جيفري فرانكل

 

كمبريدج ــ إذا أقام مضيفان حفلين في نفس الوقت فإنهما يتحولان إلى خصمين بالضرورة. فكل منهما يحمي مكانته الاجتماعية بكل غيرة ــ بل وربما يذهب إلى حد معاقبة الضيف الذي يحضر حفل المضيف الآخر بحجب الدعوات عنه في المستقبل.

ويبدو أن الصين والولايات المتحدة ينظران إلى علاقات آسيا ومنطقة المحيط الهادئ على نحو مماثل؛ باعتبارها لعبة محصلتها صفر (حيث الفائز يقابله خاسر). فهل تشترك الدول في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية الذي أسسته الصين، أو الشراكة عبر المحيط الهادئ التي أسستها أميركا؟ وهل تكون الصين موضع ترحيب، أو تُرفَض بشكل مذل، في جهودها الرامية إلى إقناع صندوق النقد الدولي بضم الرنمينبي إلى وحدتها الحسابية (أو حقوق السحب الخاصة)؟ وهل لا تزال الولايات المتحدة الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، أم أن الصين تفوقت عليها في عام 2014؟

برغم أن التركيز على مثل هذه الأسئلة ربما يكون مغريا، فإن هذه ليست الطريقة الصحيحة للتفكير في الاقتصاد العالمي. فلا يوجد من الأسباب ما قد يمنع انضمام بعض البلدان إلى المؤسستين الصينية والأميركية، أو اتساع تداخل العضوية بمرور الوقت ــ أو حضور كل من المضيفين حفل الآخر في نهاية المطاف.

من المؤسف أن هذه ليست الكيفية التي يتم بها تأطير قضايا إدارة الاقتصاد العالمي حاليا. فعندما قررت المملكة المتحدة، وألمانيا، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، ودول أخرى على نحو غير متوقع الانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية في مارس/آذار، أشيع على نطاق واسع أن ذلك كان بمثابة انشقاق جماعي من قِبَل حلفاء الولايات المتحدة وذهابهم إلى الحفل المنافس (بسبب خطوات خاطئة اتخذها صناع السياسات في الولايات المتحدة).

ولكن لا عيب في الانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية. فآسيا تحتاج إلى قدر من المساعدة في الاستثمار في البنية الأساسية لا يستطيع البنك الدولي والبنك الآسيوي للتنمية توفيره. وبوسع الصين أن تلعب دوراً قيادياً مفيدا؛ ومشاركة البلدان في ظل معايير حوكمة مرتفعة من الممكن أن تساعد في منع المحسوبية، والفساد، والأضرار البيئية التي تحدثها مشاريع البنية الأساسية الضخمة عادة.

وعلى نحو مماثل تبدو مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادئ أحياناً وكأنها محاولة من قِبَل الولايات المتحدة لعزل الصين. ولكن نظراً لأحجام التجارة المرتفعة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والمجموعة الكثيفة من الترتيبات التجارية في كل اتجاه، فلا أحد، بما في ذلك الصين، ربما يوشك أن يصبح معزولا. ولأن مفاوضات منظمة التجارة العالمية، حيث تستطيع كل البلدان أن تشارك، توقفت لسنوات، فإن الشراكة عبر المحيط الهادئ وغيرها من المبادرات الإقليمية (مثل التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومناطق تجارة حرة أخرى عديدة داخل آسيا) أفضل من لا شيء.

وتُعَد أسعار الصرف منطقة أخرى حيث يسود تفكير الفائز والخاسر. ففي التاسع من إبريل/نيسان، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تقريرها نصف السنوي بتكليف من الكونجرس لتحديد البلدان المشاركة في "التلاعب بالعملة". وهذه المرة لا الصين ولا أي دولة أخرى وجِدَت مذنبة. ولكن المسؤولين في وزارة الخزانة يعتقدون أنهم لابد أن يستمروا في الضغط، خشية أن ينفذ الكونجرس تهديداته بمعاقبة التلاعب المفترض بالعملة، وهو ما من شأنه أن يعرقل الشراكة عبر المحيط الهادئ وغيرها من الاتفاقيات التجارية.

ثم هناك مسألة حقوق السحب الخاصة. كل خمس سنوات يعيد صندوق النقد الدولي النظر في تكوينها، والذي يتم تعريفه حالياً بالدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني. ومن غير المرجح أن يتم إدراج الرنمينبي الصيني في هذه السلة الآن، لأنه ليس "قابلاً للاستخدام بحرية". ولكن لا ينبغي لهذا أن يسجل باعتباره هزيمة للصين. فالقضية ليست ذات أهمية تُذكَر.

قد يبدو الأمر وكأن كل هذا يمكن تجاهله باعتباره رياضة إعلامية تحضرها جماهير. ولكنه من الممكن أن يحدث ضرراً حقيقياً إذا تحول التركيز غير المبرر على تصنيف البلدان إلى حاجز يحول دون انتهاج السياسات المعقولة.

وهذه هي الحال مع الجهود المعطلة لإصلاح الحصص في صندوق النقد الدولي، وهي القضية التي يمثل التصنيف بعض الأهمية في واقع الأمر، ولكن ليس في لعبة محصلتها صِفر. فوفقاً لأي مقياس للأهمية الاقتصادية، استحقت الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة الكبرى منذ فترة طويلة أنصبة أكبر من الحصص في صندوق النقد الدولي، وهو ما يعني ضمناً قدراً أكبر من المساهمات المالية وزيادة الثِقَل التصويتي.

ولكن هذه الزيادة في الحصص ليس بالضرورة أن تأتي على حساب الولايات المتحدة. فالدول الأوروبية هي التي يأتي تمثيلها مفرطاً إلى حد كبير. وبرغم عزوف أوروبا عن التنازل عن الأرض، فقد نجح الرئيس الأميركي باراك أوباما في التوسط لإعادة توزيع أنصبة الحصص في صندوق النقد الدولي في قمة مجموعة العشرين في سول في نوفمبر/تشرين الثاني 2010. وبعد خمس سنوات، لا يزال الكونجرس الأميركي يعرقل إصلاح نظام الحصص في صندوق النقد الدولي ــ ليس لأنه قد يتسبب في أي خسارة للسلطة أو فرض أي تكلفة على دافعي الضرائب الأميركيين، بل لأن العديد من النواب لا يريدون إعطاء أوباما أي شيء يطلبه.

قبل ثلاثين عاما، لم يكن الغرب يريد شيئاً أكثر من تحول الصين إلى اقتصاد رأسمالي. وقد فعلت هذا، وبنجاح باهر. والآن تتطلب قواعد اللعبة إعطاء الصين حصة أكبر في إدارة المؤسسات الدولية.

إن إفساح مكان على الطاولة من شأنه أن يساعد بقيتنا في "اللعبة" الأكثر أهمية على الإطلاق: السلام والرخاء العالميين. وإذا لم يقر الكونجرس إصلاح حصص صندوق النقد الدولي، فلا يجوز للولايات المتحدة أن تلقي اللوم على الصين لقيامها بمبادرات مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البينة الأساسية بمفردها.

كثيراً ما نسمع عن القوة الصارمة (العسكرية) والقوة الناعمة (الجاذبية التي تتمتع بها أفكار البلد وثقافته ونظامه الاقتصادي وما إلى ذلك). ولكن هناك نوع آخر من القوة. فمنذ مؤتمر بريتون وودز، كانت الولايات المتحدة تتمتع بقوة الزعامة العالمية. في فترة ما بين الحربين (1919-1939)، لم يكن الأميركيون مستعدين لتولي هذه المهمة؛ ولكن الحرب العالمية الثانية علمتهم تكلفة النزعة الانعزالية فارتفعوا إلى مستوى التحدي في عام 1944.

بعد مرور سبعين عاما، وحتى بعد أخطاء السياسة الخارجية الهائلة التي ارتكبتها أميركا في العراق وأماكن أخرى، بل وحتى بعد لحاق الناتج المحلي الإجمالي الصيني المفترض بالناتج المحلي الإجمالي الأميركي (على الأقل من حيث تعادل القوة الشرائية)، فإن العالم يظل على استعداد لتقبل زعامة الولايات المتحدة، بما في ذلك الموضوعات الحاسمة التي تتعلق بالتجارة وإصلاح صندوق النقد الدولي. وإذا نجح هؤلاء الذين يصرون على تسجيل النقاط في فرض أسلوبهم فإن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على ممارسة الزعامة التي يحتاج إليها العالم. وسوف يبحث العالم عنها في مكان آخر.

* أستاذ في كلية كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد، وشغل سابقا منصب عضوا في مجلس الرئيس بيل كلينتون للمستشارين الاقتصاديين

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0