إن شغف الإنسان بمعرفة ما يخبئه له المستقبل شغل الكثير من تفكيره منذ ان بدأ حياته على هذه الأرض، يغذي ذلك الشغف مخاوفه وقلقه على ما ستؤول إليه أحوال صحته وماله وعلاقاته العاطفية ونفوذه إن كان من أصحاب القرار، ولهذا السبب اتخذ عبر التاريخ وسائل لقراءة المستقبل أو الطالع Clairvoyance من خلال قراءة خطوط اليد والفنجان والكرة البلورية وخرائط النجوم والمرايا وغيرها ومنها موضوع مقالنا هذا وهو قراءة أوراق التاروت.

أوراق التاروت Tarot Cards هي مجموعة من الصور الرمزية التي لها دلالات يستخدمها العراف ليقرأ منها قصة حياة الشخص المستهدف فيقرأ له طالعه أو مستقبله (حسب ما يزعم) إعتماداً على ما تأتي به تلك الأوراق وطريقة ترتيبها، ويرى البعض أن دراسة التاروت يزيد من غموضه لإختلاف الآراء في تحديد معاني رموزه ولإختلاف طرق العمل به.

أصل التسمية والنشأة

اختلفت أصول التسمية فمنهم من يعتبر أن كلمة تاروت مركبة من كلمتين هما (تا ) و (رو ) وهي كلمة هيروغليفية تعني الطريق الملكي في مصر القديمة، أما البعض ذكر أن كلمة Tarot هي مقلوب كلمة (توراة) Torat في إشارة إلى كتاب التوراة السماوي وقيل أيضاً أن أصل الكلمة هندي وهي كلمة ( تارو) Taru التي تعني البطاقات أو الأوراق، وآخرون يقول أنها ( تارا ) Tara اسم أم الآلهة الهندوسية وقيل أيضاً أنها مأخوذه من كلمة ( روتارو) وهى كلمه لاتينية تعني الدائرة بينما آخرون يقولون أنها ترجع لكلمة ( تارو ) وهو نهر يسير في شمال إيطاليا وأنها كانت من أوائل المناطق التي انطلقت منها أوراق التاروت.

حاول الكثيرون معرفة متى وكيف نشأت تلك الاوراق لكن الجميع فشل فى ذلك حيث يزعم مؤلفه أنطوان كورت في كتابه " العلم البدائي " أن أول ظهور لهذه الاوراق كان في أوروبا فى منتصف القرن الـ 14 ، في حين أن البعض يرى أنها ظهرت فى الشرق قبل ذلك بعهد سحيق وبالتحديد فى مصر الفرعونية حيث يقال ان كهنة مصر الفرعونية دونوا فيها كل أسرار حضارتهم التي احسوا باقتراب إندثارها وكان ذلك حوالي العام 1000 قبل الميلاد، ويقول الدكتور جيراز انكورس أن حكمة مصر القديمة والعالم القديم مدونة على هذه الأوراق برموز تنير المستقبل للحضارات التي ستأتي من بعدها، وانتقلت تلك الاوراق الى قلعة في عكا من منطقة أهرامات مصر وبعدها وصلت إلى اوروبا وإلى انكلترا بالتحديد عن طريق جماعات الغجر ، وصنع أول تاروت في اوروبا فى عهد الملك هنري الرابع.

ومنهم من يعتقد أنها أتت من الصين في القرن 10 وذلك بعد فترة قصيرة من إختراع الورق أو العملة الورقية والكل يعلم الصلة القوية بين البطاقات (الاوراق) والمال التي تأخذ شكل لعبة القمار حتى يومنا هذا، ويعتقد آخرون أنها لم تأتي من مصر الفرعونية بل أنها أوراق هندية قديمة كانت تصور في الأصل أشكال متعددة لبعث الإله فيشنو عند الهندوس حيث استخدمت تلك الصور لتعليم الناس عن " الحقيقة المعمقة" ومن المحتمل أن الغجر نقلوا تلك الأوراق الهندية في قوافلهم من الهند وليس من مصر ، ويبدو أن الغجر دمجوا تلك الصور في أوراق لعب وطوعوها لإستخداماتهم في قراءة الطالع ، فجعلوا منها أدوات لقراءة الطالع أو التنبؤ بمستقبل الشخص . ومعظمنا يعلم الصورة النمطية عن الغجرية في الأفلام ، تلك التي ترقص حول النار وتبصر من خلال الودع والأحجار الكريمة وأوراق التاروت.

مفهوم التاروت

"حياة تهوي وأخرى تبرز، كلاهما مختلفتان بالنسبة للفانين لكنهما هما نفس الشيء بالنسبة للخالدين، لذلك نرى تكراراً في الشخصيات مرة بعد أخرى فتتبدل الأسماء والألقاب مع مرور الزمن لكن الشخصيات ذاتها تبقى دون تغيير للأبد "، تلك العبارة تمثل فكرة التاروت الأساسية، التاورت كتاب يتألف من صفحات أو أوراق لكنه يختلف عن الكتب الأخرى حيث تأخذ صفحاته أي شكل من الترتيب، وقد استمدت بعض الطوائف الباطنية والصوفية والغنوضية بما فيها الكابالا أفكارها من ذلك الكتاب، لأنه كتاب ينطق بلغة الرموز و الإستعارات، ويعتبر التاروت بالنسبة للغجر قدس أقداسهم أما بالنسبة لعلماء المصريات هو كتاب مشتق من كتاب ( فا ) أو كتاب الأحياء، ومهما اختلفت المعتقدات بشأن التاروت فإنه يعتبر كتاب في التأملات، حيث تُقرأ الصفحات في الكتاب وفق طريقة الترتيب التي جرى اختيارها، وكل قراءة مختلفة تأتي نتيجة إستعارات روحانية مختلفة.

ومن ناحية أخرى يعتبر العرافون قراءة التاروت مرآة بمعنى أنها إنعكاس خارجي للحالات الداخلية النفسية والعاطفية والحلمية في الشخص ، وخلال جلسة القراءة تعكس أوراق التاروت حالة العقل (إن صدقت نظرية تقول بأن الحياة تجارب مكتوبة أو مرسومة) وأن كل ما نجده في الأوراق المختارة يعكس ما داخل الشخص وتتصل بحالته العاطفية عند تلك اللحظة بالذات، وقد عكف عدد من الباحثين والعلماء على دراسة تلك الاوراق لكنهم لم يصلوا الا لعدد قليل من النتائج، ومنهم الدكتور يونغ تلميذ سيجموند فرويد رائد علم النفس الشهير فأعلن رأيه أن التاروت هو أسلوب لتنمية الحدس واتباع منهج علمي يلائم وجود الانسان فى هذا الكون، ويقول العالم ليفي: " إن التاروت يتيح لمن لم يرى العالم قط أن يمتلك المعرفة الكاملة بالكون ويتحدث في كل المواضيع ببراعه "، وقام ستيوارت كابلان بتأليف كتاب بعنوان "اسمع اوراق التاروت" يتحدث فيه عن لغز هذه الاوراق و مكوناتها.

التاروت عبارة عن مجموعة مؤلفة من 78 ورقة يمثل كل منها جانباً من تجارب الانسان في العالم المحيط به واتصاله وتفاعله مع بيئته، كل ورقة تحمل صورة رمزية ورقم، للرقم معان فى علم الارقام أما الصور فلها معان وتفسيرات خاصة مستمدة من علم التنجيم (أو الفلك كما يفضل أن يسميه العرافون)، وتنقسم أوراق التاروت إلى مجموعتين، الأولى تضم 56 ورقة وتسمى السر الاصغر Minor Arcana والثانية تضم 22 ورقة وتسمى السر الأعظم Major Arcana ولهذه الاوراق ترتيب معين يمكن للملمين بالتاروت ان يجدوا فيها قصة كاملة.

لماذا قد يرغب البعض في قراءة أوراق التاروت؟

على الرغم من أنه في معظم الحالات كانت السلطات تحاول بفاعلية قمع قراءة أوراق التاروت، منعًا لعمليات الاحتيال، وكانت ترى فيمن يرغبون في قراءة أوراق التاروت ضحايا ساذجين؛ فإن الكثير من هؤلاء أظهروا فهماً أكثر عمقاً مما يُعتقد عنهم، فعلى سبيل المثال، قالت شابة في مدينة روان بفرنسا عام 1888 للمحكمة: "أنا لا أؤمن بكل هذا الهراء ذهبت إلى عراف لمجرد إرضاء صديقي"، فبينما سعى بعض الراغبين في قراءة أوراق التاروت من أجل التنبؤ بالمستقبل، كان الأمر بالنسبة للبعض الآخر هو وسيلة لمُعالجة المشكلات في حاضرهم، العديد من المشكلات التي استخدم أصحابها قراءات التاروت لمُعالجتها ما زالت مألوفة حتى اليوم فقد سعى البعض إلى معرفة أماكن أشياء مسروقة ومفقودة، ومعرفة أسباب الأمراض الغامضة، والأخبار المتعلقة بفرص العمل المُحتملة، والتأكيدات حول العلاقات الرومانسية.

كذب المنجمون ولو عرفوا الغيب بأوراق التارو

يعتبر علم قراءة الغيب عن طريق أوراق التارو أحد أقدم العلوم الروحية والنفسية حيث يعتقد العرافون والمنجمون بقدرة هذه الأوراق على معرفة الغيب ومساعدة الإنسان على تخطي الصعوبات، يعتبر علم قراءة الغيب عن طريق أوراق التارو أحد أقدم العلوم الروحية والنفسية حيث يعتقد العرافون والمنجمون بقدرة هذه الأوراق على معرفة الغيب ومساعدة الإنسان على تخطي الصعوبات.

حكاية ليلى مع التارو ليست حكاية صدفة فحسب او دراسة فحسب انما هي حكاية مزيج الصدفة والدراسة والوراثة، فليلى المقداد المولودة من أب لبناني وام روسية تعرفت على ورق التارو من خلال كتب معروضة في المكتبات وهي في سن المراهقة فقررت الالتحاق بمعاهد خاصة لتعميق معرفتها ببطاقات القراءة الروحانية التارو عند ليلى حرفة ونمط عيش، الاوراق تتقلب بين اناملها بانسياب، تمنحها اسلوبا خاصا في التحدث والملبس، نقلت ليلى موهبتها في قراءة اوراق التارو من موسكو الى بيروت، واللبنانيون تعرفوا على هذا النوع الجديد من التنجيم الذي يحمل جذورا وراثية بالنسبة لليلى، النجاح، الفشل، الحب، المال الزواج، الموت، والمصير .. امور الحياة كلها تظهر على ورق التارو الذي بات يحظى باهتمام العديد من الاشخاص هنا في لبنان، متفوقا على بقية انواع التنجيم.

النصب على الطبقات الراقية

إن الإنسان بطبعه "خُلق هلوعاً"، إذ أنه مصاب بمتلازمة شغف معرفة المستقبل وما ينتظره من قدر، إعتقادًا منه بأن اطلاعه على مستقبله سوف يشعره بالاطمئنان، فاختلفت الوسائل التي لجأ لها لمعرفة الطالع، فمنهم من اتجه لتفسير حركات النجوم، تخصيص علم لذلك "علم الفلك"، ومنهم من يلجأ إلى الشعوذة وقراءة الكرة البللورية أو ضرب الودع، ومنهم من يلجأ إلى أوراق تحمل رموزًا مبعثرة قد لا يوجد لها مدلول أو قاعدة ثابتة تُدعى "التاروت".

استخدم العرافون التاروت في التنجيم عن المستقبل، حيث يعتبر العراف أن قراءة التاروت العين التي يمكنه من خلالها معرفة الحالة النفسية، العاطفية، والروحية للشخص الذي أمامه، كما يعتمد العراف على قراءة حالة العقل أيضًا، وذلك استنادًا على نظرية أن الحياة تجارب مكتوبة ومرسومة، يوجد طريقة معروفة لدى قارئي التاروت، حيث يُطلب من الشخص أن يختار بطاقة بطريقة عشوائية حتي يتم تزويد الأوراق بقوة الشخص النفسية، إذ أن قارئ التاروت يسعى لاكتشاف شئ ما في شخصية من أمامه كي يستطيع أن يتصل به روحانيًا.

وهناك طريقة أخرى بأن يقوم قارئ التاروت بترصيص البطاقات على أشكال معينة كالصليب أو الدائرة، أو وضع عدة صفوف من البطاقات على هيئة أشكال مختلفة حتى يتحقق إدراك أفضل للقارئ لمعرفة مستقبل الشخص الذي أمامه، ومع اختلاف المفاهيم لرموز ودلالات التاروت، ومع اختلاف وسائل قراءته، إلا أن المنجم قد يكون شخصًا ذا بصيرة أو حدس وفراسة تؤهله لقراءة الشخص الذي أمامه، التاروت هو وسيلة راقية لضرب الودع، تصلح للمثقفين واصحاب المستوي الراقي من المجتمع، فلا وسيلة لمعرفة الغيب، بل يقوم بتهيئة الشخص الطالب لقراءته وباستخدام أساليبه الإقناعية بأن تلك الأوراق ستساعده على فهم نفسه أو معرفة مستقبله، وإن دلت تلك العملية على شئ فهي تدل على أن ذلك الاستقراء ما هو إلا رأي شخصي للمنجم، وأن تلك الأوراق ما هي إلا وسيلة هزلية تستخف بعقول من يُقبل عليها.

تاريخ التاروت عامر بالمحتالين الذين استخدموا الكهانة لخداع العملاء ومع ذلك، فإن الراغبين في قراءة البطاقات ليسوا ساذجين كما قد تفترض السُلطات، فبالنسبة للغالبية العظمى، لم تكن البطاقات محاولة مُضللة للتنبؤ بالمستقبل بمقدار كونها وسيلة إبداعية لإعادة التفسير والتصالح مع حاضر غير مؤكد.

........................................................................................................................
المصادر
- ساسة بوست
- RT
- جريدة الطريق
- alba7th.yoo7

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2