرلمانيين (من بين أعلى المعدلات في أمريكا اللاتينية) مغناطيسًا كبيرًا للغضب الشعبي.

إن انعدام الثقة في السياسيين يضعف آمال الناس في المستقبل. وأدى التباطؤ الاقتصادي لتشيلي في الآونة الأخيرة، الذي كما هو الحال يتناقض تناقضا حادا مع وعود بانيرا الرنانة للنمو الاقتصادي، إلى تفاقم المشكلة. وربما كانت هذه الآمال المحطمة، هي التي أدت إلى غليان التوترات والتناقضات.

وهناك الآن فرصة فريدة لإعادة كتابة العقد الاجتماعي، والتعامل بحزم مع مصادر غضب المواطن. لكن المخاطر كثيرة. وتتمثل إحداها في كون الناخبين سيخلصون إلى أن مكاسب تشيلي كانت مجرد وهما أكثر من كونها حقيقية، ومن ثم سيتخلصون من الصالح مع الطالح. والخطر الآخر، هو أن مناخ الخوف والانقسام الحالي سوف يجلبان الشعبوية إلى السلطة، كما حدث في المكسيك، والبرازيل، والآن في الأرجنتين.

وفي تشيلي، تُظهر استطلاعات الرأي بالفعل مكاسبا للشعبويين من أقصى اليمين واليسار. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تكون الاضطرابات في البلاد بعيدة من أن تنتهي.

* أندريس فيلاسكو، المرشح الرئاسي السابق ووزير المالية لشيلي، هو عميد كلية السياسة العامة بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. ومؤلف للعديد من الكتب والأوراق حول الاقتصاد الدولي والتنمية، وعمل في هيئة التدريس في جامعات هارفارد وكولومبيا ونيويورك.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7