التأمل ليس مجرد استرخاء عابر، بل هو طب تكميلي يمنح التوازن والهدوء الداخلي ويحمي القلب من آثار الإجهاد. ومع تنوع تقنياته بين اليقظة الذهنية والتخيل، يبقى الوعي بالمحاذير النفسية ضرورياً؛ فالتأمل أداة قوية تتطلب حكمة في الاستخدام، ليكون جسراً حقيقياً نحو السلام الداخلي وليس مجرد هروب من الضجيج...

في ظل نمط الحياة المتسارع، يعيش الكثيرون حالة مستمرة من الضغط العصبي تظهر آثارها في شكل قلق دائم وتوتر يسيطر على الاستجابات اليومية. وفي هذا السياق، تبرز ممارسة التأمل كخيار متاح لاستعادة الهدوء والسلام الداخلي عبر تخصيص دقائق معدودة للذات.

تتميز هذه الممارسة بكونها نشاطاً بسيطاً لا يضع حواجز مادية أمام الفرد؛ فهي لا تتطلب معدات خاصة أو ميزانيات مرتفعة، مما يجعلها قابلة للتطبيق في مختلف الظروف المكانية، سواء خلال المشي، أو عند استخدام المواصلات العامة، أو في قاعات انتظار الأطباء، وحتى في بيئات العمل الرسمية.

ما هو التأمل؟

يستخدم هذا التأمل الذي يستغرق 5 دقائق تقنيات التنفس والتخيل لتهدئة ذهنك وجسمك. مثالي لإعادة ضبط سريعة.

التأمل ممارسة تتضمن تركيز الذهن أو صفائه باستخدام مزيج من التقنيات الذهنية والجسدية. على سبيل المثال، يمكنك الجلوس بهدوء مع التركيز على ذاتك. أو يمكنك ربط تنفسك بكلمة أو عبارة أو صورة.

ينظر مقدمو الرعاية الصحية إليه كشكل من أشكال الطب التكميلي - وهو نوع من العلاج الذي قد تتلقاه إلى جانب الطب الغربي التقليدي.

وفقًا لـ (كليفلاند كلينك) ممارسة التأمل تعود لآلاف السنين، وتتنوع أشكالها من مختلف أنحاء العالم. إلا أن الباحثين لم يبدأوا بدراسة هذه الممارسة بتفصيل إلا خلال العقود القليلة الماضية. 

فوائد التأمل

يمكن للتأمل أن يمنح شعورًا بالهدوء والسلام والتوازن، الذي يمكن أن يعود بالنفع على الصحة النفسية والعامة. وبحسب (مايو كلينك) يمكنك أيضًا الاستعانة به للشعور بالاسترخاء والتعامل مع التوتر من خلال التركيز على شيء يهدئك. فالتأمل قد يفيدك في تعلّم كيفية الحفاظ على التركيز والسلام الداخلي.

ولا تنتهي هذه الفوائد بانتهاء جلسات التأمل. فالتأمل يمكن أن يساعدك على التحلي بمزيد من الهدوء طوال اليوم. كما قد يفيد في السيطرة على أعراض بعض الحالات الطبية. 

التأمل: عادة نابعة من القلب؟

التأمل قد يفيد الأشخاص المعرضين لأمراض القلب والأوعية الدموية، لذا يجدر بك تجربة هذه التقنية المهدئة للعقل (انظر "كيف يمكن للتأمل أن يفيد قلبك").

يقول الدكتور دارشان ميهتا، المدير الطبي لمعهد بنسون-هنري للطب النفسي الجسدي في مستشفى ماساتشوستس العام التابع لجامعة هارفارد: "عندما تبدأ أي نشاط جديد، يمكن أن يكون التدريب أو التوجيه مفيدًا للغاية، وينطبق هذا أيضًا على تعلم التأمل". توجد في العديد من المجتمعات مراكز للتأمل حيث يمكنك حضور دروس مباشرة. لكن الدورات التدريبية عبر الإنترنت، الأكثر ملاءمة وسهولة في الوصول إليها، قد تكون بنفس الفعالية، كما يقول. خيار آخر هو تجربة تطبيق للهواتف الذكية يقدم جلسات تأمل موجهة؛ ومن التطبيقات الشائعة Headspace وCalm وInsight Timer و Happier10%.

تناولت مقالة نُشرت في 15 فبراير 2024 في قاعدة بيانات كوكرين للمراجعات المنهجية الفوائد القلبية الوعائية المحتملة لنوعين من التأمل: ممارسات اليقظة الذهنية والتأمل التجاوزي. وقد حلل الباحثون 81 تجربة معشاة مضبوطة شملت ما يقرب من 7000 شخص.

بشكل عام، كانت النتائج متباينة، وهو ما قد يعكس بعض التحديات الكامنة في دراسة التأمل. فمن جهة، يُعدّ إنشاء مجموعة ضابطة أو مجموعة علاج وهمي مناسبة للتأمل أمرًا معقدًا. غالبًا ما تكون هذه المجموعة الضابطة إما أشخاصًا على قائمة انتظار لتلقي تدريب على التأمل (مجموعة ضابطة غير نشطة) أو أشخاصًا يمارسون حل الكلمات المتقاطعة أو يحضرون جلسات تعليمية (مجموعة ضابطة نشطة). ومن جهة أخرى، فإن الأشخاص الأكثر ترجيحًا للتطوع في دراسة التأمل غالبًا ما يكونون مقتنعين بالفعل بفوائد التأمل، وقد يختلفون عن أولئك غير المهتمين بهذه الممارسة.

مع ذلك، وجدت المراجعة أن التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية تُقلل على الأرجح من التوتر، وقد تُخفّض أيضًا من القلق والاكتئاب وضغط الدم. بحسب (Harvard Health) قد يُساهم التأمل التجاوزي في خفض ضغط الدم. ووفقًا للباحثين، قد يكون بعض تأثير التأمل غير مباشر: فعندما يشعر الناس بمزيد من الهدوء، قد يُساعدهم ذلك على تجنّب أساليب غير صحية للتعامل مع التوتر، مثل اتباع نظام غذائي غير صحي. 

أنواع التأمل

يشمل التأمل العديد من الممارسات، التي يستمد الكثير منها جذوره من الممارسات الروحية. يلجأ الناس إلى التأمل لأسباب مختلفة، منها تخفيف التوتر، وتحسين التركيز، وتعزيز الوعي الذاتي، والنمو الروحي. إن فهم أنواع التأمل المختلفة يساعدك في إيجاد الممارسة الأنسب لاحتياجاتك. ومن أبرزها حسب (Verywellhealth):

التأمل الذهني

يتضمن التأمل الواعي التركيز على اللحظة الحالية ومراقبة أفكارك ومشاعرك وأحاسيسك وقبولها دون إصدار أحكام.

يشمل هذا النوع من التأمل التأمل أثناء الجلوس، وكذلك أثناء القيام بالأنشطة اليومية، مثل المشي أو تناول الطعام. قد يستغرق التأقلم مع تأمل اليقظة الذهنية بعض الوقت، ولكن حتى بضع دقائق يوميًا من تأمل اليقظة الذهنية يمكن أن تقلل التوتر وتحسن الصحة النفسية.

استرخاء العضلات التدريجي

يعد الاسترخاء العضلي التدريجي (PMR) تقنية من خطوتين تُساعد على تخفيف التوتر وبناء الوعي بأحاسيس الجسم. تتضمن هذه التقنية شدّ وإرخاء مجموعات عضلية مُحددة في جميع أنحاء الجسم بشكل تدريجي، مع ملاحظة كيفية الشعور بالشدّ والإرخاء في كل مجموعة عضلية. يُمكن أن يُحسّن الاسترخاء العضلي التدريجي الوعي بالجسم، مما يُساعد على تدريب الجسم والعقل على التخلص من التوتر الجسدي من أجل الاسترخاء العميق.

تأمل الوعي بالتنفس

يركز تأمل الوعي بالتنفس، أو التنفس الواعي، انتباهك على تنفسك. إن مراقبة إيقاع تنفسك الطبيعي والتركيز على كل شهيق وزفير يسمح لعقلك وجسمك بالاسترخاء، مما يعزز السلام الداخلي. تشير الأبحاث إلى أن تأمل الوعي بالتنفس يمكن أن يساعد في تحسين التركيز والانتباه والذاكرة.

كما يمكن أن يقلل من السلوكيات العاطفية الاندفاعية، مما قد يفيد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات مرتبطة بالاندفاع، مثل اضطراب تعاطي المخدرات أو اضطراب نهم الطعام.

التأمل القائم على الترانيم

يتضمن التأمل القائم على الترانيم ترديد ترنيمة معينة - كلمة أو عبارة أو صوت محدد - سرًا أو جهرًا. ومع ترديدك للترنيمة، يتحول انتباهك من الأفكار المشتتة إلى اللحظة الحاضرة. يمكن أن يساعد التأمل القائم على الترانيم في تعزيز الاسترخاء، وتحسين التركيز، وتعميق الوعي الذاتي والنمو الروحي.

التأمل الموجه

يتضمن التأمل الموجه اتباع تعليمات مباشرة أو مسجلة من مرشد تقودك خلال تمارين تأمل محددة.

قد يشجعك الدليل على تخيّل صور أو مناظر طبيعية محددة، أو يرشدك خلال ترديد ترانيم معينة أو تمارين تنفس أثناء التأمل. يتيح لك التأمل الموجه التركيز على الاسترخاء، وقد يكون مفيدًا للمبتدئين أو لمن يفضلون التأمل المنظم.

التأمل التجاوزي

يتضمن التأمل التجاوزي (TM) ترديد تعويذة (مانترا) بصمت، يحددها لك مدرب معتمد، لمدة تتراوح بين 15 و20 دقيقة في كل مرة، مرتين يوميًا. يهدف التأمل التجاوزي إلى تجاوز التفكير العادي والوصول إلى حالة من الاسترخاء التام، مما يساعد على تقليل القلق وخفض ضغط الدم.

التأمل المركز

يتضمن التأمل المركّز توجيه انتباهك إلى شيء محدد، أو صورة ذهنية، أو صوت، أو إحساس جسدي، للحفاظ على تركيزك في اللحظة الحالية. يدرب هذا التمرين عقلك على تحسين التركيز والانتباه، مع تطوير القدرة على إعادة توجيه انتباهك عندما يتشتت.

التأمل الحركي

يدمج التأمل الحركي الحركة الجسدية في ممارسة التأمل. ومن الأمثلة على ذلك التاي تشي، والتشي كونغ، والتأمل أثناء المشي. تُنمّي هذه الممارسات اليقظة الذهنية من خلال التركيز على الأحاسيس الجسدية المرتبطة بالحركة. يوفر التأمل الحركي نشاطًا بدنيًا إلى جانب التركيز الذهني، مما قد يكون مثاليًا لمن يجدون صعوبة في الجلوس لفترات طويلة.

التأمل بالتصور

يتضمن التأمل التخيلي تخيل مشهد هادئ أو هدف شخصي محدد أو إنجاز معين. تستخدم هذه التقنية قوة العقل لتعزيز الاسترخاء، وتحسين الصحة النفسية، والمساعدة في تحقيق الأهداف الشخصية أو الوصول إلى حالات ذهنية مرغوبة.

التأمل الروحي

يستند التأمل الروحي إلى تقاليد دينية أو روحية متنوعة وقد تشمل ممارساته الصلاة والترتيل، والتركيز على إله، أو التأمل في النصوص الروحية. ويهدف التأمل الروحي إلى تعميق صلتك بقوة عليا أو تنمية السلام الداخلي والنمو الروحي. 

5 أسباب تجعل التأمل لا يناسب الجميع

إذا كنت تعاني من الحالات المزمنة التالية، وفقًا لـ (Psychology today) فقد لا يكون التأمل هو الخيار الأفضل لك.

1_القلق الشديد: قد يحوّل القلق عالمك الداخلي إلى فوضى مليئة بالأفكار المتطفلة، والتفكير الوسواسي، والاجترار، أو جنون الارتياب. وقد يؤدي توجيه انتباهك إلى الداخل إلى زيادة الشعور بالخوف والانزعاج.

2_ الاكتئاب المستمر: يميل الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب إلى عزل أنفسهم، والانعزال عن العالم، وقضاء وقت طويل بمفردهم. وقد يؤدي التأمل إلى زيادة الانعزال.

3_الصدمة النفسية: يمكن أن تسبب الصدمة النفسية الانفصال عن الواقع ونوبات الهلع. عندما تُثار الصدمة، يميل العقل إلى التشتت، وقد يبدو تهدئة الأفكار تحديًا لا يُقهر.

4_نوبات الذهان: يُعرَّف الذهان عمومًا بأنه خلل في اختبار الواقع، مما يؤدي إلى شعور غير مستقر وهش بالذات. وقد يُفاقم التأمل هذا الخلل ويُزيد من حدة التشوهات.

5_الإدمان النشط: إذا كان الشخص يعاني من إدمان نشط، فمن الصعب أن يكون لأي شكل من أشكال التأمل أو العلاج فعالية. قد يزيد التأمل من الرغبة الشديدة في تعاطي المخدرات أو الكحول والأفكار المتعلقة بذلك.

كما ترون، توجهكم أساليب التأمل التقليدية إلى توجيه أفكاركم نحو الداخل. فإذا كان عالمكم الداخلي مضطرباً، فقد يؤدي ذلك إلى صراع ذهني يزيد من حدة أعراضكم. 

إن صحتك النفسية هي المحرك الأساسي لحياتك، والوعي باحتياجات عقلك هو أولى خطوات الشفاء. التأمل أداة قوية، لكنها تتطلب وعياً وحكمة في الاستخدام.

رسالتنا لك: ابدأ اليوم بتخصيص دقائق قليلة لتنفسك، استمع لصمتك، واكتشف السكينة الكامنة في داخلك. وإذا كنت تمر بظروف نفسية صعبة، لا تتردد في استشارة المختصين قبل البدء بممارسات ذهنية عميقة. لنكن مجتمعاً واعياً يقدّر الهدوء ويحترم احتياجات النفس؛ فالسلام الداخلي ليس ترفاً، إنما هو حق لك ومسؤولية تجاه نفسك.

اضف تعليق