الحديث عن النظرية الكمومية، بعد أكثر من مئة عام على انتشارها، وبالتحديد في عام 1900 يشبه الحديث عن الأمور الخارجة عن العقل، عن الجنّ والأرواح الشيطانية مثلاً، عن أمورٍ ميتافيزقية أو ما وراء الطبيعة، فهي تصفع قوانين المنطق بشكل مباشر، وتتعارض مع الفيزياء الكلاسيكية التي نعيشها كلّ يوم.

هو عالم احتماليّ، بعيد عن الواقع الذي نعيشه، مدهشٌ لدرجة الشكّ في الوعيّ الإنساني، هل هذا الوعي هو نتيجة الكمّ، أم الكمّ نتيجة له؟! هذه التناقضات والتخمينات التي أثارتها النظرية الكمومية دفعت أحد أهمّ رواد هذه النظرية، وهو نيلس بور أن يقول: إنّ أي شخص لم تصدمه النظرية الكمّية فهو لم يفهمها بعدُ.!

إذن فهي نظرية تصدمك، لأنها تجعلك تعيش حالة الاحتمالات، بحيث يفصل بينك وبين عالمها سِتار، لا تستطيع أن تتكهّن بما يجري وراءه إلا إذا رفعته!

الوعي والنظرية الكمومية

الوعي الإنساني ما زال حتى الآن لغزاً من ألغاز العلم، فهو بتعريف بسيط الإحساس الداخلي بالوجود، فأنت تشعر بوجودك، تشعر بوجود الأشياء من حولك، لم يفهم العلماء حتى هذه اللحظة جوهر الوعي الإنساني، فمنهم من قال إن الوعي هو الحالة العقليّة التي يتم من خلالها إدراك الواقع والحقائق الّتي تجري من حولنا.

ومنهم من قال إنّ الوعي كلمة تعبّر عن حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك، وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجيّ، عن طريق منافذ الوعي التي تتمثّل عادة بحواس الإنسان الخمس، ومنهم من قال أنّ الوعي مستويات، فقد تكون بعض الحيوانات – حسب تعقيد تطورها – لها وعي محدود بما حولها، واعتبرت الفلسفة أنّ الوعي هو جوهر الإنسان، وخاصيته التي تميزه عن باقي الكائنات الحية الأخرى، حيث إنّ الوعي يصاحب كلّ أفكار الانسان وسلوكه، وبالنسبة للنظرية الكمومية فقد تتالت التكهّنات الفلسفية، وارتباطها بالوعي البشري بعد التجارب التي أجرتها العلماء.

تطبيقاتُ النظرية الكمومية

النظرية الكمومية مع عدم قدرتها على تفسير كلّ شيء، لكنّها في نفس الوقت أعطت البشرية تقنيات هائلة، فالمصباح الكهربائيّ، وكلّ الأدوات الإلكترونية من هواتف، وأجهزة التلفزة، وحواسيب محمولة وغير محمولة، وأشعة الليزر، والأجهزة الطبية الحديثة؛ وجميع النعم التي تعيشها الآن هي من إنجازات هذه النظرية، والحديث جارٍ الآن عن بناء الحاسب الكمومي، والذي إن تم إنشاءه فستكون الحواسب الحالية بمثابة العربة البخارية أمام السيارات ووسائل النقل الحديثة؛ بل أكثر من ذلك، حيث ستزيد سرعته ملايين المرات عن الحواسيب الحالية الفائقة السرعة.

من الناحية البيولوجية فقد وجد باحثون على آثار كمومية على الكائنات الحية، حيث تشير الأدلة أنّ النظم البيولوجية تستخدم ظواهر ميكانيكا الكم في عدة جوانب، عملية البناء الضوئي على سبيل المثال، حيث تساهم التأثيرات الكمية على تحويل أشعة الشمس لصنع السكريات في عملية التمثيل الضوئي، لاحظ العلماء أيضًا أنّ الطيور المهاجرة لديها بوصلة كمّية خاصة، تمكّنها من استغلال المجال المغناطيسي للأرض والملاحة، كما أنّ حاسة الشم لدى الإنسان تستند على إحدى أهم خصائص ميكانيكا الكم، فقد كان يُعتقد أنّ حاسّة الشم تعتمد على شكل الجزيئات، لكنّ النظرية الجديدة التي وضعها العالم لوكا تورين، تقول إنّ اهتزازات الجزيئات هي المسؤولة عن حاسة الشم، واختلاف الاهتزاز يؤدي إلى اختلاف الرائحة.

التشبيك الكمومي

تألف الأجيال الشابة نسبيّاً مجموعة من التعابير المشتقة من الفيزياء الكموميّة Quantum Physics، ربما مع شيء من عدم اليقين التام في شأن معناها ومثلاً، انتشر تعبير "قفزة كموميّة" Quantum Leap انتشر عالميّاً بفضل مسلسل خيال علمي أميركي صنعه تلفزيون "أن بي سي" حاملاً تلك التسمية وبثّت حلقاته الـ97 بين عامي 1989 و1993 وعلى شاشات السينما والتلفزة، يتردّد تعبير "كمومي" للإشارة إلى ما يخرج عن المألوف والبديهي والمنطقي. إذا قيل "زمن كمومي" مثلاً، يكون ذلك حجة لمطّ لحظة من الزمن لتصير كسنة أو سنوات، أو لاختزال حقب مديدة إلى ما يمضي كلمح البصر! دوماً، هناك شيء من الغموض يحيط بالكمومي، يكاد يقرّبه من صورة السحر في أذهان الناس.

ربما ليس أمراً عبثاً لم يتحيّر دماغ الفرد العادي وحده في شأن ما يقصده المختصون بالكموميّة من مقولاتهم عن الزمن والمسافة والجاذبية والمادة والكون، بل شاركه في الارتباك حتى عقل الفيزيائي آلبرت آينشتاين.

غير بديهي ولا منطقي لكنه أصبح الصحيح

كانت ظاهرة التشبيك الكمومي موضوع مقال علمي اشترك في كتابته عام 1935 ألبرت آينشتاين وبوريس بودولسكي وناثان روزن بعد ذلك بفترة وجيزة، نشر العالم إيرفينغ شرودنغر أوراقاً علميّة حول تلك الظاهرة وآنذاك، اعتبر آينشتاين أنّ تصرّف الجسيمات المشبّكة كموميّاً مستحيل، كونه ينتهك التفكير الواقعي قائلاً: "إنه سلوك عصبي يعمل من بُعد"، مستنتجاً أن معادلات الميكانيكا الكموميّة لا بد أنها ناقصة!

وبَعُدَ الزمان عن آينشتاين وخلافاته مع شرودنغر وفيزياء الكموميّة، لتأتي مفاجأة مهمّة: العلم الحديث أثبت صحة التشبيك الكمومي المتعارضة مع المنطق والحدس والبداهة أجريت اختبارات على جسيمات متشابكة، مع وجود مكوّنات تدور في اتّجاهات متعاكسة، ما يعني نجاحاً كاملاً في إثبات صحة التشابك الكمومي وتالياً، عدم اعتراض آينشتاين عليها، على رغم صدقيته ظاهريّاً وبرهنت التجارب حدوث الآثار المترتبة على التشابك، بل ثمة قياسات تمت بصورة أسرع من الضوء.

إذ حدثت تلك التأثيرات بين الجسيمات المشبكة في أقل من جزء من عشرة آلاف من وقت سفر الضوء بين الجسيمات الخاضعة للقياس! يمثّل التشبيك الكمومي ميدان بحث حيوي جداً لمجتمع الفيزيائيين، ومفاعيله اختُبِرت على الفوتونات الضوئية، والنيوترينو، والإلكترونات، والجزيئات وحتى على بلورات الكريستال وتركّز الأبحاث المعاصرة على استخدام التشبيك الكمومي في عالم الاتصالات والكمبيوتر، إذ يجرى العمل على صنع كومبيوتر كمومي يعمل استناداً إلى معادلات الفيزياء الكموميّة، ومنها التشابك، في إنجاز عمليات حوسبة البيانات والمعطيات والملفات وغيرها.

يصل الامر الى الحواسيب حيث يختلف الحاسوب الكمومي عن الحواسيب الإلكترونية التي تستخدم الترانزيستورات في صنع لغة رقمية ثنائية (صفر أو واحد)، تشفّر فيها البيانات بواسطة وحدات إلكترونيّة مستقلة، فيكون الترانزستور إما فاعلاً (الحال واحد) أو غير فاعل (الحال صفر)، في المقابل، تستخدم الحوسبة الكموميّة حال التداخل في الحالات الكموميّة للذرات في ذاكرة الكومبيوتر، ما يعني أن منظومتها تتحدّد بمجموع الصفات الذريّة لمنظومة الذرّات كلها، بما فيها الطاقة والتشبيك والدوران وغيرها.

زمن مشوّش

نفترض في العادة عند قياس الوقت أنّ الساعات لا تؤثر على الزمان والمكان، وأنّ بإمكاننا قياس هذا الوقت بدقة متناهية في عدد من النقاط القريبة من بعضها في الفضاء غير أن بعض الفيزيائيين من جامعة فيينا University of Vienna والأكاديمية النمساوية للعلوم Austrian Academy of Sciences، وعن طريق الجمع بين ميكانيكا الكم quantum mechanics ونظرية النسبية العامة general relativity لأينشتاين، أثبتوا وجود قيود أساسية لقدرتنا على قياس الوقت.

كلما كانت الساعة أكثر دقة، كلما قامت بالتشويش على تدفق الوقت في الساعات المجاورة لها ونتيجة لذلك، الوقت الذي تظهره الساعات ليس دقيقًا ونشرت نتائج الدراسة في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكيةProceedings of the National Academy of تعودنا في حياتنا اليومية على فكرة أن خصائص جسم ما يمكن أن تكون معروفة بدقة اعتباطية لكن في ميكانيكا الكم، واحدة من النظريات الرئيسية في الفيزياء الحديثة، يؤكد مبدأ هايزنبرغ لعدم اليقين Heisenberg's uncertainty principle وجود حد أساسي للدقة والذي يمكننا من خلاله معرفة أزواج من الخصائص الفيزيائية، مثل الطاقة والوقت بالنسبة للساعة.

الصورة المثالية للزمان والمكان في نظرية النسبية العامة تحدد لكل نقطة في الفضاء ساعةً مثاليةً، والتي تدق باعتدال دون أن تتأثر بالساعات القريبة منها ولكن عند الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الجاذبية والميكانيكية الكمومية، لا يعود بإمكاننا الدفاع عن هذه الصورة، إذ إنّ الساعات تسبب اضطراب بعضها البعض، وتصبح عقارب الساعة "غامضة"

كلما كانت الساعة أكثر دقة، يكون عدم اليقين أو الشك في طاقتها أكبر لذلك فإن وجود ساعة بدقة اعتباطية سيؤدي إلى شك غير محدود في طاقتها ويصبح هذا مهماً عند إدراج نظرية النسبية العامة لأينشتاين، النظرية الرئيسية الأخرى في الفيزياء تتنبأ النسبية العامة بأن تدفق الزمن يتغير بسبب وجود كتلة أو مصدر للطاقة.

هذا التأثير يسمى "تمدد الزمن الثقالي gravitational time dilation"، ويسبب تباطؤ الزمن بالقرب من جسم ذي طاقة كبيرة، مقارنة بالحالة التي يكون فيها جسم ذو طاقة أصغر من خلال الجمع بين مبادئ ميكانيكا الكم والنسبية العامة، أثبت فريق البحث، والذي يرأسه كاسلاف بروكنر Caslav Brukner من جامعة فيينا ومعهد البصريات الكمومية والمعلومات الكمومية University of Vienna and the Institute of Quantum Optics and Quantum Information، تأثيرًا جديدًا للتفاعل بين النظريتين الأساسيتين.

.....................................
المصادر
- ناسا بالعربي
- مرصد المستقبل المصفوفة
- مركز الفرات للدراسات
- صحيفة الحياة
- Nature Arabic Edition

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8