‏من الضروري ان نفهم نحن كعراقيين طبيعة العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة ودول مهمة لنا في المنطقة مثل الجارة المملكة العربية السعودية. سأحاول في هذا المقال ان ابين للقارئ العراقي طبيعة العلاقة بينهما من ابعادها المختلفة الواسعة.

تمتد جذور العلاقة بين البلدين إلى العام (1933)، وتمحورت في بادئ الأمر الاتصالات بين حكومتي الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية حول عمليات استكشاف آبار النفط التي أثمرت عن حصول شركة ستاندرد أويل كاليفورنيا (Standard Oil of California)، شيفرون حالياً (Chevron)، حق استكشاف النفط في المحافظات الشرقية للمملكة العربية السعودية، وتلا ذلك تأسيس شركة النفط العربية الاميركية (ارامكو) عام (1944)، وبروز السعودية كأكبر دولة مصدرة للنفط في العالم.

تعززت هذه العلاقة بشكل ملحوظ في اربعينيات القرن الماضي عند اعلان الرئيس الاميركي من أن أمن المملكة العربية السعودية “مصلحة حيوية» للولايات المتحدة الأمريكية، وبعد لقائه بالعاهل السعودي الملك عبد العزيز آل سعود على متن حاملة الطائرات USS Quincy في مصر عام (1945)، جاعلاً من السعودية أقرب حليف عربي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط خاصةً بعد توقيع إتفاقية الدفاع المشترك وقيام الولايات المتحدة ببيع السلاح وتدريب القوات العسكرية للمملكة، وخلال ٧٠عاماً من التحالف غضت الولايات المتحدة البصر عن سياسات المملكة المثيرة للجدل في مجال حقوق الانسان وطبيعة نظام الحكم الذي يُعارض المبادئ والقيم الأمريكية.

من الجدير بالذكر، أن هذا التحالف شابته بعض الاضطرابات والخلافات، اهمها الحصار النفطي على الولايات المتحدة عام ١٩٧٣، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر التي نفذها (١٩) ارهابي، (١٥) منهم يحملون الجنسية السعودية، وبالرغم من ذلك فأن العلاقات حافظت على متانتها عبر تلك السنوات. علماً أن العلاقة بين البلدين هي علاقة واسعة لمصالح مشتركة بصورة بحتة أي بمعنى آخر أن متانتها تعتمد على مدى المنافع المشتركة التي يحصل عليها الطرفان من تلك العلاقة، وتختلف تلك العلاقة عن علاقة الولايات المتحدة مع باقي حلفائها في اوروبا واليابان حيث تتعدى هناك المصالح والمخاطر المشتركة وتتميز بالقيم والمبادئ والتاريخ المشترك والنظرة الموحدة ازاء القضايا والسياسية الدولية المهمة.

موجز عن العلاقات الثنائية ومجالات التعاون بين البلدين:

اولا. التعاون في مجال الدفاع: وصل التعاون في هذا المجال بين البلدين أوجه عند ارسال قوات عسكرية أمريكية لحماية السعودية عقب قيام النظام الدكتاتوري لصدام بغزو الجارة دولة الكويت عام (١٩٩٠)، الامر الذي ادى إلى تعزيز الوجود الاميركي في المنطقة لتأمين حماية السعودية ودول الخليج ولضمان الحفاظ على مستويات الانتاج النفطي وطرق التصدير إلى السوق العالمية، وان هذا الامر يُعد نقلة نوعية في طبيعة العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة وبالاخص في المجال العسكري، كما يشمل هذا التعاون إجراء عمليات تدريب مشتركة تحقيقاً للمصلحة المشتركة المتمثلة في الحفاظ على امن الخليج العربي، وتعتبر المملكة من اكبر الزبائن لبرنامج الولايات المتحدة للمبيعات العسكرية الاجنبية (FMS) حيث وقعت المملكة عقود شراء اسلحة وطائرات ومروحيات اباتشي وصواريخ باتريوت..الخ للفترة من العام (2010) لغاية منتصف العام (2015) بقيمة (90.4) مليار دولار امريكي. كما توجد هنالك مجالات تعاون بشأن تطوير البنية التحتية العسكرية وأمن الحدود، من ضمنها مبادرة وزارة الداخلية للمملكة بشأن تعزيز الدفاعات الارضية والساحلية.

ثانيا. مكافحة الإرهاب: تعزيز التعاون والتنسيق الامني بين البلدين عقب احداث ١١سبتمبر ٢٠٠١ وخاصةً في مجال مكافحة الإرهاب بالرغم من الانتقادات التي وجهتها ادارة الرئيس بوش إلى المملكة بشأن رعايتها للفكر السلفي وعدم اتخاذها ما يكفي لمكافحة الجهادية السلفية، حيث هنالك مجالات تعاون وثيقة وخاصةً فيما يتعلق بملاحقة عناصر تنظيم القاعدة وغيرها من المجالات الاخرى مثل مكافحة تمويل الشبكات الارهابية.

ثالثاً. التعاون الامني والاستخباري: يعود التعاون في هذا المجال إلى حقبة الحرب الباردة عقب الغزو الروسي لأفغانستان عام (1979)، وقيام الطرفين بدعم وتسليح وتمويل الحركات المسلحة في افغانستان لغرض مقاومة الاتحادالسوفيتي. علماً أن هذا الدعم قد مهد الطريق لنمو الحركات الاسلامية الاصولية ذات الطبيعة التكفيرية مُشكلةً بذلك البذرة الرئيسية لظهور تنظيم القاعدة الارهابي والتنظيمات الارهابية الاخرى المرتبطة به أو المنبثقة عنه، ويستمر هذا التعاون حالياً بشكل مكثف ضمن اطار الحرب الدولية ضد الارهاب من خلال تتبع شبكات تمويل تلك التنظيمات ومراقبة حركة المتشددين الاجانب..الخ.

رابعاً. التجارة الثنائية والاستثمار: تعدّت صادرات المملكة العربية السعودية إلى الولايات المتحدة عام (2014) مبلغ (٤٧) مليار دولار أمريكي بنسبة ارتفاع ٣٥٪عن عام (2013)، بينما قدرت صادرات الولايات المتحدة إلى المملكة حوالي (18.7) مليار دولار، وتقوم الولايات المتحدة غالباً بإستيراد المنتجات الهايدروكاربونية من المملكة، وتصدر إليها الاسلحة والمعدات والمكائن الصناعية والسيارات، ويرتبط البلدان باتفاقية ثنائية للتجارة والاستثمار، تعقد لجانها اجتماعات دورية لغرض الارتقاء وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين. واثنى الموقع الرسمي للبيت الابيض على جهود المملكة بتحسين نظامها لحقوق الملكية الفكرية الامر الذي يجعل منها جهة استثمارية افضل لرجال الاعمال الاميركيين.

ومن الجدير بالذكر، أن الحكومة السعودية بالاضافة الى الكثير من الشخصيات المتنفذة السعودية وافراد العائلة المالكة يرتبطون بعلاقات وثيقة ويمتلكون استثمارات كبيرة جداً في الولايات المتحدة وقد تتعدى هذه الاستثمارات مئات المليارات من الدولارات، وعلى سبيل المثال يمتلك الامير الوليد بن طلال اسهما عديدة في شركة تويتر (Twitter) للتواصل الاجتماعي وبنك سيتيكروب (Citigroup) العالمي المعروف.

خامساً. التعاون في مجال الطاقة: ان هبوط اسعار النفط في بداية عام 2014، كان له أثر واضح على انخفاض الصادرات النفطية إلى الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ذلك، وإستناداً إلى احصائيات مكتب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تعد السعودية ثاني اكبر مصدر للنفط الخام إلى الولايات المتحدة لغاية شهر آب 2015، بمجموع (1.06) مليون برميل يومياً من أصل (7.66) مليون برميل يومياً من إجمالي واردات الولايات المتحدة للنفط الخام المستورد من الخارج. كذلك يتعاون البلدان على الصعيد الحكومي لتطوير برامج لمصادر الطاقة المتجددة في المملكة، علاوةً على ذلك، تولي الولايات المتحدة أهمية بالغة تجاه العلاقة في مجال الطاقة مع السعودية نظراً لما للأخيرة من ثقل وتأثير مباشر في عمل منظمة الدول المصدرة للنفط (OPEC).

سادساً. التبادل الثقافي: يتجاوز العدد الحالي للطلاب السعوديين في الجامعات الاميركية (80) الف طالباً، واضعاً السعودية في المرتبة الثالثة في عدد الطلاب الاجانب بعد الصين والهند، وان هذا الامر يدر مبلغ يقارب (3) مليارات دولار سنوياً للاقتصاد الاميركي، ومن الجدير بالذكر أنه من المتوقع أن يزيد عدد طلاب المملكة في الولايات المتحدة بنسبة (15٪) خلال عام 2018. أن ارسال الشباب السعودي للدراسة في الولايات المتحدة جاء بقرار حكومي من شأنه إعداد جيل سعودي من قادة المستقبل مثقف بصورة جيدة وأكثر تأثراً واختلاطاً بالثقافة الاميركية.

نقاط الاختلاف:

بالرغم من الانسجام في العلاقات بين البلدين، الا ان هنالك نقاط خلاف بينهما اهمها النزاع الفلسطيني الاسرائيلي وتمويل بعض سعوديين للإرهاب السلفي وقيام المملكة رسميا بتصدير النسخة المتشددة من الدين الاسلامي وانتهاكات حقوق الانسان وبالاخص حقوق المرأة وغياب التمثيل الديمقراطي، وان كل ما تقدم خلق عدد من التوترات بين البلديين في العلاقة عبر السنين، ولكن طبيعة سياسية الولايات المتحدة في المنطقة بعد احداث الربيع العربي ودخولها في مفاوضات مع ايران بشأن الملف النووي والتوصل إلى اتفاق بهذا الصدد مع الاخيرة، ودعوتها للمشاركة في مفاوضات فيينا الخاصة بحل الازمة السورية، كل هذه الملفات اثارت استياء المملكة وزادت من قلقها ازاء حدوث تقارب امريكي ايراني قد يخلق خللاً في توازن القوى في المنطقة على حساب نفوذ السعودية، وخلق تصدعا في العلاقة بين البلدين حسبما يراه الخبراء المعنيين بملف هذه العلاقة، ومع ذلك يبقى في منظور للبلدين اهداف مشتركة في المنطقة اهمها احتواء النفوذ الايراني والحفاظ على استقرار المنطقة من تداعيات الربيع العربي، ولكن مع كل هذا الاتفاق هنالك اختلاف جوهري في تطبيق السياسات وصولاً للاهداف آنفاً.

يرى المحللون في الشأن السعودي ان التغير الاخير في السياسة الخارجية السعودية يعود سببه الى صعود الجيل الجديد من الامراء إلى السلطة وتسنمهم مراكز مؤثرة، ومن ابرز هؤلاء تعيين الامير محمد بن نايف ولياً للعهد، والامير محمد بن سلمان نائباً لولي العهد، ومع ذلك يرى الخبراء ان هؤلاء سيقومون بالحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن وخاصةً في الامور المتعلقة بالقضايا الامنية ومحاربة كيان داعش.

ان انحدار العلاقات بين البلدين يرجع إلى بدايات القرن الحادي والعشرين نتيجةً لبعض الاسباب والاحداث أبرزها:

أ: دخول القوات الاميركية إلى العراق والاطاحة بنظام حكم صدام حسين عام (2003) وتوالي الاحداث بعد ذلك، حيث يرى النظام السعودي أن الحكومة العراقية “موالية للجارة ايران وخاضعة لنفوذها»، وأن الاميركان قاموا بتسليم العراق إلى إيران على طبق من فضة بسبب حدوث فراغ سياسي للقوة بعد انسحاب القوات العسكرية الاميركية عام (2011) تحت إدارة السيد اوباما، ونتيجةً لذلك بدأت المملكة بالشعور بالقلق ازاء الدور الاميركي كحامي ومدافع عن نفوذ المملكة في المنطقة، بينما كانت ترى الادارة الاميركية أن الانسحاب ضروري تحقيقاً للمطالب الجماهير والوعود الانتخابية التي تعهد بها الرئيس اوباما امام الشعب الاميركي، اضافةً الى الاعتقاد الراسخ للإدارة حول تقليص الوجود العسكري الاميركي في المنطقة وتغليب الوجود الدبلوماسي كبديل عن ذلك.

ب: تفاعل ادارة السيد اوباما مع الازمة في سوريا، ومحدودية النفوذ الاميركي في مجريات الاحداث على تلك الساحة السورية الساخنة، وان التفاقم السريع في الازمة خلق فراغاً كبيرا ملأته المليشيات والجماعات المسلحة التي تخوض حروباً بالوكالة عن الاطراف المتنازعة على السيطرة الاقليمية في المنطقة وهي السعودية و دول الخليج المصطفة مع المملكة وتركيا من جهة وروسيا وايران وحزب الله من جهة اخرى حسبما تشير إليه التقارير واراء العديد من الخبراء في هذا الشأن. حيث يرى السعوديون ان بقاء الرئيس بشار الاسد في السلطة من شأنه أن يخدم النفوذ الايراني المتزايد في المنطقة وتصدير الثورة إلى دول المنطقة، وهو امر يشكل خطراً كبيراً على الامن القومي السعودي والنفوذ العسكري والاجتماعي والسياسي للسعودية (التي ترى نفسها قائدة العالم السُني)، وان محاولات وزير الخارجية آنذاك المرحوم الامير سعود الفيصل ارادت اقناع الجانب الاميركي بالمساهمة في ازالة الاسد عن السلطة باءت بالفشل، وعلاوةً على ذلك قيام الرئيس اوباما بإنتقاد الدور السعودي في عدم بذل ما يكفي لمكافحة الحركات الارهابية التي زاد نشاطها في ظل تفاقم الازمة في سوريا وزيادة حدة التوتر الطائفي على صعيد المنطقة بل وحتى الاشارة في بعض المناسبات والمقابلات الصحفية الى الدعم السعودي لتلك الحركات.

ج: بروز كيان داعش الارهابي كأشد التنظيمات الارهابية خطورةً وعنفاً واكثرها تنظيماً وتمويلاً، نتيجةً لعدد من العوامل المباشرة وغير المباشرة ابرزها: الازمة في سوريا وتصعيد الخطاب الطائفي وتزايد ظاهرة التطرف العنيف..الخ. الأمر الذي اثار قلق ادارة اوباما ازاء هذا الخطر المتزايد وخاصةً بعد قيام ذلك الكيان بتبني عدد من الهجمات الارهابية تعدت النطاق الاقليمي الى النطاق الدولي، وانضمام عدد كبير من المقاتلين إلى صفوفه من مواطني دول اوروبية وآسيوية وامريكا.

واستجابة لهذا الخطر المحدق، شكلت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً يضم في عضويته اكثر من سبعين دولة، من ضمنها المملكة العربية السعودية، مهمته الاساسية “ الحاق الضرر والحد من قدرات التنظيم المالية والعسكرية واللوجستية وبالنهاية هزيمة كيان داعش الارهابي»، وهنا يتضح ظهور خلاف جديد بين الطرفين الاميركي والسعودي، حيث يرى السعوديون ان كيان داعش هو تحد طويل الامد لأمن المملكة، وليس آنياً او مباشراً، ويشير المراقبون إلى عدم قيام السعودية برفع درجة التأهب الامني داخل المملكة كإجراء احترازي لهجمات قد يقوم بها التنظيم، ثقةً منهم بأنهم قد ازالوا خطر القاعدة بصورة نهائية في منتصف العقد الماضي، وفي نفس السياق، يرى الجانب الاميركي أن خطر داعش هو خطر مباشر وان القضاء عليه يجب ان يكون من خلال تضافر الجهود الدولية بصورة عاجلة من خلال محاربة شبكات تمويله ومصادر التجنيد والقضاء على المسببات الاجتماعية والدينية والسياسية، وخاصةً في دول المنطقة من خلال اجراء اصلاحات في انظمة الحكم لتلك الدول.

د: توصل الولايات المتحدة والقوى الدولية (P5+1) إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الايراني، حيث ترى ادارة الرئيس اوباما هذا الأمر نصراً دبلوماسياً تاريخاً وإنها على ثقة راسخة بأن هذه الاتفاقية ستحد من قدرة ايران على امتلاك سلاح نووي وانخراطها بشكل صحيح في المجتمع الدولي في حال عدم الاخلال ببنود الاتفاق، حيث وصفت الادارة الاميركية الجانب الايراني بالواقعية والبراغماتية في التعامل. وعلى الرغم من تصريحات الرئيس اوباما بأن الولايات المتحدة لن ترفع تلك العقوبات المتعلقة بقيام ايران بدعم نشاطات وجهات ارهابية، الا ان العديد من الخبراء يرون في هذا الامر تقارباً بين واشنطن وطهران قد يؤدي في نهاية المطاف إلى ميلان وتعاون بل وحتى صداقة بين الطرفين (على المدى البعيد) مغيراً بذلك معادلة القوى في المنطقة بشكل درامي، وهذا بالضبط ما يثير مخاوف وقلق المملكة العربية السعودية التي اصبحت في موضع شك وعدم ثقة بالإدارة الاميركية الحالية بالرغم من عقد قمة كامب ديفيد منتصف ٢٠١٥بين الولايات

المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي وزيارة العاهل السعودي إلى واشنطن عام (٢٠١٥) وطمأنة الرئيس اوباما في اكثر من مناسبة بأن هذه الاتفاقية لا تعني تحولاً امريكياً نحو طهران على حساب علاقتها الاستراتيجية بالسعودية.

ه: مما تجدر الاشارة اليه، ان بعضاً من الباحثين الاميركيين يرون بأن قيام عدد من دول الخليج بالأخص بمعاملة مواطنيهم من الشيعة كمواطنين من الدرجة الثانية هو أمر يجعل من هؤلاء اكثر عرضةً إلى النفوذ الايراني وبالتالي تهديدا من تلك الدول ونظام حكمها، ويُقال انه في بعض الاحيان قام الجانب الاميركي بإثارة تلك النقاط مع مسؤولين سعوديين الامر الذي اثار امتعاض الرياض، وفي خضم ذلك، دشنت المملكة العام (٢٠١٦) باعدام (٤٧) سجيناً ممن وصفتهم بالارهابيين، ومن ضمنهم رجل الدين الشيعي الشيخ نمر باقر النمر، مثيرين بذلك قلقاً غربياً وامريكياً ازاء هذا الاجراء الذي من شأنه تأجيج التوتر الطائفي في المنطقة، واحتجاجاً على اعدام النمر، قام عدد من المتظاهرين في طهران بالهجوم على السفارة السعودية وتخريبها، الامر الذي دفع المملكة إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، واثار قلق المراقبين بشأن اتجاه المنطقة نحو التصعيد وخاصةً بعد دخول الاتفاق النووي الايراني حيز التنفيذ ورفع العقوبات الاقتصادية واطلاق مبلغ بالمليارات الدولارات من الارصدة الايرانية المجمدة، حيث يرى العديد من الخبراء الاميركان ان ايران ستستخدم تلك الاموال لزيادة نشاطاتها في المنطقة. وقيام السعودية بتشكيل تحالف عربي للقضاء على الحوثيين في اليمن، يمثل تحولاً جديداً لتحقيق مصالحها في المنطقة تصدياً للنفوذ الايراني المتزايد، ويرى بعض الخبراء ان هذه الخطوة تعني ان السعودية لن تعد مقيدة كاملا بتحالف أمريكي، وبالرغم من وجود دعم في العتاد والمعلومات الاستخبارية واللوجستية من قبل الجانب الاميركي الا ان ادارة الرئيس اوباما تواصل ضغطها على المملكة لإنهاء الحرب بواسطة الطرق السياسية السلمية، وخاصةً ان هذا النزاع الذي يكلف السعودية مبلغ (200) مليون دولار يومياً، وصل الى طريق مسدود وأن تحقيق النصر من قبل هذا التحالف بات امراً غير واقعي حسب رأي اغلب الخبراء الاميركان، وفي هذا الصدد، تتعرض المملكة الى انتقادات دولية واسعة نظراً لوقوع عدد كبير من الخسائر البشرية ضمن صفوف المدنيين الابرياء.

استنتاجات وتوقعات:

كما لاحظنا اعلاه، ان الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ترتبطان بعلاقات وثيقة وخاصةً في مجالات الامن والدفاع والاستثمارات، حيث وفرت في الجانب العسكري والامني الولايات المتحدة برامج تدريب طويلة الامد للمملكة وتزويدها بأسلحة ومعدات عسكرية بمبالغ ضخمة، اضافةً إلى برامج لتطوير البنية التحتية الامنية وقدرات المملكة في مكافحة الارهاب، وأن هكذا علاقات سيكون من الصعب والمُكلف انهاؤها واستبدالها بالنسبة الى الطرفين، وان المسؤولين في كلا البلدين سيسعون إلى توثيق هذه العلاقة بالرغم من المطبات التي تواجهها.

ان بروز تهديد كيان داعش الارهابي في المنطقة يُمثل تهديدا مشتركا وفرصةً لتوسيع نطاق التعاون الامني لكلا الطرفين، بالرغم من اختلاف الاولويات حول طريقة مكافحة هذا التنظيم وبالتالي دحره، كما أن بروز عدد من المتغيرات في المعادلة الاقليمية أهمها التوصل الى اتفاق نووي مع ايران، الذي تبعته ردود افعال سعودية، تعبر عن مدى قلق المملكة من هذه الخطوة حيث عبرت المملكة عن خيبة املها من الادارة الاميركية، وتوجهت نحو تصعيد الوضع من خلال تشكيل تحالف عسكري للتدخل في اليمن، وكنتيجةً لذلك قامت الادارة الاميركية بتوجيه انتقادات عديدة لسياسات المملكة، الامر الذي يشير إلى ان واشنطن ترى تهوراً وضعف النظرة المنطقية في سياسات السعودية، واعتماداً على تلك الفرضية، ترى بعض النخب الفكرية ان طلب واشنطن لود طهران، التي تنظر اليها كأفضل دولة مؤسساتية تتمتع بالاستقرار في المنطقة، في الوقت الذي يساورها القلق من المسلك السعودي بتأجيج الخلافات واللعب على حافة الهاوية بل وحتى تعمد تأجيج الصراع مع طهران استناداً لبعض المحللين.

في خضم تلك الاحداث، فأنه من المنصف التنبؤ بأن المنطقة تتجه نحو تصعيد وتخندق طائفي اكثر، وأن بوادر الولايات المتحدة لحل الازمة في سوريا بصورة سلمية قد تواجه بعض الفشل في حال زيادة دعم السعودية لفصائل المعارضة بشكل اكبر وكذلك قيام ايران بتكثيف دعمها لنظام بشار الأسد وبالتالي زيادة نزيف الدم وتدفق المهاجرين الى الدول المجاورة وقارة اوروبا. علاوةً على ذلك، فأن استمرار تدخل المملكة العربية السعودية في اليمن دون حسم النزاع بصورة سلمية سوف يدفع الجمهورية الاسلامية الايرانية الى زج نفسها بصورة أكبر في هذا النزاع.

يرى البعض في واشنطن ان الادارة الاميركية في حيرة من امرها اذ ليس بمقدورها توجيه ادانة علنية لبعض سياسات السعودية كإعدام رجل الدين نمر النمر ومن ثم تقويض مكانة القيادة السعودية الهشة وهي بحاجة ماسة إليها للاصطفاف إلى جانبها في محاربة كيان داعش، وطمعها في الحفاظ على العلاقة الخاصة التي تربط الطرفين. بالمقابل، ميلها للوصول لتفاهم مع ايران، وما ينطوي عليه من كلفة باهظة في التوازنات الاقليمية الراهنة على الرغم من وجود رغبة مشتركة لتهدئة العلاقة بين ايران والولايات المتحدة بعد عقود طويلة من عدم الثقة المتبادلة والعداء المعلن.

صفي نهاية المطاف، أن المتغيرات الاقليمية في المنطقة عديدة وانه من الصعب جداً وضع رؤية جازمة حول مجريات الاحداث وتوقع تغير التحالفات في ظل كل ما يجري، ولكن من الجدير بالذكر، ان الولايات المتحدة والسعودية ترتبطان بعلاقات ثنائية تاريخية ومتعددة الجوانب على اساس مصالح مشتركة، وانه من المستبعد انهاء هذه العلاقة بين ليلة وضحاها حتى وأن كانت هنالك رغبة آنية او تغيير قناعات من قبل الادارة الاميركية او السعودية، فيجب ان لا ننسى ان الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات وان آلية اتخاذ قرار فيها يخضع لسلسلة اجراءات بيروقراطية مطوّلة ودراسات ستراتيجية معمقة، وان قرار تغيير مسار العلاقات بين البلدين يجب ان يتم على اساس توافق وتناغم تام بين الادارة الاميركية ومؤسسات الدفاع (البنتاغون) والاستخبارات (وكالة الاستخبارات المركزية) ومستشارية الامن القومي ووزارة الخارجية الاميركية والقطاع الخاص (رجال الاعمال والمستثمرين وشركات النفط…الخ)، وعليه فان تلك العملية تحتاج الى وقت طويل، وان النظريات حول تحالف امريكي ايراني على حساب التحالف السعودي مرهونة بتوجهات ونظرة الادارة الاميركية القادمة التي ستستلم زمام السلطة التنفيذية بداية العام القادم (2017) ناهيك عن اعتماد هذا التحالف الجديد على التغيير في سياسيات الايران الخارجية باتجاه الولايات المتحدة.

* الدكتور لقمان الفيلي باحث مشارك في ملتقى النبأ للحوار وسفير العراق السابق لدى الولايات المتحدة الامريكية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0