اعتاد الإنسان تصور الكون موجوداً داخل مكان واسع وممتد، غير أن نقل هذه الصورة المألوفة إلى الكون كله يوقع العقل في مشكلة فلسفية. إن الأطروحة الفلسفية الأكثر انسجاماً مع الفيزياء الحديثة تؤكد أن المكان والزمان ليسا وعاءين مستقلين يجري فيهما الكون، بل هما خاصيتان وبُعدان من أبعاد بنيته الفيزيائية؛ فالمكان يوجد بوجود الكون، ولا وجود لزمان سابق لنشأته...
اعتاد الإنسان أن يتصور الكون موجودًا داخل مكان واسع، وأن يتخيل هذا المكان ممتدًا إلى ما وراء النجوم والمجرات، بحيث يستطيع أن يسأل عن نهايته، وعن المسافة التي تفصل بين حدوده وبين ما يقع خارجها. وقد نشأ هذا التصور من خبرة الإنسان اليومية بالأشياء، فكل جسم نعرفه يحتل حيزًا من المكان، وكل حركة نشاهدها تقع داخل فضاء يحتوي الأجسام ويسمح بانتقالها من موضع إلى آخر. غير أن نقل هذه الصورة المألوفة إلى الكون كله يوقع العقل في مشكلة فلسفية أساسية، لأنه يفترض أن الكون، بوصفه مجموع البنية الفيزيائية التي نعرفها، موجود داخل وعاء مكاني مستقل عنه، مع أن المكان نفسه قد يكون أحد الأبعاد البنيوية لذلك الكون.
أنطلق هنا من أطروحة فلسفية أرى أنها أكثر انسجامًا مع التصور الفيزيائي الحديث للكون، ومفادها أن المكان خاصية من خصائص الكون، وليس شيئًا مستقلًا عنه، وأن الكون لا يوجد في المكان، وإنما يوجد المكان بوجود الكون. وينطبق هذا التصور على الزمان أيضًا، فالزمان ليس نهرًا مستقلًا يجري فيه الكون، وإنما هو بُعد من أبعاد بنيته الفيزيائية، تتحدد في إطاره العلاقات الزمنية بين الأحداث والتحولات. وبذلك تسقط الثنائية المتخيلة بين الكون والمكان، كما تسقط الثنائية المماثلة بين الكون والزمان، لنكون أمام بنية كونية واحدة تتضمن المادة والطاقة والحقول والمكان والزمان والعلاقات الفيزيائية التي تنتظم بها.
من المكان المطلق إلى الزمكان
لم يكن هذا التحول في فهم المكان والزمان وليد التفكير الفلسفي المعاصر وحده، فقد عرف تاريخ الفلسفة نقاشًا طويلًا حول ما إذا كان المكان حقيقة مستقلة عن الموجودات، أم أنه يتحدد بالعلاقات القائمة بينها. وفي العصر الحديث برز هذا الخلاف بصورة واضحة بين إسحاق نيوتن، الذي تبنى تصور المكان والزمان المطلقين في بنائه الفيزيائي، وغوتفريد لايبنتز، الذي دافع عن فهم علائقي للمكان والزمان، يجعل العلاقات بين الموجودات أساسًا لتحديد المواضع والترتيب.
ثم جاءت نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين سنة 1915 لتحدث تحولًا جذريًا في التصور الفيزيائي للمكان والزمان. فلم يعد الزمكان مجرد إطار ثابت تقع فيه الأحداث، بل أصبح ذا هندسة ديناميكية ترتبط بالمادة والطاقة، وتتجلى خصائصه في ظواهر الجاذبية وحركة الأجسام والضوء والتطور الكوني. وقد أتاح هذا التحول النظري ظهور النماذج الكونية الحديثة التي تصف تمدد الكون بوصفه تطورًا في هندسة الزمكان، وليس حركة جسم كوني ضخم داخل فضاء خارجي ثابت.
وهنا تتضح أهمية التمييز بين حركة الأجسام داخل المكان وتمدد الكون نفسه. فعندما تتحرك مجرة بالنسبة إلى مجرة أخرى، يمكن وصف حركتها ضمن إطار فيزيائي مناسب، أما التمدد الكوني على المقاييس الكبرى فيتعلق بتغير المسافات بين المناطق التي تتحرك مع التمدد العام للكون. ومن ثم فإن القول إن الكون يتمدد لا يقتضي وجود مكان آخر يتمدد فيه، لأن التمدد يتعلق بالبنية المكانية للكون ذاته.
وتشير التقديرات الكونية المعاصرة إلى أن عمر الكون يبلغ نحو 13.8 مليار سنة، بينما يبلغ نصف قطر الكون المرئي، محسوبًا بالمسافة الحالية إلى أبعد المناطق التي يمكن أن تصلنا منها المعلومات، نحو 46 مليار سنة ضوئية. ويعود الفرق بين المسافتين إلى أن الفضاء استمر في التمدد خلال رحلة الضوء إلينا، الأمر الذي يجعل المسافة الحالية إلى المنطقة التي صدر منها الضوء أكبر بكثير من المسافة التي كانت تفصلنا عنها عند انطلاقه.
ولا تعني هذه الأرقام أننا اكتشفنا حافة الكون، وإنما تعني أننا حددنا نطاقًا للرصد تفرضه سرعة الضوء وتاريخ التمدد الكوني. فالكون المرئي ليس بالضرورة الكون كله، وحدوده ليست جدارًا يفصل الوجود عن فراغ خارجي، وإنما هي حدود وصول المعلومات إلينا.
الكون لا يحتاج إلى مكان يحتويه
تسمح هذه المعطيات بتطوير أطروحة فلسفية تتجاوز الصورة التقليدية للمكان. فإذا كان المكان من خصائص الكون الفيزيائي الذي نعرفه، فإن البحث عن مكان يوجد فيه الكون كله ينطوي على نقل علاقة صحيحة داخل الكون إلى مستوى لا يصح تطبيقها عليه بالطريقة نفسها. فالأرض توجد في الفضاء المحيط بها، والمجموعة الشمسية تقع داخل المجرة، والمجرة تقع ضمن البنية الكونية الكبرى، لكن الكون بوصفه مجموع هذه البنية لا يحتاج إلى وعاء مكاني آخر لكي يتحقق وجوده.
ومن هنا فإن عبارة «خارج الكون» تفقد معناها المكاني ضمن هذا التصور، لأن الخارج يفترض امتدادًا مكانيًا يقع وراء الشيء الذي نتحدث عنه، بينما المكان نفسه داخل في تعريف الكون موضوع البحث. وهذا لا يستلزم إصدار حكم على إمكان وجود حقائق أخرى مختلفة عن البنية الفيزيائية التي نعرفها، لأن تلك مسألة مستقلة لا تدخل في نطاق هذه الأطروحة.
وأرى أن العبارة الأكثر دقة للتعبير عن هذه العلاقة هي: الكون لا يوجد في المكان، بل المكان يوجد بالكون؛ والكون لا يتمدد في المكان، بل تتطور بنيته المكانية بتمدده.
وتحتاج هذه العبارة إلى فهم دقيق، فالمقصود بوجود المكان بالكون ليس أن المادة وحدها تنتج المكان إنتاجًا مباشرًا، ولا أن الزمكان يستحيل وصفه في غياب المادة، وإنما أن المكان الذي نتحدث عنه يمثل جانبًا بنيويًا من العالم الفيزيائي، ولا نفترض وراءه وعاءً مطلقًا مستقلًا يحتوي العالم كله. كما أن التمدد لا يعني بالضرورة خلق نقاط مكانية جديدة عند حدود الكون، وإنما يعني تغير العلاقات الهندسية والمسافات الكونية وفق تطور الزمكان.
هل بدأ الزمان مع الكون؟
تزداد المسألة عمقًا عندما ننتقل من طبيعة المكان إلى أصل الزمان. فإذا أخذنا بالنموذج الكوني الذي يصف تطور الكون من حالة مبكرة شديدة الحرارة والكثافة، أمكننا تتبع تاريخه إلى مراحل بالغة القرب من بداية التمدد الذي نعرفه. لكن هذا النموذج لا يحسم بمفرده مسألة البداية المطلقة للوجود الفيزيائي، لأن وصف المراحل الأولى جدًا يحتاج إلى نظرية مكتملة للجاذبية الكمومية لم تتوافر بعد.
ومع ذلك، يمكن أن نتبنى فرضية فلسفية واضحة، مفادها أنه إذا كانت نشأة الكون الفيزيائي هي أيضًا بداية الزمكان، فإن الزمان والمكان قد بدآ مع الكون نفسه، ولم يكن هناك زمان سابق تجري فيه عملية نشأته، ولا مكان سابق تقع فيه تلك العملية.
هذه الفرضية تغير طبيعة السؤال عن أصل الكون. فعندما نسأل عما حدث قبل نشأة الزمان، فإننا نستعمل مفهوم «قبل» الذي لا يكتسب معناه الزمني إلا بوجود الزمان. وكذلك عندما نسأل عن الموضع الذي نشأ فيه الكون، فإننا نفترض مكانًا سابقًا على نشأة المكان. وفي الحالتين نكون قد استعملنا مفاهيم نشأت ضمن البنية الكونية لتفسير أصل تلك البنية، من دون أن نتحقق من صلاحية استعمالها خارج نطاقها.
وقد سبق الفيلسوف واللاهوتي أوغسطين، في كتابه «الاعترافات»، الكتاب الحادي عشر، إلى معالجة هذه المشكلة من منظور لاهوتي وفلسفي. فقد رأى أن الله خالق الزمان نفسه، وأن السؤال عما كان يفعله قبل خلق العالم يفترض وجود زمان سابق على الخلق، بينما لا معنى لهذا الافتراض إذا كان الزمان قد نشأ مع العالم. وتظل مساهمة أوغسطين مهمة لأنها تكشف أن مشكلة البداية الزمنية ليست مجرد مسألة حديثة أثارتها نظرية الانفجار العظيم، وإنما هي مشكلة فلسفية قديمة تتعلق بطبيعة الزمان وحدود المفاهيم التي يستعملها العقل في فهم الوجود.
غير أن الأطروحة التي أعرضها هنا تنطلق من تحديد مختلف لموضوع البحث، إذ تجعل الكون الفيزيائي الذي نعرفه نقطة البداية، وتتعامل مع المكان والزمان بوصفهما خاصيتين بنيويتين له، ثم تبحث في النتائج الفلسفية التي تترتب على افتراض بداية هذه البنية.
الأسبقية الوجودية والأسبقية الزمانية
إذا كان الزمان قد بدأ مع الكون، فإن القول إن الله أوجد الكون يقتضي التمييز بين نوعين من الأسبقية: الأسبقية الزمانية والأسبقية الوجودية. فالأسبقية الزمانية تعني أن حدثًا وقع قبل حدث آخر داخل تسلسل زمني، أما الأسبقية الوجودية فتعني أن وجود شيء متوقف على علة أو أساس وجودي، من دون أن يكون هذا التوقف مشروطًا بفاصل زمني.
وقد تناول ابن سينا هذه المسألة في فلسفته الميتافيزيقية، ولا سيما في بحث العلة والمعلول والواجب والممكن، حيث ميز بين تقدم العلة من حيث الوجود وتقدمها من حيث الزمان. وقد أتاح له هذا التمييز تصور اعتماد العالم في وجوده على علته الأولى من دون اشتراط بداية زمنية للعالم. وكان ابن سينا يتبنى تصورًا لقدم العالم يختلف عن فرضية البداية الزمنية التي نبحثها هنا، لكن تمييزه بين الأسبقية الوجودية والأسبقية الزمانية يظل أداة فلسفية مهمة لفهم العلاقة بين الخالق والكون.
ويكتسب هذا التمييز بين الأسبقية الوجودية والأسبقية الزمانية عمقًا إضافيًا عند الرجوع إلى التراث الفكري الإسلامي، ولا سيما ما ورد في نهج البلاغة من كلام الإمام علي بن أبي طالب في تنزيه الله عن أحكام الزمان والمكان. فقد جاء في الخطبة السادسة والثمانين بعد المئة قوله: «لا تصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله»، وهو نص يقرر أن الوجود الإلهي لا يخضع للزمان، وأن أزلية الله لا تعني امتداد وجوده عبر زمن لا بداية له، وإنما تعني أن وجوده غير محكوم بالزمان أصلًا. ويؤكد الإمام هذا المعنى في الخطبة الأولى حين يقول: «ومن قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه»، فينفي خضوع الذات الإلهية للاحتواء المكاني، كما ينفي خضوعها للحدود التي تحكم الموجودات المخلوقة. ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين الله والكون على أساس أن الله سبحانه وتعالى أزلي الوجود، لا بداية لوجوده، ولا يخضع للزمان والمكان اللذين خلقهما، وأن أسبقيته للكون أسبقية وجودية وليست أسبقية زمنية.
وإذا أخذنا بالفرضية القائلة إن نشأة الكون الفيزيائي هي بداية الزمان والمكان، فإن الأمر الإلهي «كن فيكون» يعبر عن أصل إيجاد الكون بكل أبعاده، من دون أن نفترض زمانًا سابقًا وقع فيه الأمر الإلهي أو مكانًا خارج الكون تحقق فيه الخلق. وهكذا يلتقي التصور القرآني للأمر الإلهي مع التنزيه الذي قرره الإمام علي، في إطار رؤية ميتافيزيقية متماسكة تميز بين أزلية الخالق وحدوث العالم، وتحافظ على الاختلاف الجوهري بين الوجود الإلهي والوجود الفيزيائي.
إن الله سبحانه وتعالى أزلي الوجود، لا بداية لوجوده ولا يخضع للزمان، لأنه خالق الزمان والمكان، فلا تجري عليه أحكام القبل والبعد التي تحكم الموجودات الزمنية. ومن ثم فإن أسبقيته للكون أسبقية وجودية، وليست أسبقية زمنية، لأن الزمان نفسه، وفق الفرضية التي نبحثها، قد بدأ مع نشأة الكون. وهذا التمييز يسمح لنا بفهم الخلق بوصفه علاقة إيجاد وافتقار وجودي، لا بوصفه تعاقبًا زمنيًا بين وجود الخالق ووجود المخلوق، ويحفظ في الوقت نفسه الفارق الجوهري بين أزلية الله وحدوث الكون الفيزيائي.
((كن فيكون)): الأمر الإلهي وأصل الوجود
يقدم القرآن الكريم تعبيرًا بالغ الكثافة عن العلاقة بين الإرادة الإلهية والإيجاد، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة: 117).
وأرى أن هذا التعبير يتيح بناء تصور ميتافيزيقي لأصل الكون، يقوم على أن الأمر الإلهي هو مبدأ الإيجاد، وأن الكون بكل ما يتضمنه من مادة وطاقة ومكان وزمان قد تحقق بالإرادة الإلهية. ويمكن التعبير عن هذه الرؤية بالقول: حين قال الله للكون «كن»، كان الكون، وكان معه الزمان والمكان.
غير أن كلمة «حين» هنا لا تدل على لحظة زمنية سابقة على وجود الزمان، وإنما تستعمل للتعبير عن العلاقة بين الأمر الإلهي وتحقق الوجود، وهي علاقة لا نعرف حقيقتها الإلهية ولا الكيفية التي يقع بها الإيجاد.
وليس من الضروري أن نفهم «كن» بوصفها كلمة صوتية مؤلفة من حروف تنطلق في وسط مادي، لأن الصوت والحروف المنطوقة والتعاقب الزمني الذي تتطلبه كلها من خصائص العالم الذي نتحدث عن أصل إيجاده. ومن ثم فإن تفسير الأمر الإلهي بمقاييس الكلام البشري يوقعنا في المشكلة نفسها التي يقع فيها من يتخيل الكون ناشئًا داخل مكان سابق عليه.
إن حقيقة «كن» الإلهية ليست معلومة لنا من حيث الكنه، لكن دلالتها القرآنية على نفاذ الإرادة الإلهية وتحقق متعلقها واضحة. وقد استعمل القرآن هذا التعبير في سياقات متعددة، منها الحديث عن خلق عيسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59). ولذلك فإن «كن فيكون» تعبر عن مبدأ عام في الإيجاد الإلهي، ولا يصح حصرها في وصف لحظة الانفجار العظيم.
وعلى هذا الأساس يمكن فهم نشأة الكون الفيزيائي بوصفها أحد مصاديق تعلق الإرادة الإلهية بالوجود، من دون أن ندعي أن القرآن يقدم وصفًا فيزيائيًا للانفجار العظيم، أو أن النظرية الفيزيائية قد اكتشفت الكيفية التي يتحقق بها الأمر الإلهي.
بين التفسير الفيزيائي والتفسير الميتافيزيقي
تقوم العلاقة بين التفسير الفيزيائي والتفسير الميتافيزيقي على التمييز بين مستويين من المعرفة يتناولان الكون من جهتين مختلفتين. فالفيزياء تدرس البنية الكونية وقوانينها وتاريخ تطورها، وتحاول تفسير الظواهر من خلال العلاقات الطبيعية التي يمكن اختبارها ورصد آثارها. أما الميتافيزيقا فتبحث في الأساس الوجودي لهذه البنية، وفي معنى اعتماد الموجود الممكن على علة وجوده.
ولا يقتضي هذا التمييز أن تتوقف الفيزياء عند مرحلة معينة ثم تتسلم الميتافيزيقا مهمة تفسير ما عجز العلم عن تفسيره، لأن المعرفة الفيزيائية تتطور باستمرار، وقد تتمكن مستقبلًا من وصف مراحل أقدم من تلك التي تستطيع دراستها اليوم. وإنما يتعلق الاختلاف بطبيعة السؤال نفسه؛ إذ إن تفسير كيفية تطور الكون وفق قوانينه لا يساوي بالضرورة تفسير سبب وجود الكون وقوانينه أصلًا.
ومن هنا فإن الربط بين نظرية الانفجار العظيم ومفهوم «كن فيكون» لا ينبغي أن يقوم على المطابقة بينهما. فالانفجار العظيم نموذج فيزيائي لتطور الكون المبكر، أما الأمر الإلهي فهو، في الرؤية القرآنية، تعبير عن أصل الإيجاد ونفاذ الإرادة الإلهية. ويمكن أن يكون الكون قد مر بالمراحل التي تصفها الفيزياء، وأن تكون هذه المراحل جميعها داخلة في النظام الذي تحقق بالإرادة الإلهية، من دون أن تتحول الإرادة الإلهية إلى قوة فيزيائية إضافية داخل معادلات الكون.
وتسمح هذه الرؤية بتجنب خطأين متقابلين: تحويل النص الديني إلى نظرية علمية تتغير صحتها بتغير النماذج الفيزيائية، وتحويل العلم الطبيعي إلى فلسفة شاملة تدعي الإجابة عن كل سؤال يتعلق بأصل الوجود ومعناه.
وحدة الكون والمكان والزمان
تفضي هذه المعالجة إلى تصور فلسفي يقوم على وحدة البنية الكونية، بمعنى أن المكان والزمان ليسا حقيقتين منفصلتين عن الكون الفيزيائي الذي نعرفه، وإنما هما من أبعاده التكوينية. فالكون ليس جسمًا موضوعًا داخل مكان، ولا حادثة وقعت داخل زمان مستقل عنه، وإنما هو الوجود الفيزيائي الذي تتحقق فيه العلاقات المكانية والزمانية.
وإذا افترضنا أن لهذا الكون بداية مطلقة، فإن تلك البداية تشمل المكان والزمان معًا، بحيث لا تكون نشأته انتقالًا من موقع إلى موقع، ولا حدثًا وقع بعد انتظار زمني سابق. وفي التصور الإيماني الذي أتبناه، فإن أصل هذا الوجود هو الأمر الإلهي الذي يعبر عنه القرآن بقوله «كن فيكون»، مع الاعتراف بأن حقيقة هذا الأمر وكيفية تعلق الإرادة الإلهية بالوجود تتجاوزان حدود معرفتنا.
إن هذه الرؤية تستفيد من التراث الفلسفي السابق، ولا سيما معالجة أوغسطين لنشأة الزمان، وتمييز ابن سينا بين الأسبقية الوجودية والأسبقية الزمانية، والتنزيه الإلهي الذي قرره الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة، كما تستفيد من التحول الذي أحدثته النسبية العامة في فهم الزمكان، لكنها تجمع هذه العناصر في تصور يتخذ من وحدة الكون والمكان والزمان أساسًا لفهم النشأة الكونية وعلاقتها بالأمر الإلهي.ش
وبذلك أصل إلى الأطروحة التالية: الكون لا يوجد في المكان، لأن المكان خاصية من خصائص الكون؛ والكون لا يجري داخل زمان مستقل عنه، لأن الزمان بُعد من بنيته؛ وإذا كانت نشأة الكون هي بداية الزمكان، فإن المكان والزمان قد تحققا مع تحقق الكون نفسه. أما أصل هذا التحقق، في الرؤية القرآنية، فهو الأمر الإلهي «كن فيكون»، الذي نعرف دلالته على الإيجاد ولا نعرف كنهه الإلهي.
إنها رؤية تضع العلم والفلسفة والإيمان في علاقة تكامل معرفي، يحافظ كل منها فيها على مجاله وحدوده، وتفتح أمام العقل مجالًا لفهم الكون بوصفه وحدة فيزيائية متكاملة، لا وجودًا يتحرك داخل وعاء مكاني وزماني مستقل عنه، وبوصفه، في الوقت نفسه، وجودًا يستدعي السؤال الفلسفي عن أصل تحققه، وعن العلاقة بين قوانينه الطبيعية والأساس الوجودي الذي يقوم عليه.



اضف تعليق