مايكل يونغ

 

يبحث المحلّل الروسي ديمتري فرولوفسكي في نوايا موسكو في سورية، خصوصاً بعد الهجوم التركي على عفرين.

ديمتري فرولوفسكي محلّل سياسي وكاتب يتخذ من موسكو مقرّاً له، وهو مساهم منتظم في مدوّنة "مركز كارنيغي في موسكو"، و"الجزيرة"، وغيرهما من المنابر. كما يعمل حالياً مستشاراً حول السياسة والاستراتيجية في الشرق الأوسط مع جهات روسية، رسمية وخاصة. كتب أيضاً عن السياسة الخارجية الروسية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، مركّزاً على العلاقات مع قطر والسعودية.

أجرت مدوّنة "ديوان" مقابلة مع فرولوفسكي في منتصف شهر كانون الثاني /يناير الحالي، في الوقت الذي بدأت تركيا تدخّلها الذي طال توقّعه في عفرين، لمناقش ته حول حسابات روسيا الإجمالية في سورية.

مايكل يونغ: تدخّلت تركيا للتوّ في عفرين لمحاربة القوّات الكردية السورية. كيف يمكن لذلك أن يؤثّر على علاقات أنقرة بموسكو؟

ديمتري فرولوفسكي: أقرّت القيادة الروسية بمدى حساسية القضية الكردية بالنسبة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وغطّت الطرف عن التدخل. لم تكن أنقرة لترضى مطلقاً بالجلوس إلى طاولة المفاوضات حول سورية، ما لم تتلق ضمانات على أنّ الحكم الذاتي الكردي لن يحدث أبداً على حدودها الجنوبية. كما تفضّل موسكو وجود حكومة مركزية قوية في دمشق، وبالتالي فهي بغنى عن قيام قوّات كردية مدرّبة ومجهّزة على يد واشنطن بتحدّيها. وعلى رغم التصريحات الرسمية السورية التي تفيد بعكس لذلك، يبدو أنّ دمشق لاتعارض التدخّل التركي في شمال سورية لمنع الحكم الذاتي الكردي، ولاتزال تعلّق آمالاً على استعادة حدودها التي كانت قائمة ما قبل الحرب.

إلا أنّ قرار واشنطن تشكيل قوّة أمن حدودية قوامها 30 ألف شخص، أثبطت خطط كل من روسيا وتركيا. وفي الواقع، ينبغي أن نتوقع المزيد من التعاون بين موسكو وأنقرة، وأن تظلّ العلاقات الثنائية بينهما قوية في المستقبل القريب. في الوقت نفسه، يعي الكرملين جيّداً مدى مقت أردوغان للنظام الحالي في دمشق، وقدرته على تبديل موقفه بسرعة إذا اقتضى الأمر. وإذا كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادرة على إبرام صفقة مع أنقرة، وترغب في التخلّي عن تحالفها مع القوّات الكردية، فإنّ العلاقات الروسية-التركية ستعاني، وستكون موسكو أقل استعداداً لتقبّل قوّات تركية داخل سورية. لكنّني لا أعتقد أنّ هذا الأمر سيحدث، ومن المرجّح أنّ تحالف بوتين-أردوغان سيستمرّ.

يونغ: لماذا تواجه روسيا صعوبة في عقد مؤتمر سوتشي حول سورية؟

فرولوفسكي :يرى الكرملين أنّ عملية السلام في الأستانة ومؤتمر سوتشي هما جزء من العملية الشاملة نفسها، وبالتالي فإنّ جلب الجماعات المتمرّدة إلى طاولة المفاوضات يعدّ أمراً حيوياً لتحقيق أهدافها. في الوقت نفسه، رفضت الجماعات المتمرّدة "سوتشي " ، واتّهمت روسيا بأنّها دولة معتدية، وتتجاوز محادثات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة. لقد أصبح خطاب هذه الجماعات أكثر ثقة، وقد يكون ذلك نتيجة شعورها بأنّ الولايات المتحدة تعتزم توفير دعم أقوى لـ"قوّات سورية الديمقراطية" وغيرها من الجماعات المعارضة. هذا السيناريو المتقلّب، يضع روسيا في نهاية المطاف عند مفترق طرق. فمن ناحية، يريد الكرملين أن تحضر الجماعات المتمرّدة المؤتمر، ومن ناحية أخرى، ليس مستعداً لتليين موقفه والتخلّي عن خططه لتسوية الأستانة-سوتشي. وسيُعقد على الأرجح المؤتمر فعلاً في غياب تلك الجماعات المتمرّدة.

يونغ: يشير انتقاد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الأخير للسياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك في سورية، إلى أنّ روسيا تجد صعوبة في الحصول على مساعدة الولايات المتحدة في وضع نهاية للحرب السورية تحظى بحظوة موسكو. كيف ترى مستقبل العلاقات الأميركية-الروسية في سورية؟

فرولوفسكي: عقد الكرملين آمالاً في أن تكون السياسة الأميركية تجاه سورية مختلفة في ظل إدارة ترامب، لكنّ هذه الآمال تحطّمت في النهاية بسبب إعلان واشنطن أخيراً أنّها ستشكّل قوّة أمنية حدودية في سورية، قوامها 30 ألف شخص، يسيطر عليها الأكراد. وعلى الرغم من تلميحات ترامب المتضاربة بأنّه "ليس لديه ما يفعله في سورية سوى قتل [الدولة الإسلامية]"، يقرّ الكرملين حالياً بأنّ واشنطن، من خلال إقامة منطقة خاضعة لها فوق ما يقارب الـ 25 في المئة من الأراضي السورية في الشمال والشرق، تعتزم ضمان دور مؤثّر لها في تسوية سياسية وفي مستقبل البلاد ما بعد الحرب. كما ستساعد هذه المنطقة الولايات المتحدة على تأمين معقل لها في المشرق، والتأثير على علاقات روسيا بحلفائها الإقليميين.

الكرملين مستاء من هذا التطوّر، بل إنّ بعض المسؤولين الروس يتهمون البيت الأبيض بانتظار القوّات الروسية للقيام بكلّ الأعمال القذرة، قبل القفز في اللحظة الأخيرة والمطالبة بحصته. لقد استثمرت موسكو كثيراً في سورية، بما في ذلك سمعة الرئيس فلاديمير بوتين الشخصية، إلى حدّ يمنعها من تقديم أي تنازلات عندما تلوح تسوية سياسية في الأفق. وأنا أشكّ أيضاً في أنّ عملية جنيف سيكون لها تأثير. ففي نهاية المطاف، سيتقرّر مستقبل سورية بناءً على قدرة الرئيسَيْن دونالد ترامب وبوتين على التوصّل إلى إجماع، غير أنّني لا أرى أي فرص حالية لتحسّن العلاقات الأميركية-الروسية حول سورية. وفي الواقع، ستزداد الأمور سوءاً قبل أن تتحسّن.

يونغ: بعد النجاحات الروسية الأوّلية في سورية، يبدو الآن أنّ الأمور أصبحت أكثر صعوبة. برأيك، إلى أين سيقود ذلك موسكو؟

فرولوفسكي:لا أوافق على أنّ الأمور أصبحت أكثر صعوبة بالنسبة إلى موسكو. كان الوضع صعباً عندما تدخّل الكرملين في النزاع السوري وجازف بالدخول في ورطة كان يمكن أن يكون لها آثار خطيرة على شعبية بوتين الداخلية. كذلك، كان الأمر صعباً عندما أسقطت تركيا طائرة روسية، إضافةً إلى الكثير من اللحظات العصيبة الأخرى. قد تكون لدى موسكو بالفعل رؤية لما ينبغي أن تكون عليه التسوية السياسية في سورية. وهي نابعة من تجربة روسيا الخاصة في حل الصراع في الشيشان، فضلاً عن بعض الحلول التي تزدرع من لبنان المجاور. ويمارس الكرملين أيضاً تأثيراً قوياً على دمشق، وهو قادر على الدفع قدماً بمعظم الإصلاحات التي يراها ضرورية.

عموماً، استثمرت روسيا كثيراً في سورية، وتسعى الآن إلى الحفاظ على وجودها في المشرق على المدى الطويل. كما أنّها مهتمّة بوجود نظام مستقرّ وموثوق به في دمشق، قادر على تحقيق أهدافها. مع ذلك، ليس لدى موسكو لا المصلحة في، ولا القدرة، على تمويل إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع في سورية، إذ لايزال الاقتصاد الروسي يعاني من انخفاض أسعار النفط والركود الذي قد يستمر لسنوات، ما قد يؤدّي بالفعل إلى توتّر في العلاقات السورية-الروسية مستقبلاً.

http://carnegie-mec.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0