إسلاميات - القرآن الكريم

موت الحضارة الغربية

ان الانسان لفي خسر (6)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)(1).

وفي هذه الآية الكريمة بصائر هامة:

من قواعد علم المستقبل: مستقبل الأمم

البصيرة الأولى: انّ هذه الآية الكريمة تمنحنا قاعدة من أهم قواعد علم المستقبل، وعلم المستقبل علم صعب معقد، بل قد لا يعتبره البعض علماً أساساً بل يراه مجرد حدسيات؛ وذلك لأنه رجم بالغيب واقتحام للمجهول والباب فيه مفتوح على مصراعيه لشتى الاحتمالات والسيناريوهات، عكس علم التاريخ الذي يستند إلى حوادث قد تحققت أو على الأحداث المعاصرة أي العلم بمجريات العصر الراهن الذي لا يحتاج إلا إلى الإحاطة الحسية، أما علم المستقبل فيبدو كأنه نوع من الكهانة المعتمدة على الحدس الذي لا ينضبط.

ولكنّ الصحيح هو ان هنالك قواعد تحكم المستقبل وانّ من أحاط بها قرأ المستقبل كما يقرأ أحدكم كفّه، ومن عرف بعضها تقدم إلى الأمام بنفس النسبة.

وإحدى تلك القواعد التي تكشف لنا المستقبل ما تضمنته هذه الآية الشريفة إذ صرحت بسنة الله الخالدة في عِلّية الظلم للدمار والهلاك والزوال والفناء، أي وبالتعبير القرآني (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) فالظلم مرتعه وخيم ولا مفرّ من هلاك تلك الأمم التي تتخذ الظلم طريقة ومنهجاً في إدارة شؤون العباد والبلاد، ولقد أكّد الله تعالى عمومية هذه السنَّة إذ قال بعد ذلك (كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمينَ).

والمهم ان هذه العلاقة الجدلية العلّية – المعلولية بين الظلم والهلاك هي علاقة عامة لا يُستثنى منها شيء، فمَن ظَلَم بدنه كما لو حمل حجراً يزن 500 كيلو على سبيل المثال فان عموده الفقري سينكسر ومن لم ينم لعدة أيام يصاب بالهلوسة وهكذا، وكذلك (الأسرة) فإنها ستنهار وتتفكك أو تفقد سعادتها بالمرة فيما إذا ظلم الزوج زوجته أو أولاده أو ظلم أي منهم الآخر.

لطائف في مفردة القرون

البصيرة الثانية: ان اختيار مفردة (الْقُرُونَ) في الآية الشريفة ذات دلالات بالغة، ذلك انه كان من الممكن القول: (ولقد أهلكنا الشعوب أو القبائل والعشائر أو الأمم أو الحضارات من قبلكم)، لكنه تعالى عبّر بـ(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فلماذا؟

يمكن لنا ان نستعرض في هذه العجالة وجهين:

القرون تشمل الشعوب والأمم والأحزاب والعشائر

الأول: ان القرن مفهوم واسع يغطي كافة تلك المفاهيم السابقة ذلك ان (القرن) يراد به الجماعة المقترنة في زمن واحد (وسيأتي تدقيق حول هذا التعريف) فانه مأخوذ من الاقتران، ولذلك فانه يعم العشيرة، الحزب، التيار، الشعب، الأمة، وغيرها فإنها بأجمعها تتضمن اقتران أفرادها في زمن واحد، وهكذا تمنحنا الآية الكريمة قاعدةً من علوم المستقبل لمعرفة مصير هذا الحزب أو ذاك أو هذه العشيرة أو تلك أو هذا التيار والتجمع والنقابة والاتحاد.. الخ فانهم إذا صار الظلم ديدنهم أهلكهم الله تعالى دون شك أو ريب.

معنيان للقرون

الثاني: ان القرن بحسب تتبع كلمات اللغويين وموارد استعمالاته له معنيان، ولننقل هنا ما قاله ابن فارس في معجم مقاييس اللغة فانه على إيجازه دقيق وقد لخّص أهم ما قد يقال في هذا الباب: قال: (القاف و الراء و النون: أصلانِ صحيحان، أحدُهما يدلُّ على جَمعِ شي‌ءٍ إلى شي‌ء، والآخَر شي‌ءٌ ينْتَأُ بقُوّة وشِدّة)(2).

فقه لغة مفردة القرون

أقول: يحتمل في الآية الشريفة (الْقُرُونَ) ان يراد بها المعنى الأول أو الثاني، أما الثاني فسيأتي في الدرس القادم بإذن الله تعالى، وأما المعنى الأول فنقول قال الراغب في مفرداته: (والقَرْنُ: القوم المُقْتَرِنُونَ في زمن واحد)(3).

والظاهر ان (القرن) لا يكفي فيه مجرد وضع شيء إلى جوار شيء بل لا بد مع ذلك من وجود رباط أو جامع ما، مثلاً تقول: (قرينة الرجل) أي زوجته، وليست الزوجة مجرد جالسة أو واقفة إلى جواره مثلاً بل هنالك رباط، يربط بينها هو رباط الزوجية، وكذلك نجد في سائر موارد استعمالات القرن بشتى اشتقاقاته.

فمثلاً قوله تعالى: (إِنِّي كانَ لي‏ قَرينٌ) فانه ليس مجرد شخص يجلس إلى جواره أو يمشي معه بل هو شخص يحاول التأثير عليه والوسوسة له ولذا نجد في تتمة الآية الكريمة (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لي‏ قَرينٌ * يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقينَ)(4) وكذلك ما ذكره الراغب من (والقَرُونُ: النّفس لكونها مقترنة بالجسم)(5) فانه ليس صرف اقتران بل هنالك ملابسة ونوع تعلق للنفس في البدن أو حلول فيه، وكما في (القِران) المقصود به الجمع بين الحج والعمرة فان هنالك ارتباطاً خاصاً بينهما إذ دخل أحدهما في الآخر فهما حقيقة ارتباطية، وليس مجرد تعاقب زمنهما، بل حتى قوله (القوم المقترنون في زمن واحد) فان جهة اجتماعهم في زمن واحد يجب ان تكون ملاحظة كرابط وجامع.

فالذي نستظهره ان (الْقُرُونَ) لا يراد به المجتمعون في زمن واحد فقط بل يراد به إضافة إلى ذلك: المتعاضدون في أمر ما أو المجتمعون على شيء ما فحينئذٍ يطلق عليهم القرن والقرون والآية الشريفة (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) قد يقال إنما يراد بها ان الله تعالى أهلك تلك القرون لا لمجرد اقترانهم في زمن واحد بل لأجل عَضْد بعضهم بعضاً في الظلم ومؤازرة بعضهم لبعض فيما استجلب غضب الله تعالى، كما هو كذلك، عادةً، في القوم الظالمين ولذلك استحقوا جميعاً عذاب الإهلاك.

ولئن توقفنا في دلالة مفردة القرون بنفسها على ذلك، فإنها بمناسبات الحكم والموضوع قد تكون ظاهرة الدلالة على ذلك، ويوضحه ظاهر إهلاكهم وانه كان لأجل انهم (ظَلَمُوا) فكلهم كان مشتركاً في الظلم: بعضٌ بالفعل وبعضٌ بالقول والتأييد وبعض بالرضا، والحاصل: ان الظاهر هو انهم (لَمَّا ظَلَمُوا) (أَهْلَكْناهُمْ)(6) فيعود الضمير في (أَهْلَكْناهُمْ) إلى نفس الضمير في (ظَلَمُوا) لا إلى غيرهم أو إلى المركب منهم ومن غيرهم ممن لم يظلم. فتأمل(7). هذا.

سنَّة الإهلاك ماضية في الحضارة الغربية أيضاً

وسنستعرض في هذا الدرس الموجز أنموذجاً من الغرب وآخر من الشرق كشاهد صدق على (السّنّة) العامة التي أسسها الله تعالى في الأمم والشعوب والقرون بشكل عام.

فإن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تجسّد حالياً أقوى القوى العظمى على وجه الأرض، والظاهر انه لم يسبق لها مثيل في التاريخ المقروء من حيث القوة العسكرية المذهلة والثروات الاقتصادية المنقطعة النظير والتقدم التكنولوجي المبهر، ولكن سُنّةَ الله تعالى لا تحيد عن الظالمين والجبابرة مطلقاً، والغرب اضطلع بأنواع من أبشع أنواع الظلم على مر التاريخ.. ويكفي ان نستشهد على ذلك بمقتطفات من كتاب يعدّ من أخطر الكتب التي صدرت في الغرب نفسه وهو كتاب (موت الغرب).. ومؤلفه شخصية مرموقة جداً من بطن الحكومة الأمريكية، وليس من المعارضة كي يتهم بالتحيز واللاموضوعية، مؤلفه هو: (سياسي ومفكر أمريكي معروف، عمل في منصب مستشار لثلاثة رؤساء أمريكيين، وهو كاتب لعمود صحافي دائم في عدد من الصحف الأمريكية، ومؤسس لثلاثة من أشهر برامج التلفزيون في أكبر قناتين أمريكيتين "إن. بي. سي" و"سي. إن. إن").

وهو في هذا الكتاب ينذر بموت الغرب بنوعين من الموت: الموت الديموغرافي البيولوجي والموت الأخلاقي أو الحضاري، ويقول عن الأول: (إن الموت المقبل مريع ومخيف، لأنه وباء ومرض من صنع أيدينا ومن صناعة أفكارنا، وليس بسبب خارجي، مما يجعل هذا الموت أسوأ بكثير من الوباء الأسود الذي قتل ثلث سكان أوروبا في القرن الرابع عشر)! و(فوفقا للإحصاءات الحديثة، فقد هبط معدل الخصوبة عند المرأة الأوروبية إلى طفل واحد لكل امراة، علما أن الحاجة تدعو إلى معدل طفلين كحد أدني لتعويض وفيات السكان الموجودين الآن، دون الحديث عن زيادة عددهم. وإذا بقيت معدلات الخصوبة الحالية على ما هي عليه، فإن سكان أوروبا البالغ عددهم 728 مليون نسمة بحسب إحصاء عام 2000م سيتقلصون إلى 207 ملايين في نهاية هذا القرن أي إلى أقل من الثلث) فهو إذن أسوأ من الطاعون الذي أصاب أوروبا في القرن الرابع عشر، لكنه وباء من صنع البشر وبملأ إرادتهم!.

مؤشرات موت الغرب أخلاقياً وبيولوجياً

وأما الموت الأخلاقي والحضاري، وهو السبب الأساس للموت البيولوجي أيضاً فتدل عليه الكثير من الإحصاءات والأرقام:

1- الإجهاض (فقد ارتفع الرقم السنوي لعمليات الإجهاض في الولايات المتحدة من ستة آلاف حالة سنويا عام 1966 إلى 600 ألف عام 1976 بعد أن سمح بالإجهاض واعتبرت عملية قتل الأجنة حقا للمرأة يحميه الدستور! وأي ظلم وجرم أعظم من ان تجد أمامك جنيناً لا يمكنه الدفاع عن نفسه ثم تقتله بدون رحمة متذرعاً بألف عذر وعذر! وذلك كمن يقتل الشيخ الطاعن في السن أو المرأة العجوز متذرعاً بألف عذر وعذر، ولكن الواقع هو ان حجته الواقعية هي انه أقوى من الجنين أو الشيخ الكبير وانه يمتلك حق تقرير مصير الآخرين وحياتهم!

وبعد عشر سنوات، وصل الرقم إلى مليون ونصف حالة إجهاض في العام الواحد).

2- الانتحار (فقد بلغ عدد حالات الانتحار بين المراهقين الأمريكيين ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 1960).

3- إدمان المخدرات فإن (عدد مدمني المخدرات (المدمنين وليس المتعاطين فقط)، فقد بلغ أكثر من ستة ملايين شخص في الولايات المتحدة وحدها!).

4- أما عدد أولاد الزنا فيبلغ رقماً مذهلاً إذ يقول: (أما نسبة الأطفال غير الشرعيين، فهي تبلغ اليوم 25 في المائة من العدد الإجمالي للأطفال الأمريكيين، ويعيش ثلث أطفال أمريكا في منازل دون أحد الأبوين "إما بدون الأب وهو الغالب، وإما بدون الأم") ونلاحظ ان المؤلف أمريكي معروف وقد عبّر بالأولاد غير الشرعيين أي من دون عقد مدني ولا مسيحي فهم أولاد زنا بالصراحة.

5- والأسرة وهي اللبنة الأساسية الأولى في حياة كافة الأمم، بدأت بالتحلّل والذوبان والانهيار (وقد تناقص كثيراً أعداد الشبان والشابات الراغبين في الزواج.

ومن الطبيعي لمجتمع يسمح بالحرية الجنسية الكاملة، ويتيح المساكنة بين الرجل والمرأة دون أي رابط شرعي أو قانوني في بيت واحد، وخوف الرجل من قانون الأحوال الشخصية الظالم، حين تأخذ الزوجة نصف ثروته في حالة الطلاق، واضطرار المرأة للقبول بالمساكنة بدون زواج بسبب حاجتها إلى رجل يقف معها ويحميها، ناهيك عن الحاجة البيولوجية ، أن يصل لهكذا نهاية!

أما قضية الشذوذ الجنسي وقانون الزواج بين أبناء الجنس الواحد، فحدث ولا حرج حيث بلغت حدا لم يكن ممكنا مجرد تخيله في السابق!

وقد كانت هيلاري كلنتون المتعجرفة أول سيدة أولى في البيت الأبيض تمشي في تظاهرة لـ(مثليين) لإبداء تعاطفها مع قضيتهم ومطالبهم المشروعة!).

وأخيراً: يلخص الكاتب الأمريكي نهاية الغرب في عبارة دقيقة: (إن هذه هي إحصاءات مجتمع منحط وحضارة تحتضر وتموت، وإن بلدا مثل هذا لا يمكن أن يكون حرا. فلا وجود للحرية دون فضيلة ولا وجود للفضيلة بغياب الإيمان)(8).

وهكذا يتجلى لنا بوضوح مرة أخرى قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) والإهلاك، كما هو معلوم، للأمم تارةً دفعي، وأخرى تدريجي وقد تستمر رحلة السقوط عشرين سنة أو خمسين سنة إلا انها رحلة سقوط ودمار وهلاك لا محالة.

نحن المنقِذون المتخاذِلون!

والمؤلم في الأمر اننا نحن المسلمين الجهة الوحيدة التي يمكنها ان تعرض أسمى بديل إنساني مشرق على الغرب بما نمتلكه من سيرة وضاءة مشرقة (كحكومة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحكومة الإمام علي (عليه السلام) وسيرة أئمة الهدى الإنسانية النموذجية الفريدة) وبما نمتلكه من كنوز معرفية لا نظير لها في الكون كلها، كنهج البلاغة والصحيفة السجادية وتحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، إضافة إلى القرآن الكريم، إلا اننا بدل ان نتحلى بالخلق الإسلامي الرفيع وبالمناقبيات (من عدل وإنصاف وإحسان، وشوريّة واخوة وإتقان وإيمان، وإيثار وصدق وصفاء ووفاء، وهمة ونشاط، وعلم وحلم) بدل ذلك كله، أهملنا، أي الكثير منا، تاريخنا المشرق وفقدنا مثاليتنا بل أصبح الكثير منا يلهث وراء الغرب البائس في حد ذاته.. وأصبح بعض شبابنا يتطلعون إليهم وكأنهم الـمَثل والأنموذج.. وبدل ان نريهم نموذج الأسرة السعيدة الهانئة الإسلامية.. اقتفونا أثرهم.. فازدادت نسبة الطلاق فينا كما ازدادت لديهم، ومن أهم الأسباب اننا أهملنا التقيد بقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)(9) فهي إذاً النظرات المسمومة للصور وللأفلام عبر الأجهزة التي غزت كل مكان حتى صار يمتلكها كل شخص (الفيس بوك، انستغرام و...) إضافة إلى الاختلاط الفاحش في كل مكان، والتي تعد السبب الأول في انهيار الأسر والعلاقات المحرمة.. فبدل ان نريهم النموذج العملي المشرق للإسلام وأهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، صرنا نلهث وراءهم...

وزدنا الأمر خراباً على خراب عندما عجنّا ذلك كله بالاستبداد والدكتاتورية التي أصبحت كالمتأصلة فينا، إلا من عصمه الله تعالى، بدءاً من البيت مروراً بالمدرسة والجامعة والحوزة والأحزاب والنقابات والعشائر وصولاً للحكومات مما جعلهم يمتلكون امتياز عملهم النسبي، ولو الناقص المشوّه بقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ)(10) فأصبحنا نحن لا نعمل بهذه ولا نلتزم بتلك (الأخلاقيات) فخسرنا، إلا من عصمه الله تعالى، الدنيا والآخر فكنا على أثرهم ممن تشملهم، لا سمح الله، السنَّة الإلهية (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، وهاهي بلادنا على كثرتها تشهد الأمرّ من المرّ نفسه.. فهلا نفيق من سباتنا العميق العميق؟ وهلا نغيّر ما بأنفسنا كي يغيّر الله ما بنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ)(11).

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

...........................................
(1) سورة يونس: الآية 13-14.
(2) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر: ج5 ص76، وكامل كلامه (القاف والراء والنون: أصلانِ صحيحان، أحدُهما يدلُّ على جَمعِ شي‌ءٍ إلى شي‌ء، والآخَر شي‌ءٌ ينْتَأُ بقُوّة وشِدّة. فالأوّل: قارنتُ بين الشَّيئين. والقِران: الحبلُ يُقرَن به شيئانِ.
والقَرَن: الحَبْل أيضاً. قال جرير:
بلِّغْ خليفَتَنَا إنْ كنتَ لاقِيَه---أنِّي لدَى البابِ كالمشدود في قَرَنِ
والقَرَن: جُعَيْبَةٌ صغيرة تُضَمُّ إلى الجَعبة الكبيرة. قال:
يا ابنَ هِشامٍ أَهْلَكَ الناسَ اللَّبَنْ---فكلُّهمْ يَمشِي بقَوسٍ وقَرَنْ
والقَرَن في الحاجبين، إذا التقَيَا. وهو مقرونُ الحاجِبَين بيِّنُ القَرَن
والقِرْن: قِرنُك في الشَّجاعة: والقَرْن: مثلُك في السِّنِّ. وقياسُهما واحد، وإنَّما فُرِق بينهما بالكسر والفتح لاختلاف الصِّفتين. والقِرَان: أن تقرن بين تَمرتين تأكلهما.
والقِرانُ: أن تَقْرِن حَجَّةَ بعُمرة. والقَرُون من النُّوق: المُقرَّنة القادِمَين والآخِرَين من أخلافها. والقَرون: التي إذا جَرَتْ وضعت يديها ورجليها معاً. وقولهم: فلان مُقْرِنٌ لكذا، أي مطيقٌ له. قال الله تعالى: (سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ)؛ وهو القياس، لأنَّ معناه أنَّه يجوز أن يكون قِرناً له. والقَرِينة: نَفْس الإنسان، كأَنهما قد تقارَنَا. ومن كلامهم: فلانٌ إذا جاذبَتْه قَرينةٌ بَهَرَها، أي إذا قُرِنت به الشَّديدة أطاقَها. وقَرِينةُ الرَّجُلِ: امرأتُه. ويقولون: سامحته قَرِينته وقَرُونته وقَرُونه، أي نفسه. والقارِنُ: الذي معه سَيفٌ ونَبْل).
(3) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت: ص667.
(4) سورة الصافات: الآية 51-52.
(5) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت: ص667.
(6) سورة الكهف: الآية 59.
(7) إذ قد يكون من باب التغليب، أو غير ذلك.
(8) المقتبسات السابقة كلها بحسب تلخيص بعض الباحثين لكتاب (موت الغرب).
(9) سورة النور: الآية 30-31.
(10) سورة الشورى: الآية 38.
(11) سورة الرعد: الآية 11.

اضف تعليق