كارل بيلدت

 

ستوكهولم ــ بعد عام من وفاة مستشار ألمانيا الأسبق هيلموت كول، تبدو الدولة التي قادها طيلة 16 عاما وكأنها تصارع فكرة اتباع تراثه من عدمه.

بالنسبة لكول، كان تاريخ ألمانيا وموقعها المركزي في أوروبا يعني أنها لا يجب أبدا أن تسعى لتحقيق العظمة القومية كغاية في حد ذاتها. وكان يؤمن بأن البلد الذي يفوق عدد جيرانه أي بلد آخر في القارة لا ينبغي له أن يمارس نفوذا أو تجبرا، بل يجدر به أن يعاضد فكرة أن تكون هناك أوروبا تنعم كل بلدانها، كبيرة كانت أو صغيرة، بالأمن على السواء.

لكن منذ اندلعت أزمة اللاجئين في خريف 2015، تتعرض رؤية كول الخاصة بأوروبا للهجوم والانتقاد. فبينما تواصل المستشارة أنجيلا ميركل الضغط من أجل سياسات تعاونية للهجرة واللاجئين داخل الاتحاد الأوروبي، تناصر جوقة متزايدة من الأصوات في ألمانيا اتخاذ إجراء أحادي الجانب يُتوقع أن يأتي غالبا على حساب الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

يبدو الجدال الحالي الذي يعصف بألمانيا متركزا في ظاهره على إمكانية إعادة طالبي اللجوء الذين سُجلوا بالفعل في دول أخرى بالاتحاد الأوروبي، وهو ما يؤيده وزير الداخلية الفدرالي هورست زيهوفر، الذي ينتمي لحزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي. لكن بالتعمق أكثر في بواطن الأمور، سنجد أن مشكلة ألمانيا تتمحور حول ما إذا كان ينبغي لها أن تسلك بمفردها طريقا خاصا بها، أو أن تواصل السعي لإيجاد حلول أوروبية مشتركة.

في هذ العصر الجديد الذي تهيمن عليه سياسة الهوية، أصبح الخلاف بشأن الهجرة معركة من أجل روح ألمانيا. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أضحى حزب البديل من أجل ألمانيا أول حزب يميني متطرف يدخل البرلمان الألماني (البوندستاج) منذ ستينيات القرن الماضي. وبعد تشكيل حكومة الائتلاف الكبير الحالية، صار البديل من أجل ألمانيا حزب المعارضة الرئيس في البلاد. وها هو ذا الآن يدفع بحزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي لتبني المزيد من أفكار اليمين في الفترة التي تسبق الانتخابات الإقليمية في مقاطعة بافاريا، المزمعة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وتتماشى هذه التطورات التي تشهدها ألمانيا مع النزعات المنتشرة عبر أوروبا، حيث حققت الأحزاب القومية والشعبوية مكاسب انتخابية برفضها أي حلول على مستوى الاتحاد الأوروبي ومناداتها بغلق الحدود، إذ يظهر حزب الرابطة القومي في إيطاليا متزعما ائتلافه الحاكم الجديد مع حركة خمس نجوم الشعبوية، كما يمارس حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا نفوذه للتأثير على سياسات الهجرة بصفته عضوا في الائتلاف الحاكم.

ولو أنصت المرء إلى الخطاب الحماسي لتلك الأحزاب، لحسب أن اللاجئين والمهاجرين يتدفقون إلى أوروبا دون أي عوائق. لكن الحقيقة أنه رغم تحول شبه جزيرة البلقان إلى معبر سريع لطالبي اللجوء الفارين من سوريا إلى ألمانيا والسويد عامي 2015 و2016، فقد أُغلق هذا الطريق فعليا عندما وافقت تركيا على استضافة اللاجئين مقابل الحصول على مساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي. ورغم استمرار تصدر مشكلة وضع اللاجئين في وسط البحر المتوسط عناوين الصحف، فقد تقلص عدد المهاجرين العابرين من شمال أفريقيا بصورة حادة بالفعل خلال السنة الماضية.

لكن ظلت الهجرة قضية جدالية ساخنة عبر أوروبا بسبب صدمة أزمة اللاجئين الأولية، التي لا يزال صداها يتردد بقوة داخل عقول الناخبين. فالسياسة لعبة تعتمد على المشاعر والتصورات، لا الأرقام الجامدة، وقد تمكنت الأحزاب الشعبوية والقومية من رسم لوحة تصور أوروبا وكأنها تحت الحصار.

ووفقا لمعطيات البيئة السياسية الحالية، لو اضطرت ألمانيا لإعادة اللاجئين إلى النمسا، فمن المؤكد أن تقوم النمسا بإعادتهم إلى إيطاليا. لكن هذا سيعيد الاتحاد الأوروبي إلى نفس الموقف الذي كان فيه من قبل، حينما كان طالبو اللجوء لا يتم تسجيلهم عند وصولهم إلى إيطاليا، وكانت إعادتهم إلى حدود أخرى أكثر صعوبة من الآن. حتما سيتردى الوضع ويستحيل إلى فوضى عارمة، مع انقلاب الدول الأعضاء ضد بعضها بعضا، وسيطرة الشعبويين على المنصة المركزية.

في المقابل، نجد أن ألمانيا التي يتصورها كول تضع في اعتبارها البعد الأوروبي لسياساتها، وتُشكلها وفقا لذلك. فهي ببساطة لا تتخلص من مشاكلها القومية على حساب جيرانها الأصغر بإلقائها عليهم، لأنها تعترف بأن أمنهم يعني أمنها.

وقد يخلف هجوم القوى القومية على رؤية كول تداعيات متشعبة تتعدى حدود الجدال بشأن الهجرة، إذ أنه لا يخاطر بدور ألمانيا في أوروبا فحسب، بل يعرض مستقبل التكامل الأوروبي للخطر أيضا. ولو هجرت ألمانيا تراث كول، لأصبحت فجأة مصدرا للارتياب العميق، بدلا من كونها حصنا للاستقرار في وسط أوروبا، وهذا آخر شيء تحتاجه أوروبا في ظل تعرض الغرب بالفعل للهجوم من قبل بعض الجهات، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتن والرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ولا شك أن الأزمة الراهنة ستُحَل على الأرجح من خلال سلسلة من التسويات المنقوصة ــ سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو داخل ائتلاف ألمانيا الحاكم، فهذا في النهاية أسلوب عمل الاتحاد الأوروبي في الغالب، كما حدث في حالة أزمة الديون السيادية اليونانية.

لكن من غير المرجح أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، فهذا التذبذب الألماني بشأن تراث كول يمثل اتجاها أكبر من أي قضية فردية، لكن ستكشف كيفية تطور الجدال حول اللاجئين في الأسابيع القادمة الكثير عن اتجاه ألمانيا المستقبلي ــ وعن مستقبل أوروبا أيضا.

* كارل بيلدت، وزير الخارجية السويدي من 2006 إلى اكتوبر 2014، ورئيس الوزراء 1991-1994
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0