كريس باتن

 

تارن، فرنسا ــ يبدو أن أسهم الزعماء الأقوياء بدأت تنخفض. صحيح أن السوق لم تتحول إلى الاتجاه الهابط بعد، لكن الحكام المستبدين ليس لديهم من الأسباب الكثير ما قد يجعلهم متفائلين بالصعود.

لنتأمل هنا الصين. تشتهر ألعاب القوة الداخلية التي يمارسها الحزب الشيوعي الصيني بغموضها، ونادرا ما يصل الاقتتال السياسي الداخلي إلى المستوى الذي لا يمكن التستر عليه. ومع هذا، يمكننا أن نسمع دمدمات عدم الارتياح بوضوح. ففي هذا الشهر، عندما انعزل الرئيس شي جين بينج وكبار مستشاريه في منتجع باي ديه هي الساحلي، انتشرت الشائعات حول انتقادات متنامية لعبادة شخصية شي بين عامة أعضاء الحزب الشيوعي الصيني.

بالحكم من خلال الشائعات، يجب على شي جين بينج أن يسأل نفسه ما إذا كان من الحكمة أن يلغي إصلاحات دنج شياو بينج ويتجاهل السوابق التي وضعها زعماء الحزب الشيوعي الصيني السابقين مثل جيانج تسه مين وهو جينتاو. وربما يتعين عليه أيضا أن يعيد النظر في خطابه المتباهي بالنصر، في ضوء الحساسيات القومية وبلطجة سياسات الحماية التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وأخيرا، ربما يكون لزاما عليه أن يعيد تقييم سياسته الأساسية، أو مبادرة الحزام والطريق، التي تلقى انتقادات متزايدة كآلية تستغلها الصين لتصدير ديونها إلى دول أخرى مثقلة بالديون، وغالبا من خلال الاستثمار في مشاريع وهمية وغير ذلك من المشاريع المشبوهة.

من ناحية أخرى، يظل صديق شي جين بينج المفضل الجديد، الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، منيعا من الناحية السياسية. ولكن كما اقترح أحد مراسلي فوكس نيوز، ربما يكون هذا راجعا إلى حقيقة مفادها أن عددا كبيرا من منتقديه "تنتهي بهم الحال إلى الموت". ولا تزال حكومة روسيا تعتمد على النفط والغاز لتحصيل نحو 40% من إيراداتها، ويظل الاقتصاد الروسي، المحروم من دينامية ريادة المشاريع والاستثمارات الأجنبية، في حالة احتضار. وما عليك إلا أن تنظر حول بيتك لترى ما إذا كان بوسعك أن تجد أي شيء مستجلب من روسيا، بعيدا عن الفودكا، أو الطاقة، أو أعمال تولستوي.

لكن متاعب الرجل القوي التي يواجهها فلاديمير بوتن وشي جين بينج تتضاءل بجانب المتاعب التي يواجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس ترمب الذي ورطه الآن محاميه القديم الذي دأب على "إصلاح" أخطائه في ارتكاب جريمة فيدرالية.

بعد خمسة عشر عاما من وصوله إلى السلطة على خلفية أزمة الصرف الأجنبي، يبدو أردوغان الآن عازما على صنع أزمة جديدة من عمل يديه. فقد خسرت الليرة التركية نحو 38% من قيمتها في مقابل الدولار الأميركي هذا العام، وهو ما يرجع بالكامل تقريبا إلى أمية أردوغان الاقتصادية، والمحسوبية، وامتناعه عن الاستماع إلى أي وجهة نظر بديلة.

خلافا لسلفه في منصب الرئاسة، عبد الله غول، لم يبذل أردوغان قَط أي جهد حقيقي لكي يثبت كونه زعيما للبلاد بالكامل. وكان أسلوبه المتغطرس وسياساته التي تخدم مصالح الذاتية من الأسباب التي أدت إلى تعميق الانقسامات بين العلمانيين الأثرياء والمسلمين الأكثر فقرا في المناطق الريفية والذين يشكلون قاعدة أردوغان.

كانت أحدث أزمات تركيا أكثر مأساوية لأنها لم تكن ضرورية على الإطلاق. إذ تُعَد تركيا مركزا إقليميا مهما، فهي موطن لنحو 81 مليون نسمة، كما تشكل جسرا بين الغرب والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ولديها القدرة على العمل كمحرك اقتصادي قوي. لكن سياسات أردوغان تجر اقتصاد تركيا إلى هاوية عميقة.

فعلى الرغم من سقوط الليرة التركية وارتفاع التضخم إلى عنان السماء، ضغط أردوغان على البنك المركزي لمنعه من زيادة أسعار الفائدة، خشية أن يتسبب تباطؤ النمو في إلحاق الأذى بآفاق حزبه في الانتخابات المحلية المنتظرة في العام المقبل، وخاصة في المدن التركية. ولكن على مدار الأشهر الإثني عشر المقبلة، سيضطر أردوغان إلى التعامل مع عجز متزايد الاتساع في الحساب الجاري فضلا عن جبل من الديون المقومة بالدولار.

وما زاد الطين بلة أن أردوغان قام مؤخرا بتعيين صهره غير المؤهل، بيرات البيرق ــ جاريد كوشنر أنقرة ــ وزيرا للمالية والخزانة، وهو ما أدى إلى المزيد من عدم الاستقرار في الأسواق. كما انهمك أردوغان في نزاع دبلوماسي وتجاري متصاعد مع الولايات المتحدة بعد اعتقال قس أميركي متهم بالتواطؤ في محاولة الانقلاب ضد أردوغان في عام 2016. من جانبه، جعل ترمب من مسألة تحرير القس قضية شخصية، على سبيل مداهنة قاعدته الإنجيلية في الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني. ولتحقيق هذه الغاية، أعلن ترمب مؤخرا أنه سوف يضاعف الرسوم الأميركية على واردات الصلب والألومنيوم من تركيا.

الواقع أن المحاولات اليائسة التي يبذلها ترمب لإثبات عدم قدرة أي شخص (باستثناء بوتن) على إعطائه الأوامر معلومة للجميع. وفي نزاعه مع تركيا، لم يتردد في فرض الرسوم الجمركية، بصرف النظر عن الضربة الانتقامية المحتملة التي قد تتلقاها الشركات الأميركية والمستهلكون الأميركيون. ناهيك عن كون تركيا حليفا مهما في منظمة حلف شمال الأطلسي. ويبدو أن ترمب عازم على إخراجها من الحلف إلى أحضان روسيا والصين.

على الرغم من مشاكله القانونية المتصاعدة وشرعيته المشكوك فيها على نحو متزايد، استمر ترمب في تدمير النظام الدولي لفترة ما بعد الحرب والذي ساعدت أميركا في إنشائه. والأسوأ من ذلك هو أن نسخته من سياسات عداء المهاجرين الأنانية تنتشر في أنحاء آسيا وأوروبا، إلى الحد الذي قلب السياسة في إيطاليا والمجر وبولندا، بل وحتى المملكة المتحدة، رأسا على عقب.

في بريطانيا، زعم وزير الخارجية الجديد جيريمي هنت أن الحركة التي تقف وراء حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي تختلف عن القومية الشعبوية في دول أخرى. لكن هذا غير صحيح. فمن الواضح أن المتشددين من أنصار الخروج البريطاني اكتسبوا قوتهم من العداء تجاه المهاجرين والأجانب. وإذا كان لدى هنت أي شك حول هذا، فما عليه أن ينظر إلى ما هو أبعد من سلفه بوريس جونسون، الذي كتب مؤخرا تعقيبا يسخر من النساء المسلمات اللاتي يرتدين النقاب.

على النقيض من الرجال الأقوياء الطموحين اليوم، كان الزعيم القوي حقا ليدافع عن التعاون الدولي ويسعى إلى إقناع الناخبين بأسباب أهميته. ولا يملك المرء إلا أن يأمل أن يفعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي هذا على وجه التحديد في الأشهر المقبلة.

في هذه الأثناء، يتعين علينا أن نصلي كي لا يتمكن أشباه الرجال الأقوياء، من أمثال ترمب وأردوغان، من إلحاق أضرار بالغة ببلدانهم، وبقية بلدان العالَم. فالآن حان الوقت لجعل أواصر التعاون عظيمة مرة أخرى.

* كريس باتن، آخر حاكم بريطاني لـ هونج كونج والمفوض السابق للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي ، يشغل حاليا منصب رئيس جامعة أكسفورد
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2