بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَيَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)(1) وقال جل اسمه: (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)(2).

البحث عن (الْإِحْسانِ) تارةً يقع على المستوى الفقهي وعن حكمه الشرعي وأخرى يتمّ على المستوى الشخصي والمصالح الكامنة في كافة مفرداته ومصاديقه سواء الدنيوية أم الأخروية، وثالثة يجري على مستوى موقعه في ازدهار الأمم ودوره المفتاحي في تطور الحضارات.

كما قد يقع البحث عن (الْإِحْسانِ) كظاهرة في حياة بعض الشعوب والأمم، أو كحالة عامة متأصلة في بعض العوائل والعشائر، أو كميّزة يتميز بها بعض الأشخاص.

المستوى الفقهي:

ارتأى مشهور الفقهاء حتى كاد ان يكون إجماعاً، ان الإحسان مستحب عكس العدل الذي هو واجب دون ريب، ولكن السيد الوالد (قدس سره) ذهب إلى وجوب الإحسان في الجملة كما جاء في كتاب (الفقه: الواجبات).

ولكن قد يقال ان من البديهي ان الإحسان مستحب وليس بواجب، فهل يقول أحد مثلاً بان منحك ديناراً لكل فقير يصادفك في الطريق واجب؟ أو تقديمك المشورة الطبية أو الهندسية، إذا كنت طبيباً أو مهندساً، لكل أحد بالمجان واجب؟ أو توفيرك مقدمات زواج كل أرمل وأرملة ومطلق ومطلقة وعزب وعزباء واجب؟

لا شك ان هناك مفردات كثيرة للإحسان، مستحبة وليست واجبة، بالأدلة النقلية المختلفة وبالإجماع، فان الخمس والزكاة والكفارات والجزية والخراج هي الواجبة مثلاً أما الصدقات فهي مستحبة، ولكن الرأي الآخر يذهب إلى وجوبه في الجملة مما يعني إما ان بعض مفرداته واجبة بالدليل العام كالآية السابقة أو ان الأصل فيه الوجوب، وقد خرج ما خرج بأدلته، فيبقى كل مشكوك تحت حكم العام وهو وجوب الإحسان.

ويمكن لنا ان نستدل على اصالة الوجوب في الإحسان أو على وجوبه في الجملة، بالأدلة التالية:

قاعدة الملازمة

أولاً: ان حسن الإحسان عقلاً مما لا شك فيه، ومما لم ينكره أحد، فإذا ثبت حسنه عقلاً ثبت وجوبه شرعاً لقاعدة الملازمة وهي (كلما حكم به العقل حكم به الشرع) بناء على ظاهر كلام جمع من الأعلام من ان الضمير الأول في (به) يعود إلى الـحُسن والضمير الثاني يعود إلى الوجوب بمعنى (كلما حكم بحسنه العقل حكم بوجوبه الشرع) ولكننا في كتاب (قاعدة الملازمة) أوضحنا ان التلازم إنما هو بين الـحُسْنين أو الوجوبين أي (كلما حكم بحُسنه العقل حكم بحُسنه الشرع) و(كلما حكم بوجوبه العقل حكم بوجوبه الشرع) وليس بين حُسن الأول ووجوب الثاني، إلا ان من يذهب إلى إطلاق قاعدة الملازمة، نظراً إلى ان الحسن العقلي تام الاقتضاء فمع عدم إحراز مانع أو مع إحراز عدمه(3)، تتم العلة للوجوب أو لغير ذلك من الوجوه، فان الدليل العام على أصالة الوجوب يكون تاماً لديه.

استقلال العقل بوجوب بعض أنواعه

ثانياً: ان وجوب الإحسان في الجملة لهو من المستقلات العقلية في غير ما ابتلي بالمزاحم الأهم؛ ألا ترى انك لو كنت قادراً على منع إرهابي من إحراق منزل كامل أو من تفجيره، بأدنى جهد كأن تصرخ مثلاً، وجب عليك ببداهة العقل، حتى لو لم يكن فيه أحد؟ وانك لو لم تفعل متعللاً بان الإحسان ليس واجباً فانك تستحق العقاب أيضاً في أنظار العقلاء؟

لا يقال: إنما يستحق المتقاعسُ العتابَ دون العقاب.

إذ يقال: بل يستحق العقاب أيضاً ويشهد له: إن الناس يقاطعون المتخاذل ويرونه مستحقاً لذلك، جزاء على تخاذله، والمقاطعة نوع من العقاب بل هي من أشد أنواع العقاب وهي التي فرضها الرسول ) على الثلاثة الذين خلّفوا (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ)(4) بل ان كثيراً من الناس يرجح الضرب أو الجرح أو السجن على فرض الحصار الاجتماعي عليه، والحاصل: انه لا شك لدى العقلاء في مختلف الملل والنحل في ان من كان بإمكانه أن يحول دون إحراق منزل أو مزرعة أو معمل أو شركة، من دون ان يتضرر بشيء، فلم يفعل في انه يستحق التقريع والعقاب.

وإنما قيّدنا بـ(حتى لو لم يكن فيه أحد) كي لا يقال بان قتل النفس المحترمة هو مما علم من الشارع كراهة وقوعه، فدليل وجوب الحيلولة والمنع إنما هو لهذا الدليل العام لا لوجوب الإحسان في حد نفسه في مثل هذه القضية.

وإن شئت أن ترجع إلى الوجدان في مشابهات هذه القضية فانك ستجده بذلك شاهداً؛ ألا ترى مثلاً ان شخصاً لو رام انتهاك عرض صديق لك أو التعدي على امرأة مؤمنة، بما دون الزنى الذي علم من الشرع كراهة وقوعه مطلقاً، فان من الواجب عليك بحكم العقل، الدفاع إذا لم يكن يضرك (وأما إذا أضر فبحسب درجات الضرر وبحسب درجات الاعتداء العرضي من نظرةٍ فلمسةٍ فقُبلةٍ متدرجاً إلى أكثر من ذلك لا سمح الله) وانك لو لم تدافع عن عرض بعض أقربائك أو جيرانك أو أصدقائك وأنت قادر، استحققت العقاب بنظر كافة العقلاء؟

وكذلك لو أوشك طبيب جاهل على قطع رجل صديق لك مثلاً، خطأً، وأنت قادر على دفع ذلك عنه فرضاً بتقديم النصح بوصفةٍ طبيةٍ بسيطةٍ أو بالإرشاد إلى طبيب قادر على معالجته دون بتر، فلم تفعل متعللاً بان الإحسان ليس بواجب، ألا يرى العقلاء انك تستحق العقاب دون ريب وأليست سيرتهم على ذلك أيضاً؟

وكذلك لو رمى مندسٌ أو عميل قنبلة على متجرِ مؤمنٍ أو منزلٍ وكان بإمكانك دحرجتها بقدمك إلى منأى دون ان تحتمل تعرضك للإصابة لخبرتك بأنواعها وزمن تفجيرها، أو كنت خبير متفجرات وكان بإمكان تفكيكها ببساطة ولم تكن في حين دوامك ووظيفتك (كي يقال الوظيفة مُلزِمة) فان العقل يلزمك بان تفعل.. وهكذا.. وعلى أيٍّ فانه لو شكك في بعض الأمثلة السابقة فلعله لا مجال للتشكيك في بعضها الآخر.

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ)

ثالثاً: ويدل على وجوب الإحسان، كأصل عام إلا ما ثبت خروجه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَيَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) فان مادة الأمر دالة على الوجوب بل هي أقوى في الدلالة من صيغته، والإحسان وقع متعلَّقاً للأمر، كما يؤكده قرينة المقابلة للنهي (وَيَنْهى...‏) إذ لا شك في حرمة المنهي عنه فكذا وجوب المأمور به، بل من القبيح الإخلال بالتوازن بين الفقرتين بإرادة الاستحباب من (يَأْمُرُ) والحرمة من (يَنْهى‏) فتأمل.

وليس الأمر في (يَأْمُرُ) إرشادياً، بل هو مولوي لما اخترناه في الضابط في المولوية من انه (ما صدر من المولى بما هو مولى مُعمِلاً مقام مولويته) على انه لو كان إرشادياً لكان من الإرشادي الملزِم لا المحبّذ المندوب فقط كما اخترناه تبعاً للميرزا الشيرازي الكبير من انقسام الإرشادي إلى الواجب والمستحب، فراجع ما سطرناه في كتاب (الأوامر المولوية والإرشادية) للاستزادة من التفاصيل وهذا مطلع ما جاء فيه (الأمر المولوي هو: (ما صدر من المولى بما هو مولى أي معمِلاً مقام مولويته)(5) سواء أكان الأمر لمصلحة عائدة للآمر أم للمأمور أم لغيرهما سواء كان(6) متعلقاً بهما أم أجنبياً عنهما كما فصلناه في موضع آخر، أم كان لا لمصلحة ـ فرضاً ـ بل تشهيّاً بل حتى عبثاً، لكنه أعمل مقام مولويته، إذ له ذلك بما هو مالك، وإن لم يجز ذلك في المالك الحقيقي، لكنه نظراً لحكمته، لا بلحاظ توقف المولوية على عدم كونه كذلك(7).

ومن لوازمه: حكم العقل باستحقاق(8) الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة.

فتفسيره به، تفسير باللازم، وليس بذاتي باب الكليات الخمسة(9)، بل ولا ذاتي باب البرهان.(10)

وبذلك يظهر عدم تمامية (الضابط التاسع) الآتي ذكره، إضافة إلى ما حققناه في محله: من أنه لا استحقاق للثواب على الإطاعة، بل كله تفضل)(11).

والأدلة السابقة إن نوقش فيها فانه لا مجال للنقاش في الدليل الرابع الآتي في البحث القادم بإذن الله تعالى فأنتظر.

المستوى الشخصي والأخلاقي

من الثابت ان الإنسان لا تحركه الواجبات فقط بل قد لا تحركه أبداً لسبب أو آخر، بل ان الدارس لسيكولوجية الإنسان يكتشف بوضوح ان الإنسان كثيراً ما، إن لم يكن ذلك شبه الدائم، تحركه المصالح الشخصية الدنيوية أو الأخروية أو تردعه المفاسد والمضار والأخطار الدنيوية أو الأخروية، وكثيراً ما تحركه الغايات النبيلة وإن لم يفكر في بُعدها المصلحي الخاص الشخصي أبداً.

ولذا نجد ان كثيراً من الناس يصلي أو يصوم أو يزكي أو يمارس سائر العبادات لا لكونها واجبات، بل لخوفه من العقاب أو لطمعه في الثواب، ونادرٌ هو من يلتزم بالطاعات ويتجنب المعاصي والسيئات لمجرد كونها طاعات واجبة أو سيئات محرمة بل ان الأندر من النادر من يكون كما قال الإمام علي (عليه السلام): (مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلَا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ)(12) وذلك يعني ان من الضروري ان يطرح الدعاة والمبلغون والآباء والمعلمون مبدأ الإحسان على مستوى الغايات النبيلة التي يحتضنها الإحسان ويفصح عنها وعلى مستوى المصالح الكبرى أو الشخصية التي تنجم عنه وتترتب عليه.

والروايات الشريفة التي تتناول الإحسان على مستوى آثاره الوضعية الدنيوية الكبرى ومنافعه الأخروية العظمى تعد أكبر حافز وباعث ومحرك للإنسان:

قضى الله له مائة ألف حاجة

ومن تلك الروايات ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةَ أَلْفِ حَاجَةٍ مِنْ ذَلِكَ أَوَّلُهَا الْجَنَّةُ...)(13) والغريب، لدى التأمل، ان الإنسان الذي لا يتجاوز عمره في هذه الدنيا المائة سنة في أحسن التقادير عادة، ليس إلا عبارة عن قطعة من الفقر وكتلة من الحاجات، فما بالك بالآخرة التي ورد فيها (في‏ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسينَ أَلْفَ سَنَةٍ)(14) و(كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)(15)؟

وإذا عرفنا ان الإنسان محتاج في كل شيء إلى غيره عرفنا مدى فقره واحتياجه لأن يقضي الله تعالى شتى حوائجه كجزاء على قضائه حوائج الناس، ويكفي ان نستحضر في أذهاننا شريط بعض احتياجات الإنسان فان الإنسان يحتاج إلى الخباز والعطار والبزاز، كما يحتاج إلى الطبيب والصيدلاني وإلى الحداد والحمّال والبقال، كما يحتاج إلى الزوجة والأولاد والأبوين والاخوة والأقرباء، كما يحتاج إلى الأساتذة والإخوان والخِلان والجيران، كما يحتاج إلى الهواء الذي يتنفسه والأرض التي تُقله والسماء التي تُظله، والجاذبية ونور الشمس والحرارة وغير ذلك كما يحتاج، في السلسلة الطولية عبر حاجته إلى الخباز والخبز مثلاً، إلى الـمُزِارع وإلى الشاحنة والسائق الذي ينقل الحنطة وإلى الأجهزة والمعامل التي تصنع التراكتورات والسيارات والمطاحن وهكذا.. ولو اختل مصدر واحد من المصادر التي تقوم بتلبية حوائج الناس لاختل نظام معيشة الإنسان.

والذي يستفاد من مجموع الأخبار ان الإنسان في يوم القيامة أشد حاجة كما هو أكثر حاجة، فإذا كان المرء في الدنيا يعيش على بحر من الحوائج يتكون من عشرين مليار حاجة مثلاً، بما في ذلك عدد أنفاسه وضربات قلبه إذ ان أي خلل في أي واحد منها يشكل اضطراباً وقد يولد خطورة، فانه في البرزخ والقيامة يعيش على محيطات من الحوائج قد تتكون من تريليونات منها أو أكثر، وهنا تتجلى لنا أكثر أهمية اللجوء إلى قضاء حوائج الناس كاستراتيجية جوهرية باعتبارها الشفيع لنا إلى الله تعالى الرؤوف الرحيم لكي يقضي لنا بإزاء كل حاجة، مائة ألف حاجة!

داود يخاطب الله تعالى: اعيتني الخليفة فيك!

كما روي انه أوحى الله تعالى إلى داود النبي (عليه السلام) (مَا لِي أَرَاكَ مُنْتَبِذاً؟

قَالَ: أَعْيَتْنِي الْخَلِيقَةُ فِيكَ!

قَالَ: فَمَاذَا تُرِيدُ؟

قَالَ: مَحَبَّتَكَ!

قَالَ: فَإِنَّ مَحَبَّتِي التَّجَاوُزُ عَنْ عِبَادِي! فَإِذَا رَأَيْتَ لِي مُرِيداً فَكُنْ لَهُ خَادِماً)(16).

والظاهر ان داود (عليه السلام) اعتزل عن الناس فترة من الزمن، طالت أو قصرت، وابتعد عنهم، فانّ منتبذاً تعني مبتعداً كما في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا)(17) فأوحى الله إليه بنحو الاستفهام الاستنكاري فيما يبدو (مَا لِي أَرَاكَ مُنْتَبِذاً؟) فأجاب داود: (أَعْيَتْنِي الْخَلِيقَةُ فِيكَ) والإعياء هو الإرهاق والتعب الشديد وذلك يعني ان الناس اتعبوني ولكن لا لأجل مطامعي الشخصية بل اتعبوني فيك، ولعلهم كانوا يؤذونه ويهينونه، كما هو طبع الناس في كل من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر أو انه (عليه السلام) كان كلما أرشدهم عتوا أو كلما انقادوا أولاً عصوا ثانياً أو كلما كلّفهم بأمر تقاعسوا وتخاذلوا وشبه ذلك ولذلك ناله منهم تعب شديد وإعياء بالغ.

وعندما سأله الله تعالى مرة أخرى (فَمَاذَا تُرِيدُ؟) أجاب بانه يريد (محبته) تعالى أي انه اختار، فيما لعله بدا له، أسهل بديل لأن محبة الله تعالى تُنال بالعبادة والمناجاة وما ألذها وأسهلها بالقياس إلى متاعب قيادة الناس وهدايتهم وإبقائهم على جادة الاستقامة ولذا قال ): (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)(18) وذلك لقوله تعالى فيها (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ)(19) فان استقامة من تاب معه أي حملهم عليها هي التي شيبته ) لا استقامته ) هو وحدها لأن الأمر باستقامته ورد في سورة (الشورى) أيضاً، لكنه ) لم يقل شيبتني سورة (الشورى) لتجرد الآية فيها عن (ومن تاب معك).

ولكنّ الله تعالى أوضح له ان محبته جل اسمه تكون عبر الطريق الصعبة الشائكة (مَحَبَّتِي التَّجَاوُزُ عَنْ عِبَادِي) فان الصفح والغفران عن أنواع الأذى الذي يناله المصلح من أمته، لهو من أصعب الصعاب لكن الله تعالى وضع محبته في ذلك، ومن المعلوم ان (التجاوز عن عباد الله) يعدّ من أفضل أنواع الإحسان الذي قد يقال بوجوب بعض أنواعه، في عوْد منّا إلى صدر المبحث الذي طرحنا فيه الرأي القائل بوجوب بعض أنواع الإحسان! وسيأتي لذلك مزيد تحقيق وبيان فانتظر والله المستعان.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

..................................
(1) سورة النحل: الآية 90.
(2) سورة القصص: الآية 77.
(3) على وجهين.
(4) سورة التوبة: الآية 118.
(5) ونضيف قيداً آخر لضابط الأمر المولوي المعهود عندهم أي ما سميناه بالأمر المولوي بالمعنى الأخص وهو: (إذا كان في مقام التشريع) أو (إذا كان في مقام الإلزام بما يعتبره مستحقاً للعقاب بالمخالفة) أو (إذا كان ملاحظاَ أن خلافه هتك له) إذ أننا نرى أن لـ(ما صدر من مقام المولى بما هو مولى) فرداً آخر وهو كونه بما هو مولى في مقام النصح، إذ قد (ينصح ملزماً) بما هو مولى لكن لا يلاحظ كون الخلاف هتكاً له ولا يعتبر استحقاق العقاب على المخالفة، بل يلاحظ صرف مصلحة الواقع الإلزامية وأن مقامه يقتضي إلزامه ناصحاً وسيأتي مزيد إيضاح له بإذن الله تعالى.
(6) أي ذلك الغير.
(7) أي تشهياً أو عبثاً.
(8) أو يقال: لازمه الاستحقاق بحكم العقل.
(9) أي باب إيساغوجي.
(10) فإنه لا ينتزع من حاق ذات الشيء، وليس مما يستحيل انفكاكه عنه، ومما وضعه بوضعه ورفعه برفعه ـ بل هو (لازم عرفي) ـ فتأمل.
(11) السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، الأوامر المولوية والإرشادية، دار العلوم للطباعة والنشر ـ بيروت، ص379-380.
(12) ابن أبي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليه السلام) ـ قم، ج2 ص11.
(13) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج2 ص192.
(14) سورة المعارج: الآية 4.
(15) سورة السجدة: الآية 5.
(16) علي بن الحسين المسعودي، اثبات الوصية، الناشر: انصاريان ـ قم، ص71، وعنه مستدرك الوسائل ج12 ص428.
(17) سورة مريم: الآية 16.
(18) الشيخ الصدوق، الخصال، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، ج1 ص199، والأمالي للصدوق، المكتبة الإسلامية ـ قم، ص233.
(19) سورة هود: الآية 112.

اضف تعليق