بقلم: هارولد جيمس

برينستون ـ بطريقة مماثلة بشكل ملحوظ - وفي الوقت نفسه تقريبًا - قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعملية بريكسيت بتدمير التيار المحافظ عبر المحيط الأطلسي. في حين أن جذور التوجه المحافظ الأمريكية حديثة وسطحية إلى حد ما، فاٍن التيار المحافظ البريطاني هو نتاج تقليد فكري قديم وغني، مما يجعل زواله أكثر إثارة للدهشة.

كان المحافظون القدماء يُعارضون التغييرات الجذرية، لكنهم أدركوا الحاجة إلى التكيف مع الأحداث الجديدة والأفضليات المُتغيرة. لقد فضٌلوا إتباع نهج تدريجي للإصلاح ورفضوا التغيرات المؤسسية الواسعة النطاق، بحجة أنه من الصعب للغاية السيطرة على التغييرات الجذرية. كان المحافظون براغماتيون، ولم يعطوا وعود الإصلاحات السحرية لأي مشكلة.

وفقًا لهذه النظرة إلى العالم، من الممكن دائما تنفيذ إصلاحات كبرى. ولكن يجب التعامل معها بطريقة يمكن من خلالها تقييم نتائجها، والتخلي عنها إذا لزم الأمر. هذا هو عكس التطرف، الذي يرفض العمل التدريجي ويعتبر أي فشل في الإصلاحات دليلاً ليس على أي أخطاء ارتُكبت، وإنما على التخطيط غير الكافي في تنفيذها.

في المملكة المتحدة، بدأت البراغماتية المحافظة والسعي إلى توافق الآراء على مر الزمن تتسبب في تدمر أعضاء كل من حزب المحافظين وحزب العمال المتطرفين. وهم يشتكون من أن الأحزاب الكبيرة قد تحولت إلى نتائج متطابقة تقريبا لـ "باتلسكيليزم"، وهو مصطلح يتكون من اسم المفكر المحافظ في القرن العشرين ريتشارد أوستن بتلر وزعيم واسم حزب العمال المعتدل هيو غايتسكيل.

كانت رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر أول رئيسة بريطانية تُحاول كسر إجماع ما بعد الحرب، وقد شنت حربًا ضد المؤسسة، التي في رأيها تقف في طريق التغييرات الضرورية. ومع ذلك، بقيت وفية بشكل كبير للتدريجية. كانت ثاتشر قادرة على مواجهة النقابات العمالية ووزارة الخارجية ومؤسسة المدينة لأنها تناولتها واحدة تلو الأخرى. لو تحدتهم جميعًا في نفس الوقت، لفشلت.

بالإضافة إلى ذلك، استخدمت تاتشر الأساليب المحافظة القديمة في السياسة الدولية: لقد اعتبرت التحالفات عنصرا أساسيا في أي عملية إصلاح. من وجهة نظرها، يمكن أن يكون التكامل الأوروبي آلية قوية لتحقيق تقدم تدريجي (ولو كان صعب المنال) نحو نظام اقتصادي أكثر ليبرالية. على الرغم من ذلك، بدأ الحجم الكبير لإصلاحات تاتشر يُثير غضب الناس. مع أنه كان هناك الكثير من التغييرات الوشيكة، فقد عارض بعض المحافظين التسوية بشكل كبير.

تجلى هذا النفور بشكل واضح في عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي أصبحت نظيرا للثورة بغض النظر عن الطريقة التي تعامل بها المرء معها. تكمن مشكلة الثورات في أنها تفتح الطريق أمام الكثير من البدائل. مع زيادة احتمال الإصلاح الجذري، تظهر تصدعات جديدة في المجتمع. كما حدث في فرنسا في تسعينيات القرن الثامن عشر، كانت الثورة دائما تلتهم أطفالها.

منذ انضمام المملكة المتحدة إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1973، أصبحت القوانين واللوائح وممارسات الإدارة في هذا البلد وفي القارة متشابكة بشكل متزايد. بالنسبة للبعض في المملكة المتحدة، يبدو أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوفر فرصة للهروب من عالم متغير باستمرار. في عملية أكثر مُعارضة للتيار المحافظ، فإن استعادة "السيادة" هي الخطوة الأولى نحو إعادة تشكيل النظام السياسي والاجتماعي بأكمله.

ومع ذلك، يجب أن يدرك مؤيدو بريكسيت أن إعادة بناء مجتمع حديث من الصفر تشبه إلى حد كبير كتابة البرنامج الخاص بك على "مايكروسوفت وورد" في الوقت الذي يمكنك الاكتفاء باستخدام مايكرسوفت وورد. هذا ينطبق بشكل خاص على النظام القانوني. يتطلب التغيير الأساسي مثل "استعادة السيادة" مواجهة مجموعة كبيرة من القضايا البسيطة التي لها تداعيات خطيرة وغير متوقعة.

علاوة على ذلك، كانت عملية بريكسيت نتيجة لمفهوم الديمقراطية هذا، والذي كان حتى الآن غائبا تمامًا عن التقاليد السياسية البريطانية. في الواقع، أثار مؤيدو بريكسيت الشعبويون العداء ضد المؤسسات ذاتها التي صنعت بريطانيا: مثل البرلمان وحكم القانون. كان النهج البريطاني التقليدي تجاه الديمقراطية منصوصًا عليه في خطاب إدموند بيرك عام 1774 "خطاب مُوجه للناخبين في بريستول". جادل بيرك بأنه نظرًا لأن عملية صنع السياسة العامة مُعقدة وتشتمل على العديد من المقايضات، يجب أن يتم اختيار ممثلين مطلعين جيدًا لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن قرار سياسي معين. يُعد كل من أعضاء البرلمان المحافظين البالغ عددهم 21 نائبًا الذين أخرجهم رئيس الوزراء بوريس جونسون مؤخرًا من الحزب لرفضهم دعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نموذجا مثاليا لرؤية بيرك.

على النقيض من ذلك، يرفض المفهوم الجديد المناهض للتيار المحافظ النزعة البرلمانية ويُؤيد مبدأ السيادة الشعبية دون وسطاء. ومع ذلك، في الممارسة العملية، هذه الفلسفة لا تسمح بتحقيق السيادة، لأنها لا توفر أي وسيلة لإدارة مجرى لا نهاية له من الخيارات السياسية العادية والمُعقدة التي يتعين على الحكومات اتخاذها كل يوم. إن إعلان أن "الشعب" سيقرر لن يحل المشاكل، لأنه من المستحيل بكل بساطة رفع كل قرار سياسي إلى الشعب.

وبطبيعة الحال، يمكن اختراع تطبيق الذكاء الاصطناعي الذي يمكّن الحكومات من الاستعلام عن رأي الشعب حول حزمة الإصلاحات والمبادلات المصاحبة لها في المستقبل. ومع ذلك، فإن تحقيق الديمقراطية الشعبية يتطلب مستوى من التحول الاجتماعي يتعارض مع العقلية المُحافظة.

تتضمن النزعة الشعبوية أيضًا القضاء على المؤسسات الديمقراطية التي كانت موجودة منذ مئات السنين. على سبيل المثال، إلى جانب التمثيل الديمقراطي، فإن الرؤية المحافظة التقليدية تحمي أيضًا سيادة القانون، والتي بدونها لا يمكن فرض قيود على سلطة قائد استبدادي أو ثوري شعبوي.

في مصادفة غريبة، جاء قرار رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي مؤخراً بإجراء تحقيق في قضية ترامب في نفس اليوم الذي قضت فيه المحكمة العليا في المملكة المتحدة بأن تأجيل جونسون (أو وقفه) لعمل البرلمان غير قانوني. ربما تستعد الرؤية المحافظة الحقيقية إلى العودة إلى الساحة السياسية ضد المحتالين العدميين الذين يتصرفون باسمها.

* هارولد جيمس، أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون، وهو زميل أقدم في مركز الابتكار الدولي للحكم ومتخصص في التاريخ الاقتصادي الألماني والعولمة، ومؤلف مشارك للكتاب: اليورو ومعركة الأفكار ومؤلف كتاب إنشاء وتدمير القيمة: دورة العولمة
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1