دأبت التشريعات في مختلف الدول على ترديد عبارة "عدم الإخلال بالنظام العام"، ولعل سائل يسأل عن المراد بهذه العبارة في فقه القانون العام عموماً والقانون الإداري خصوصاً، وعلاقتها بالحقوق والحريات الفردية العامة، وللإجابة نقول ان النظام العام يحمل معنى محددا في نطاق القانون يتمثل بكونه الأساس الذي يتصل بكيان المجتمع ويتجلى بالمصالح العليا المشتركة لجميع من يعيش في ذلك الكيان الإنساني.

واحترام النظام العام يقود بالمحصلة إلى انتظام الحاجات العامة واستمرارية الحياة على نسق يتوافق مع مصالح الإنسان، والسكينة أو الهدوء هو أحد الحقوق الأساسية للإنسان ليتمكن من العيش على نحو تحترم فيه ذاته الإنسانية، ويقترب هذا المفهوم من مفاهيم أخرى مشتقة من النظام العام ومنها الأمن العام والذوق العام، لكن لا ينصهر فيها بل تبقى خصوصية السكينة بكونها الحق في العيش في هدوء لاسيما في المنزل أو محل العمل أو محل العبادة أو المواطن العامة، ومن تطبيقات ما تقدم جرت التشريعات في العراق والعديد من الدول على تجريم أي فعل أو سلوك من شأنه ان يحرم الناس من الراحة والشعور بالهدوء والسكينة.

ويتصل الحق في السكينة من الحق في الأمن والأخير يعني غياب حالة الخطر أو الشعور بالقلق على الحياة أو المال، سواء كان مصدر الخطر الإنسان كالمجرمين ممن يتهددون حياة وأعراض وأملاك الآخرين أم الطبيعة كالزلازل والفيضانات التي تهدد الأفراد أم السلطات العامة التي يؤدي سلوكها أحياناً إلى الإضرار بالناس، بعبارة أخرى الأمن اطمئنان الإنسان على نفسه ومتعلقيه، أما السكينة فكما سبق منا القول أنها الهدوء والشعور بالراحة وعدم الإزعاج في أوقات الراحة لاسيما الليل، كما ان بعض الأماكن يجب ان تنعم بالهدوء كالمستشفيات والمناطق السكنية والترفيهية كالحدائق العامة.

لذا يقع واجباً على السلطة الإدارية المختصة ان تقمع أي مصدر يهدد حق الإنسان في الأمن أو السكينة أيا كان مصدره أو مبرره، ليتمكن الأفراد من العيش بسلام، إذ يتصل هذا الحق بالهدوء بحق العيش بكرامة وأمن وسلامة، ولعل من يعتقد ان الهدوء أو السكون يقاس كحق على المستوى الفردي فحسب فذاك اعتقاد خاطئ، والصواب انه حق متعدي للمجتمع ككل بل للدولة فهدوء الدولة وتجنبها العواصف الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية ينعكس على تحسين حقوق الفرد إذ لا يمكن ان يتمتع الفرد بحقه بمعزل عن المجتمع أو بعيداً عن الارتدادات التي تصيبه نتيجة الأزمات أو المشكلات العامة، فعلى سبيل المثال العيش بهدوء تعكره أصوات الباعة المتجولين والمتسولين وغيرهم وهؤلاء بالغالب هم نتيجة وليسوا سبب بالدرجة الأساس فغياب حالة الأمن الاقتصادي وتراجع الوضع المالي للدولة أو الأفراد سينعكس سلباً على الجميع، أضف لما تقدم فان السكينة تنصرف إلى مفهوم حديث يتصل بجمال المدن فالتشوش البصري الذي يصيب الفرد حيث يجد الفوضى في التنظيم أو الألوان يجعل المظهر الخارجي غير محبب بل قد يتسبب بحالة من السلبية لدى الفرد.

ولا يفوتنا التنويه إلى ان الحق في السكينة العامة يتصل بحق الإنسان في الصحة إذ ان الضوضاء بكل تجلياتها من شأنها ان تخلف أمراضاً تصيب الفرد سواء منها العضوية أو النفسية، لذا ورد في القرآن الكريم آيات عديدة تتصل بالهدوء وتحث على السكينة والوقار لكي لا يتسبب الفرد في إزعاج الآخرين أو يتسبب في فقدانه الاحترام الذاتي، حيث يقول تعالى في محكم كتابه المجيد "ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً" ما يدل على ان السكون والهدوء مطلوب حتى في الأمور العبادية، ويقول تعالى في موطن أخر "ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ".

كما بادر المشرع العراقي إلى التأكيد في العديد من القوانين على حق الفرد في الهدوء وصون هذه الميزة بكل الوسائل الممكنة وفرض الجزاء على المخالف حيث ورد في قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل في المادة (495) بأن "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على شهر أو بغرامة لا تزيد على عشرين ديناراً من أحدث لغطاً أو ضوضاءً أو أصواتاً مزعجة للغير قصداً أو إهمالاً بأية كيفية كانت".

ولما كانت الحقوق والحريات مترابطة وغير قابلة للتجزئة فيثار في الذهن سؤال مقتضاه هل يعني ذلك ان كل فرد له الحق في ممارسة حقوقه وحرياته إلى ما لا نهاية له؟ حتى لو تعارض مع حقوق الآخرين، الجواب على ما تقدم حتما بالسلب فليس من المعقول ان يكون هنالك إطلاق وإلا سيرافقه التعسف في الحق والعدوان على الآخرين، لذا تنبه المشرع الدستوري في العراق إلى ما تقدم فأشار بالمادة (46) منه إلى "لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناءً عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية"، بعبارة أخرى يمكن تقييد الحقوق وتنظيم الحريات فحيث تنتهي حرية الإنسان تبدأ حرية الغير، نعم يملك كل فرد الحق في العمل أو التعبير عن الرأي لكن ليس إلى ما لا نهاية بل إلى الحد الذي لا يضر أو يمس بحريات الآخرين وبما يحفظ كرامتهم الإنسانية.

وتأكيداً لما تقدم فقد دأب المشرع العراقي على تنظيم حق الإدارة في مكافحة الضوضاء وسائر الظواهر التي لا تتلاءم مع الحق في الهدوء والسكون وصدر القانون رقم (21) لسنة 1966 المعنون بـ(قانون منع الضوضاء) وصدر القانون رقم (27) لسنة 2009 قانون حماية وتحسين البيئة وورد بالمادة (25) منه النص على أن "يؤسس بموجب هذا القانون قسم للشرطة البيئية مرتبط إدارياً بوزارة الداخلية تحدد هيكليته ومهامه وارتباطه بنظام داخلي يصدره وزير الداخلية بالتنسيق مع وزير البيئة"، ومن ثم صدر قانون السيطرة على الضوضاء رقم (41) لسنة 2015 والذي نص في المادة الأولى ان الضوضاء هي "صوت غير مرغوب فيه يؤثر على صحة وراحة أشخاص معينين أو عامة الناس وله أثر سلبي على البيئة".

لما تقدم اتخذت الإدارة العامة العديد من الوسائل التي من شأنها الحد من أثر الضوضاء في مقدمتها الحظر، بيد ان الحظر المقصود في هذا الخصوص هو الحظر النسبي بالعادة كون الحظر المطلق يمثل مصادرة للحق أو الحرية ولا يتم الركون إليه إلا في أحوال خاصة لاسيما ان كان النشاط من شأنه التأثير على النظام العام أو الإخلال بالآداب العامة فقد ورد بالمادة الثالثة من قانون السيطرة على الضوضاء سالف الذكر ما نصه "يحظر القيام بما يأتي:

أولاً: إطلاق أصوات المنبهات من المركبات كافة أو غيرها إلا في الحالات التي يتطلب فيها تدارك وقوع حادث والتي يسمح بها القانون مثل سيارات الطوارئ.

ثانياً: تشغيل وسائل البث في الأماكن العامة والخاصة بكيفية تؤدي إلى إزعاج الآخرين.

ثالثاً: تشغيل مكبرات الصوت بأنواعها داخل الأماكن العامة إلا بإجازة من الجهات المعنية.

رابعاً: تشغيل مكبرات الصوت بأنواعها خارج الأماكن العامة.

خامساً: استمرار عمل النشاطات الحرفية التي ينجم عنها ضوضاء في غير المناطق الصناعية بعد الساعة (9) التاسعة مساء ولغاية الساعة (7) السابعة صباحا.

سادساً: إنشاء الحرف والورش كالحدادة والنجارة داخل المناطق السكنية إلا في أبنية وعمارات خدمية وحرفية خاصة بها.

سابعاً: إنشاء معامل النجارة والحدادة ومعامل تصليح السيارات وأي نشاط يحدث ضوضاء في غير المناطق الصناعية يؤثر على مستخدمي المكان".

كما تعتمد السلطات الإدارية بالعادة على آلية الإجازة أو الترخيص والذي يعني ان الأفراد لا يملكون ممارسة بعض الأعمال أو المهم بدون الحصول على الرخصة بعد التأكد من توافر شروطاً معينة، فعلى سبيل المثال ورد بالمادة (11) من قانون حماية وتحسين البيئة العراقي ما نصه "تمنع الجهات ذات النشاطات المؤثرة على البيئة من ممارسة عملها دون استحصال موافقة الوزارة".

..........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2024
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق