حرائق غابات، انزلاقات في التربة، سيول جارفة، عواصف وأعاصير وأيامٌ صيفية حارة جداً... يقول العلماء إن ما يحصل من ازدياد في وتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم، سببه التغيّر المناخي، وأن حرارة كوكب الأرض ترتفع بشكلٍ مقلق. وبالتوازي مع حالة الخوف التي يسببها ما سبق، استطاعت «رأسمالية الكوارث» تقديم حلول ومنتجات استهلاكية حمائية من الكارثة نفسها أو للكوكب بشكل عام. وهو شكلٌ يقع في خانة «العلاج بالصدمة» كما وصفته نعومي كلاين في كتابها «عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث»، إذ يستخدم خوف الناس بعد الكارثة للدفع بإجراءات مؤيّدة للشركات. لذا، ما هي أبرز التكنولوجيا «الخضراء» التي تم تقديمها إلى المستهلك على أنها الحلّ؟ وكيف كانت النتيجة؟

مسبّبات التغيّر المناخي

توصّلت دول العالم في اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، في محاولة لوضع حدّ لارتفاع الحرارة، إلى أن هدف الحكومات سيكون منع حرارة الكوكب من الوصول إلى زيادة 2 درجة مئوية. لكنّ المؤشّرات الحالية لا تدلّ على تحسّن. ففي مطلع آب الماضي، أطلق العلماء في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تنبيهاً جديداً مفاده أن ارتفاع حرارة العالم بنحو 1.5 درجة مئوية قد يحصل في عام 2030، أي قبل عشر سنوات مما كان متوقعاً، وهو أمر يهدّد العالم بكوارث جديدة «غير مسبوقة». فسيزداد الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري حالياً بمعدل 0.2 درجة مئوية لكل عقد.

تتمثّل المشكّلة في الاحتباس الحراري. ورغم أن العديد من غازات الدفيئة تحدث بشكل طبيعي، إلا أن النشاط البشري يعمل على زيادة تركيزات بعضها في الغلاف الجوي، وخصوصاً:

- ثاني أوكسيد الكربون (CO2) الناتج عن الأنشطة البشرية (مثل الوقود الأحفوري) هو أكبر مساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري. فبحلول عام 2020، ارتفع تركيزه في الغلاف الجوي إلى 48% فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية.

- غاز الميثان الناتج عن زيادة تربية الماشية. تنتج الأبقار والأغنام كميات كبيرة من الميثان عندما تهضم طعامها.

- أوكسيد النيتروس (nitrous oxide) تنتجه الأسمدة المحتوية على النيتروجين.

- غازات مفلورة (fluorinated gases) يتم استخدامها في العديد من التطبيقات بما في ذلك التبريد، وأنظمة تكييف الهواء، ومعدات المضخات الحرارية، وكعوامل نفخ للرغاوي، ومِطفأة الحريق. وهذه الانبعاثات لها تأثير احترار قوي للغاية، يصل إلى 23000 مرة من ثاني أوكسيد الكربون.

صديق للبيئة أم سلعة تجارية؟

بعد تحديد العلماء لأسباب الاحتباس الحراري، بدأت شركات ناشئة حول العالم، تقدّم منتجات وبدائل تُعد في خانة «الصديقة» للبيئة. هنا برزت شركات جديدة تقدّم حلاً لكل مشكلة على حدة، وبعض أبرز تلك الحلول:

- بالنسبة إلى غاز الميثان، برز حلّان أساسيان: أولهما الاستغناء عن تربية المواشي عبر تصنيع اللحوم مخبرياً، وتُعد شركة «Aleph» داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي إحدى أبرز الشركات التي تتصدّر هذه التكنولوجيا. كما هناك شركات تحاول تقديم الحشرات (صراصير بشكل بودرة) كبديل غذائي غير مضرّ بالبيئة، ويحتوي على كمية عالية من البروتينات. وأبرز تلك الشركات هي «Entomo»، ويقع مقرها في تكساس-الولايات المتحدة. والحل الثاني عبر استبدال نوع العلف الذي يُقدم للماشية بالأعشاب البحرية (ما يجعل المواشي تنتج كمية أقل من غاز الميثان خلال الهضم).

30.2 مليار دولار

هي القيمة التقديرية لمزارع الأعشاب البحرية بحلول 2025 علماً بأن هذه السوق مقدّرة بنحو 16.7 مليار دولار في عام 2020.

وفيما يبدو هذا التحوّل جيداً (ربما ما عدا أكل الحشرات)، إلا أنه رفاهية لا يملكها إلا الأثرياء، إذ إن المنتجات المذكورة باهظة الثمن مقارنةً ببديلها الحالي. وهنا تصبح مسألة معالجة المناخ هدفاً فردياً وليس مشكلة مشتركة تحتاج إلى حل.

- بالنسبة إلى غاز ثاني أوكسيد الكربون، تم أيضاً تحويل هذه المشكلة إلى منتج، رميت لاحقاً على كاهل المستهلك ودفعته إلى الشعور بأن من واجبه أن يعالج تغيّر المناخ، مثل سوق السيارات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية والمراوح القادرة على إنتاج كهرباء عبر الطاقة المتجددة.

هنا، يلاحظ أن شركات التكنولوجيا استفادت من شعارات «طاقة نظيفة» و«صديق للبيئة» بشكل كبير. وتم تسليع ذلك كله وتعليبه بشكل يعطي إحساساً بالفخر للمستخدم. وعلى سبيل المثال، استطاعت شركة «تسلا» للسيارات الكهربائية، المملوكة من إيلون ماسك، تقديم ترقية اجتماعية وأخلاقية لزبائنها. يشبه الأمر ما يحدث مع جزء كبير من مستخدمي هواتف «آيفون» من شركة «آبل» حول العالم، إذ يشعر المستخدم أنه بات جزءاً من نادٍ صغير، وأنه بشرائه سيارة من «تسلا» يقوم بحماية الكوكب. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ألواح الطاقة الشمسية والمراوح، التي يروّج لها باعتبارها تحرّراً، وحياة خارج المنظومة. حتى إن هذا الأمر بات حلماً للعديد من صانعي المحتوى على «يوتيوب». آلاف القنوات تعرض فيديوات لبشر قاموا بالانتقال إلى الريف، بهدف بناء منازل صغيرة تستمد الكهرباء من ألواح الطاقة الشمسية أو من مراوح صغيرة.

وبحسب تقرير أعده «REN21» (مركز تفكير ومجموعة حوكمة متعدّدة تركّز على سياسة الطاقة المتجددة. مقرّه باريس، فرنسا)، فإن حصّة الوقود الأحفوري من نسبة الطاقة العالمية كانت 80.2% في عام 2019، مقارنة بـ 80.3% في عام 2009، بينما شكّلت مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية 11.2% من نسبة الطاقة في عام 2019 و8.7% في عام 2009. أي أن نسبة الاعتماد على المحروقات في الوقت الحاضر، تماثل تقريباً النسبة التي كانت عليها منذ 10 سنوات. خلص التقرير إلى أن الاستثمارات في الطاقة المتجددة لا تمثّل سوى سدس استثمارات الوقود الأحفوري.

نفايات المستقبل

للسيارات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية ومراوح الكهرباء جانب مظلم، نادراً ما يشار إليه، وهو بطاريات الليثيوم وشفرات توربينات الرياح. الأولى تتكون من عدّة مئات من خلايا الليثيوم أيون الفردية، وكلها تحتاج إلى تفكيك. وتحتوي على مواد خطرة، ولها ميل للانفجار إذا تم تفكيكها بشكل غير صحيح. وتتم إعادة تدويرها بنسبة 5% فقط، أي أن تلك البطاريات ستصبح نفايات المستقبل. أما بالنسبة إلى الطاقة الكهربائية عبر الرياح، فقد نشر موقع «بلومبرغ» خلال الشهر الجاري، تقريراً صادماً عن أن شفرات المراوح (القديمة تحديداً) لا يمكن إعادة تدويرها. وهي تدفن في مقابر إلى الأبد. ويتحدث التقرير عن عشرات الآلاف من الشفرات المتقادمة حول العالم ومعظمها ليس لديه مكان يذهب إليه سوى المطامر. ووفقاً لـ«بلومبرغ» سوف يزداد الأمر سوءاً، إذ تم بناء معظم تلك المراوح المنتشرة حول العالم منذ أكثر من عقد من الزمن، عندما كانت التقنية أقدم مما هي عليه اليوم.

هناك تكنولوجيا جديدة قادمة تُسمى «Direct Air Capture» وهي تستخدم معدات شفط ضخمة تزيل ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتحتجزه تحت الأرض، وفي تقرير مصوّر بعنوان «نهاية النفط»، أعده موقع «vox» الإخباري بالتعاون مع منصة «نتفلكس»، استحضرت العالمة الأميركية يونيس فوت، التي قامت عام 1856 بجلب عبوتين تحتويان على مؤشر حرارة للجو (العبوة الأولى في داخلها هواء، والثانية تحتوي على غاز ثاني أوكسيد الكربون، ووضعتهما في الشمس، فيتبين بعد فترة من الوقت، أن عبوة الهواء ماثلت الحرارة داخلها حرارة الجو، فيما ارتفعت في داخل الثانية بشكل كبير). ومن هنا استنتجت فوت أن تشبيع الغلاف الجوي بثاني أوكسيد الكربون، سيرفع حرارة الأرض. ويذكر التقرير أن بعد 3 ثلاث سنوات من تلك التجربة، بدأ استخراج النفط من حول العالم.

الاستثمار في المناخ

هكذا يمكن أن نسأل: إذا كان ارتفاع الحرارة سببه الأكبر الزيادة في غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، ألا يمكن سحب هذا الغاز والتخلص من المشكلة؟

بالفعل، هناك تكنولوجيا جديدة قادمة، تُسمى «Direct Air Capture»، تستخدم معدات شفط ضخمة، تزيل ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتحتجزه تحت الأرض، وفي بعض الحالات، تعيده إلى صناعات معينة، مثل الأسمدة للمزارعين أو لشركات المشروبات الغازية. وإحدى أبرز الشركات التي تستخدم تلك التقنية هي شركة «كلايم وركس». الأخيرة تقول إنها تعمل باستمرار على توسيع نطاق التقنية، وبناء آلات أرخص وأكثر كفاءة عاماً بعد عام. وفي الوقت الحالي يمكن لأكبر مصنع لديها إزالة 900 طن من ثاني أوكسيد الكربون سنوياً، وتنشئ الآن مصنعاً بسعة عدة آلاف من الأطنان سنوياً. بعد ذلك، تخطّط الشركة للوصول إلى هدف بدء العمل على إزالة كميات ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي في غضون السنوات العشر القادمة. وفي حين يبدو هذا الحل الأكثر منطقياً، إلا أنه بحاجة إلى تمويل كبير واستثمارات على صعيد الكوكب من قبل الحكومات، وهو أمرٌ لا يناسب «رأسمالية الكوارث».

اضف تعليق