إسلاميات - القرآن الكريم

من أهداف العبادات

من كتاب خواطري عن القرآن

(يا أيها الذين آمنوا! اركعوا، واسجدوا، واعبدوا ربكم، وافعلوا الخير، لعلكم تفلحون). الحج: 77

( 1)

جوهرة الإنسان الروحية –كجوهرته الجسدية– تحتوي على كوامن قابلة للظهور والنمو، وتحتوي على استعدادات ممكنة التكون والوجود.

فكما أن في بعض الأجساد كوامن للرشاقة تعينه على الجمباز والبهلوانية، بممارسة الرياضات المثيرة لتلك الكوامن؛ وفي بعض الأجساد كوامن للكمال الجسماني والصلابة تعينه على المصارعة والملاكمة، بممارسة الرياضات المثيرة لتلك الكوامن.

وكما أن في التراب عناصر قابلة للتطور إلى: الذهب، أو الفضة، أو الحديد، أو النحاس... أو إلى الأحجار الكريمة، أو إلى الفحم الحجري، أو الغاز أو النفط...

وكما أن في الهواء استعداداً لأن ينقلب ماء أو ناراً بتغير النسبة في بعض عناصره.

وكما أن في كل شيء قابليات لتطورات معينة، واستعدادات لانقلابات معينة.

هذه القابليات والاستعدادات ذاتية لا تتبدل، كل ما هنالك: أن القابليات قد تلتقي مع فرص مناسبة فتظهر، وقد تلتقي مع فرص معاكسة فلا تظهر. وتلك الاستعدادات ربما تتفق مع مناخات مساعدة فتتكون، وربما تتفق مع مناخات مضادة فلا تتكون.

هكذا... في روح كل فرد قابليات معينة لا تتبدل، أقصى ما هنالك: أن تلك القابليات قد تتوارد عليها فرص مواتية، وتتجاوب مع هذه الفرص وتشجعها رياضات صحيحة؛ فتظهر. وقد تعصف بها فرص متنكبة، فتظهر هذه القابليات إلى مكافحتها حتى تستنزف في سلبيات يائسة؛ فلا تظهر.

وفي روح كل فرد استعدادات معينة لا تتبدل، أقصى ما هنالك: أن تلك الاستعدادات ربما توفق بمناخات متعاونة، وتتناصر مع هذه المناخات وتشجعها رياضات صحيحة؛ فتتكون. وربما تجابهها مناخات متنكرة، فتضطر هذه الاستعدادات إلى التآكل معها حتى تتقلص في تراجعات يائسة؛ فلا تتكون.

وهذا الاختلاف في القابليات والاستعدادات، يظهر –بوضوح– في اثنين يعيشان فرصاً متكافئة ومناخات متشابهة، ثم يتكشف كل واحد منهما عن هوية تختلف عن هوية صاحبه: فيغدو أحدهما سياسياً والآخر شاعراً، أو يصبح أحدهما طبيباً والآخر مصارعاً... تماماً... كما أن جزءاً من التراب يتطور ماساً والجزء المجاور يتطور حصاة، وتماماً... كما أن نبتة في البستان تكون نخلة، والنبتة المجاورة لها تكون أقحواناً.

ولذلك: قال النبي الأكرم (ص): (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)(1). ويمكن إضافة: والماس، والعقيق، والفحم، والحديد، والنفط، والزجاج... وبعض الناس همج كالتراب البائس اليائس، لا يمرع ولا ينفع. وبعض الناس مفرقعون كالبراكين. وبعضهم كالحيوانات السامة، والأوبئة، والوحوش، والعقبات، والأشواك...

الناس مثل: معادن، ومراعي

ومجاهل ملعونــة الأكـراع

ومن الرجال: بهائم، وسوائم

ومن النساء: حمائم، وأفاعي

وعندما نزل الإسلام لم ينزل ليغير طبائع الناس، وإنما نزل ليوفر الفرص الكافية للعناصر المستقيمة ويجعلها متكافئة مع الفرص الموفورة للعناصر الملتوية، حتى يجد كل فرد نفسه أمام طريقين هما: طريق الخير والشر.

((وهديناه النجدين))(2)، ولا يجد نفسه أمام طريق الشر فقط؛ فاتبعت العناصر المستقيمة طريق الخير، وبقيت العناصر الملتوية على طريق الشر.

وقد أعلن النبي (ص) – بجرأته الأدبية المعروفة – هذا الواقع فقال: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، وشراركم في الجاهلية شراركم في الإسلام)(3).

فالعنصر المستقيم، الذي لم يكن يجد طريقه في الجاهلية وجد طريقه في الإسلام، فتأصلت استقامته. والعنصر الملتوي، الذي كان يختان نفسه ويخون غيره في طريقه في الجاهلية، وجد نفسه مكشوفاً على طريق الالتواء في الإسلام، فتأصل التواؤه.

وإذا كانت العناصر المستقيمة تمضي في مسيرتها، والعناصر الملتوية تواصل في مسارها، كما تمضي نبتة الليمون في مسيرتها حتى تكون شجرة الليمون، وكما تواصل نبتة الشوك في مسارها حتى تكون شجرة الشوك؛ فلماذا العبادات؟ لماذا كل هذه الصلوات، والزكوات، والحج، والصيام، والتسابيح، والتراتيل...؟

الجواب:

1- إنها الرياضات التي تساعد على تظهير وتنمية العناصر المستقيمة، كما أن الجسم يحتاج إلى رياضات مناسبة لتظهير وتنمية كوامنه، وكما أن كل شيء يحتاج إلى حركة معينة في مساره لتظهير وتنمية كوامنه. لأن الجمود على وضع معين لا يساعد على التفتح والنمو؛ بل يكون مساعدا على التقلص والبوار.

2- إن الإنسان يمتاز بمرونته الفائقة. فكما أن جسمه قابل للنمو السريع والتطور النشط، بالقياس إلى الجماد والنبات والحيوان – مع الاحتفاظ بالنسبة –: فيغدو رشيقاً كالغزال، أو مترهلاً كالخروف، وصلباً كأنه هيكل من الفولاذ، أو مهترئاً كأنه من مومياءات الفراعنة، وذكياً لامعاً يتناول الناس والأرض والحياة بنظراته بذات البساطة التي يضم بها الدرهم بأصابعه، أو بليداً متجيفاً يعبث به ذباب ويوجهه طفل.

( 2 )

1- يلاحظ وجود الحركة في العبادات الإسلامية:

فالصلاة: قيام، وقعود، وركوع، وسجود، وقنوت. والحركة سريعة، أي في كل ركعة: قيام – ركوع – قيام - سجود – جلوس – سجود – جلوس.

وفي الحج – وهو أطول العبادات –: الحركات الموضعية والانتقالية والشكلية، عديدة، ظاهرة لا حاجة فيها إلى بيان. بل الحركة فيه أكثر من أصل التوجه العبادي الشفوي: فالإحرام، والطواف، والسعي، والوقوف، والرمي... كلها حركات. وإذا استثنينا التلبية وصلاة الطواف، لا تبقى قراءة واجبة في الحج، ويتمحض في حركات متنوعة. والنوافل، تمنعه عن التمحض في الحركية.

وفي الزكاة: الحركة دائمة في الكم، فنسب الزكاة متغيرة. وكذلك: الكفارات والنذورات... والخمس: وإن كان بنسبة ثابتة، إلا أن ارتفاعه وانخفاضه بمعدلات الفائض؛ يجعل منه ضريبة دائبة الحركة.

ولعل واضعي القوانين أخذوا من الإسلام صرف الضريبة من الرؤوس إلى المعادلات المتغيرة، لأن القوانين – قبل الإسلام – كانت تفرض الضريبة على الرؤوس.

والصوم: – بطبيعته – عمل ثابت، ولكنه عمل إرادي من جهة، وتطعيمه بالمستحبات الرمضانية أدى إلى كونه عملاً متحركاً.

وأما الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: فهي – بطبيعتها الأولية – أعمال حركية لا مظهر فيها للثبات، سوى المقاييس المبدئية التي تصيبها بشيء من الروتينية المملة.

والتولي لأولياء الله، والتبري من أعداء الله: فهما وإن كانا من الأعمال الفكرية، إلا أنهما أرسلا وفق مقاييس متغيرة: فالتولي ليس لأشخاص معينين والتبري ليس من أشخاص معينين، وإنما الأول لجميع أولياء الله القدامى والجدد، والثاني من كل أعداء الله القدامى والجدد.

وهكذا... نلاحظ الحركية تطبع العبادات الإسلامية، حتى لا تصبح – على ممر الأجيال – روتيناً مملاً.

2- الحركة لا تستأثر بالروح العبادية، فالحركة موجودة ولكن إلى جانب القراءات والتوجهات:

فمثلاً: نجد الحركات – في الصلاة – سريعة حتى كأنها عملية رياضية، والواجب من القراءات والأذكار محدوداً، ولكن المندوب أن يطول كل من الركوع والسجود بقدر القيام.

وقد وقف النبي الأكرم (ص) على كل من الصفا والمروة بقدر السعي.

وعلى هذا المعدل، كان كل أعمال حجه.

فالحركات – في كل العبادات – تكون بالمقدار المناسب، لتنشيط الدورة الدموية، ورفع الملل.

3- إن الأدعية والقراءات – في معظم العبادات – تكون عادة في حالة القيام، كقراءات الصلاة وأدعية القنوت، بينما تكون الأذكار في الركوع والسجود غالباً.

كذلك: أدعية الحج تكون في حالات القيام، سواء في الطواف والسعي أو في المواقف والمشاعر.

وهذا... لا يعني أنها لا تجوز في غير حالة القيام، إنما يعني أنها – أساساً – شرعت هكذا... فيجوز الإتيان بها في بقية الحالات، لأنها – في الأصل – مستحبات.

4- إن الصلاة تبدأ قراءات، ثم تكون قراءات تتخللها أذكار، ثم تتمحض في الأذكار في الركعتين الأخيرتين. شأن كل من يناجي ربه مناجاة القلب والعقل: فإنه يبدأ بالتحميد والثناء والدعاء، حتى يبلغ مرحلة من مراحل التجلي التي تأخذ عليه مشاعره، ثم يسمو ويسمو... قليلاً... قليلاً... إلى أن تتوحد مشاعره في اتجاه واحد، فينسى كل شيء سوى التسبيح؛ كما نجد في مظاهر طقوس المتصوفة – إن صحت –.

( 3 )

س: لماذا الصلاة قراءات وحركات، وليست مجرد نيات، رغم أن النيات هي التي تتفاعل في داخل المتعبد؟

ج: النية أقوى ما يتفاعل في داخل المتعبد. ولكن ما يتفاعل في داخل الإنسان ليست النية وحدها، فكل فاعليات الجسد والفكر تتفاعل في داخل الإنسان: ابتداء من الفاعليات الفكرية، ومروراً بفاعليات الحواس الخمس واللاشعور، وانتهاء بالفاعليات العضلية التي تتجسد في الحركات. ويكون التفاعل أقوى، إذا اجتمع الشعور: ـ الفكر – واللاشعور والعضلة على أداء عمل معين، كما هو المفروض أن يكون في الصلاة.

والقول، ينعكس على الداخل أكثر مما يؤثر في الخارج. فالذي يقول، يتأثر بقوله أكثر ممن يسمع.

والحركات:

أ) تنشط الدورة الدموية، فتحرك خلايا الدماغ للتوجه إلى الله، والتأمل فيما يقوله من قراءات وأذكار.

ب) وإذا كان المصلي ممن يتأثر بالصلاة كثيراً، كالنبي والأئمة – صلى الله عليه وعليهم أجمعين – وكذلك غيرهم من الأولياء، فإن الحركات – ربما – تخفف عنهم وطأة التأثر، حتى لا يصابوا بجلطة دموية. شأن من يفاجأ بخبر مؤثر، فإنه يتعرض لجلطة دموية إن لم يمارس حركات مختلفة.

ج) الحركات تمنع من الملل، خاصة: إذا أطال الصلاة، أو أكثر منها.

د) الحركات تكرس كل الأعضاء والعضلات في الصلاة، وتحرك اللاشعور للانسجام مع الشعور.

هـ) الحركات تلفت الشعور، وتستعيد الفكر الشارد. خاصة: بالنسبة إلى كثير من الرعاع، الذين يمارسون الصلاة أداء للواجب، دون أن يستوعبوها أو يحاولوا التفاعل معها.

و) الحركات الصلاتية منسجمة مع الأقوال الصلاتية، والأقوال إذا تناغمت مع الحركات تكون بالغة التأثير. ويعرف عمق هذه الملحوظة، العاملون في الذبذبات الصوتية المتناغمة مع الحركات.

...................................
(1) الروضة من الكافي – ج 8 – باب(39) ـ ص(177)– حديث(197).
(2) سورة البلد: الآية 10.
(3) انظر كنز العمال – ج 10 – ح 28780.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12