من أكثر الحقائق الشاعرية لدى الفلكيين ملاحظتهم إنفجار النجوم المستعرة (السوبرنوفا supernova) في السماء وكأنها ألعاب نارية، فعندما ينفجر هذا النجم يشع ضوءاً مرئياً لمدة شهر أو أكثر ويصبح أكثر لمعانا في السماء من بقية النجوم الأخرى، فيبدو وكأنه نجم قريب علينا ولكنه يبعد عنا أكثر من 50 مليون سنة ضوئية، لو كان أقل من هذه المسافة فممكن أن يؤدي بالأرض إلى الهلاك بسبب الأشعة الكونية القادمة منه، وأحياناً يمكن مشاهدته أثناء النهار بسبب شدة لمعانه، والأمر لايقتصر على الفلكيين الذين يرصدون السماء، فنحن جميعاً محظوظون بأنفجارها، فلولاها ما كنا ولن نكون، فكل ذرة في أجسامنا كانت ذات مرة داخل إحدى هذه النجوم التي إنفجرت، ليس هذا فقط فلربما ذرات يدك اليمنى أتت من نجم ما وذرات يدك اليسرى أتت من نجم آخر، نحن أبناء تلك النجوم أجسامنا مصنوعة من غبارها الكوني، فالأنفجار العظيم ولد عناصر خفيفة مثل الهيدروجين والهليوم بنسبة %99.9 وهذه النسبة تتفق تماماً مع توقعات نظرية الأنفجار العظيم.

إذ تثبت أن الأنفجار العظيم وقع بالفعل، أما العناصر الأكثر أهمية لأجسامنا مثل الكربون والنيتروجين والأوكسجين والحديد ...فهذه لم تنتج نتيجة الأنفجار العظيم، بل تكونت في باطن النجوم، ففي المراحل الأولى من حياة النجم تلتحم ذرات الهيدروجين مع بعضها بطريقة الأندماج النووي مكونة عنصر أثقل مثل الهليوم واللثيوم وينتج عن هذا التفاعل طاقة كبيرة جداً على شكل ضوء وحرارة، وهذه العملية تحدث في جميع النجوم سواء كانت صغيرة أو كبيرة الحجم، وبعد نفاد الهيدروجين يصبح وقودها الهيليوم الذي بدوره يتحول إلى الكاربون ثم السيليكون وإلى سلسلة العناصر الأثقل فالأثقل إلى الحديد، يحدث هذا الأندماج النووي في باطن النجم حيث الحرارة والضغط الشديدين.

وعندما تصل سلسلة الأندماج الى الحديد، وهو العنصر الأكثر استقرارا في الجدول الدوري، لم يعد هناك ضغط شديد وحرارة فائقة في باطن النجم كافيتين لدمج أنويته إلى عناصر أثقل، فاذا كان النجم صغير أو متوسط مثل شمسنا يتوسع ويتحول الى عملاق أحمر، أما اذا كان كبير الحجم أكبر من شمسنا لا يتمكن من تحمل هذا الضغط الناتج عن العناصر الثقيلة جدا فوق النواة فينفجر ويقذف بغلافهِ في الفضاء مولداً طاقة هائلة تضيء المجرة بأكملها ويسمى بالنجم المستعر (السوبرنوفا)، ثم يتبعثر في الكون بطاقة تحفيزية هائلة التي تعمل على إيقاظ الحياة في السدم الغازية المحيطة والتي أصبحت مليئة بكثير من العناصر الثقيلة، ولتبدأ الأخيرة بدورها في تشكيل نجوم الجيل الثاني التي تدخل في تكوينها تلك العناصر التي خلفتها انفجارات نجوم الجيل الأول، ثم انفجرت نجوم الجيل الثاني ليظهر الجيل الثالث ومنها شمسنا والأرض وجميع الكواكب في مجموعتنا الشمسية.

فبعد 9مليارسنة على الأنفجار العظيم وقبل 4.54 مليار سنة انفجر سوبرنوفا قريب من نظامنا الشمسي والذي كان سحابة سديمية قبل تشكله الحالي، أحدث الأنفجار موجة اهتزاز قوية جدا تكتلت المادة بسببها في نقطة ما، واعطت قوة الجاذبية افضلية على قوة الضغط الحراري فتجمعت المادة مكونة قرص الشمس ومليار كويكب صغير قطر الواحد منها يصل لواحد كيلومتر وتكون متماسكة بقوة الجاذبية، وبفعل قوى الجاذبية كبرت هذه الكويكيبات حيث يزيد نصف القطر مرفوعا للقوة الرابعة كل مائة الف سنة ونتيجة للتصادم والجاذبية أدى الى تقلص الكويكبات وتكون الكواكب الأولية.

وقبل أن تتشكل الأرض بشكلها الحالي اصطدمت مع كوكب آخر بحجم المريخ يسمى( ثيا) وقد كان التصادم عنيفاً بما يكفي ليشكل سحابة من الركام، انطلقت في الفضاء لتشكل القمر في وقت لاحق، وأظهرت تحليلات صخور القمر التي جلبها رواد الفضاء في رحلات أبولو بين عامي 1969 و1972، أن التركيب الكيمائي لها يضم عناصر موجودة في ثيا والأرض معا، بنسبة %50 بالمئة لكل منهما.

وقد أظهرت القياسات أن أعمار الشمس والأرض والقمر والنيازك متقاربة جداً وقدر عمر الأرض 4.5 مليار سنة عن طريق دراسة النشاط الأشعاعي لصخور القشرة الأرضية، بدأت الأرض ككتلة صخرية كبيرة لا تحتوي على ماء، حيث ساهم النشاط الإشعاعي الموجود في الصخور والضغط المتواصل في عمق الأرض في توليد حرارة كافية ساهمت في إذابة باطن الأرض، والتي تسبب في ارتفاع بعض المواد الكيميائية للسطح، مما ساهم في تكوّن الماء، بينما تحول البعض الآخر من هذه المواد إلى غازات انتقلت للغلاف الجوي، وتشير الأدلة الأخيرة إلى أن قشرة الأرض ومحيطاتها قد تكونت في نحو 200 مليون سنة بعد أن تشكّل كوكب الأرض، فكانت في بداية الأمر منصهرةً ثمّ بردت الطبقة الخارجية عندما بدأت المياه تتراكم في الغلاف الجوي الذي تكوّن نتيجة النشاط البركاني وانبعاث الغازات من الأرض، فتشكّلت ما يعرف بالقشرة الخارجية الصلبة، ثمّ تكونت المحيطات بسبب تكاثف بخار الماء، وأعاد سطح الكوكب تشكيل نفسه باستمرار حتى تشكّلت القارات ثمّ انفصلت عن بعضها، ولم تستقر هذه القارات في مكانها إنما تباعدت في فترات وتلاصقت في فتراتٍ أخرى حسب نظرية الصفائح، وما زالت حتى الآن تتحرك لكن بسرعة بطيئة جداً.

.........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1