تتعاقد المؤسسات الحكومية (وزارات، جهات غير مرتبطة بوزارة، ومحافظات) مع شركات قطاع الأعمال، سواء كانت دولية أم إقليمية أم وطنية، لغرض إنجاز مشروع ما، يدخل ضمن اختصاصها ومسؤولياتها. مثل أن تتعاقد وزارة النفط مع إحدى شركات النفط العالمية للتنقيب عن النفط أو استخراجه أو تصديره. ومثل أن تتعاقد وزارة الكهرباء مع إحدى شركات الطاقة الكهربائية لغرض بناء محطة توليد الطاقة الكهربائية. ومثل أن تمنح وزارة الاتصالات رخصة للعمل في العراق لإحدى شركات الاتصالات. ومثلا تمنح هيئة الاتصالات والإعلام رخصة لإحدى شركات الإنترنيت. وهكذا كل جهة حكومية يمكن أن تتعاقد مع شركة دولية أو إقليمية أو وطنية لإنجاز مشروع ما يدخل ضمن اختصاصها.

ولكن لا يعرف الكثير من المواطنين، والكثير من المسؤولين الحكوميين، الأسباب الحقيقية التي تدعو شركات قطاع الأعمال -وهي شركات تبحث عن الأرباح والمكاسب الوفيرة في كل مشروع تحصل عليه- مثل شركات استخراج النفط أو الغاز، أو شركات الاتصالات، أو شركات الإنترنيت، أو شركات إنتاج الطاقة، أو شركات الأسلحة، وغيرها من الشركات إلى تخصيص مبالغ مالية للنوادي الرياضية، أو للمناسبات الاجتماعية، أو للإعلانات الدعائية مدفوعة الأجر لمصلحة الدولة، أو للمساعدات الإنسانية، أو للتبرعات التي تمنحها هذه الشركات لبرامج القنوات الفضائية التي توزيع الهدايا والأموال على المتصلين معها، أو للمساهمات المالية في المؤتمرات والندوات التي تعقدها المؤسسات الحكومية، وهكذا.

والسؤال الأول هنا هل تترتب على شركات قطاع الأعمال المتعاقدة مع المؤسسات الحكومية القطاعية، سواء كانت عابرة للقارات، أم متعددة الجنسيات، أم إقليمية تتبع لإحدى دول الجوار، أم وطنية لها قدرة على إنجاز المشروعات الكبرى أو المتوسطة؛ التزامات مالية إزاء البلد التي تستثمر به أو إزاء السكان المحليين، ذٌكرت تلك الالتزامات المالية في العقد المبرم بين الطرفين أم لم تٌذكر؟ وكيف يمكن مطالبة شركات القطاع الخاص بالإيفاء بالتزاماتها المالية؟ وماهي المشروعات التي ينبغي أن تُنجز بتلك الأموال؟ ومن الذي يقوم بإنفاقها وصرفها على مستحقيها؟ وهل المؤسسات الحكومية العراقية تعمل بهذا المبدأ أم لا؟

الجواب؛ بكل تأكيد: نعم، تترتب على أي شركة دولية أو إقليمية أو وطنية تعمل في العراق التزامات مالية إزاء مؤسسات الدولة أو إزاء السكان المحليين، أكان ذلك نتيجة الأضرار التي تسببت بها الشركة بسبب عمليات التشغيل التي تجريها على الأرض، أو نتيجة الأرباح التي تحققت لها من الاستثمار كـ(رد جميل) أو نتيجة وجود التزام قانوني، يفرض على تلك الشركات أن تدفع جزء من عائداتها إلى المناطق التي تستثمر بها. وفي كل الأحوال لابد أن تُترجم هذه التزامات إلى مشروعات اقتصادية وعمرانية وبيئية، تخدم السكان المحليين مباشرة، مثل بناء المدارس، وتشييد المستشفيات، وتعبيد الطرق، والمحافظة بالبيئة، وتهيئة فرص عمل لأبناء السكان المحليين، وغيرها. وهذا النوع من الالتزام المفروض على شركات القطاع الخاص، يٌعرف –عالميا- بمبدأ (المسؤولية الاجتماعية للشركات).

وتعني (المسؤولية الاجتماعية للشركات) أنّ الشركات الخاصة يجب أن تقدّم للمجتمع الذي تعمل فيه خدمات اجتماعية تساعد على تحسين الحياة المعيشية والاجتماعية، وتساعد على حماية بيئتها بطريقة تحافظ على مواردها. وقد عرف البنك الدولي المسؤولية الاجتماعية للشركات بأنها (الالتزامات المفروضة بالمساهمة في التنمية الاقتصادية الاجتماعية المستدامة، وذلك من خلال التعاون مع العاملين وأسرهم والمجتمع المحي والمجتمع ككل لتحسين مستوى معيشتهم على نحو مفيد لنشاط الشركات والتنمية الاقتصادية) وفي يوم (25) أيلول من كل عام، تحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للـ(مسؤولية الاجتماعية للمؤسسات).

والسؤال الثاني هنا هو كيف يمكن إلزام شركات القطاع الخاص بتحمل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه الدولة المضيفة لها، أو تجاه السكان المحليين التي تتواجد تلك الشركات على أراضيهم؟ بتعبير آخر؛ ما هو الأساس القانوني الذي بموجبه تُلزم الدولة المضيفة أو المجتمع المحلي الشركات الخاصة لتحمل مسؤوليتها الاجتماعية؟

في الواقع مر مبدأ (المسؤولية الاجتماعية للشركات) من الناحية التاريخية بثلاث مراحل:

1. المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي كانت فيها الشركات الخاصة تتحمل المسؤولية الاجتماعية إزاء الدولة التي تعمل في أراضيها أو إزاء السكان المحليين إذا ما ترتب على نشاط الشركة خطأ أو إهمال أو تقصير فقط. فحينذاك تكون الشركة مسؤولة مسؤولية اجتماعية لإصلاح الخطأ أو التقصير عن طريق دفع التعويضات اللازمة للجهة أو الأفراد المتضررين.

2. المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي تتحمل فيها الشركات المسؤولية الاجتماعية من باب أخلاقي، ترتب على نشاطها خطأ أو إهمال أو تقصير أو لم يترتب. وفلسفة ذلك أن الشركة الخاصة ستحصل على أرباح وفيرة نتيجة الاستثمار في تلك الدولة، وعلى تلك المساحة المحددة لها. وهي ملزمة من باب (رد الجميل) لتلك الدولة أو لسكان تلك المنطقة أن تدفع جزء من أرباحها.

لذلك تعمل شركات قطاع الأعمال على تحمل المسؤولية الاجتماعية الأخلاقية لها بصور مختلفة منها: زيادة أجور العاملين، وبناء بعض المشروعات التي تحتاج إليها المنطقة، مثل مركز صحي، أو مدرسة، أو فتح شارع نظامي، أو تعبيد الطرق من وإلى المنطقة، أو تشجير المنطقة، أو تعمد إلى تأسيس منظمة مدنية تساعد من خلالها السكان المحليين في توفير الطعام أو العلاج أو ترميم منازلهم، وهكذا.

3. المرحلة الثالثة: في هذه المرحلة لم تعد المسؤولية الاجتماعية للشركات مجرد مسؤولية إصلاح الضرر(التعويض) أو مجرد مسؤولية أخلاقية (رد الجميل) وحسب، إن شاءت الشركة عملت بها، وإن شاءت رفضت، بل أضحت المسؤولية الاجتماعية التزاما قانونيا يتوجب على الشركة الإيفاء به بالإضافة إلى كونه التزام أخلاقي.

ويعد (الميثاق العالمي للمسؤولية الاجتماعي للشركات) الذي شرعته الأمم المتحد عام2000، التجربة الأبرز، التي حاولت فيها الحكومات أن تضفي على هذه المسؤولية بعدا قانونيا، وتجمع بين الفلسفة الأخلاقية لهذه المسؤولية والفلسفة القانونية. وكانت قضايا مهمة كالفقر، وتحسين مستوى المعيشة، وخلق فرص جديدة للعمل من أهم الأسباب التي دعت الأمم المتحدة إلى الاهتمام ببرامج المسؤولية الاجتماعية للشركات. وهي قضايا ظلت لفترة طويلة من مسؤولية الحكومات وحدها.

على هذا الأساس، تكٌون اتجاهان دوليان في التعامل مع مبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات، يرى (الاتجاه الأول) ضرورة وجود إطار تنظيمي للمسؤولية الاجتماعية، وإلزام الشركات بضوابط تنظيمية من قبل الدولة من خلال تعليمات ومواثيق، وتتبنى هذا الاتجاه كل من (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، وهولندا) وسارت بهذا الاتجاه عدد من الدول العربية مثل مصر والأمارات. بينما يرى (الاتجاه الثاني) أن المسؤولية الاجتماعية هي نشاط تطوعي للشركات، لا يتطلب قوانين أو ضوابط تنظيمية أو قواعد محددة تلزم الشركات بمسؤولياتها تجاه المجتمع، كون المسؤولية طوعية، وسيؤدي وضع الضوابط إلى المزيد من البيروقراطية، إضافة إلى أن وضع القواعد والضوابط يجعل الشركات تلتزم بما هو مطلوب منها فقط دون زيادة.

إلا أنه ورغم افتقار العديد من الدول لقوانين ولوائح تنظم المسؤولية الاجتماعية للشركات إلا أن الاتجاهات الدولية والإقليمية والوطنية تؤكد أن المسؤولية الاجتماعية للشركات هي التزام متواصل من قبل قطاع الأعمال في التنمية المجتمعية يتجاوز حدود الأعمال الخيرية. وهي ليست عملا طوعيا فقط، ويجب ألا تفهم على أنها عطاءات، بل هي إحدى واجبات والتزامات قطاع الأعمال الخاص تجاه المجتمع.

ويجب ألا تقتصر المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال أو تقسم على شكل صدقات أو تبرعات أو المساهمة في دعم فريق رياضي، أو حفل فني، أو تنظيم نشاطات اجتماعية، إذ هذه النشاطات هي الأشكال البدائية للمسؤولية الاجتماعية، المفهوم أعم وأشمل وأعمق من ذلك. ولابد أن تتجه المسؤولية الاجتماعية نحو التنمية المستدامة، وحقوق الإنسان، والبيئة الخضراء، وتوفير فرص عمل وغيرها.

تأسيسا على ذلك كله، كيف يمكن للمؤسسات الحكومية (الوزارات، الجهات غير المرتبطة بوزارة، والمحافظات) أن تستفيد من مبدأ (المسؤولية الاجتماعية للشركات) بحيث تتمكن من إلزام شركات القطاع الخاص في المساهمة الفعلية في إحداث التنمية الاجتماعية المستدامة وتخفيف العبء عنها؟ بمعنى آخر ماذا تفعل المؤسسات الحكومية عند التعاقد مع الشركات الدولية أو الإقليمية أو الوطنية لغرض إلزامها بتحمل مسؤوليتها الإنسانية والأخلاقية والقانونية إزاء المجتمع العراقي؟

ليس ثمة شك سواء قلنا إن المسؤولية الاجتماعية للشركات هي مسؤولية أخلاقية بالأساس أم هي مسؤولية قانونية بالإضافة إلى كونها أخلاقية وإنسانية، فواضح أن قطاع الأعمال الخاص كما أن له حقوق عليه التزامات تجاه المجتمع، ولديه مسؤوليات اجتماعية يجب أن يطلع فيها، في إطار اقتصاد السوق الاجتماعي. وبناء عليه فان على المؤسسات الحكومية أن تأخذ بنظر الاعتبار تفعيل مبدأ (المسؤولية الاجتماعية للشركات، وذك من خلال ما يأتي:

1. يمكن أن تُلزم المؤسسات الحكومية شركات القطاع الخاص من خلال نصوص واضحة في العقود المبرمة بين الطرفين بالقوانين الدولية التي تفرض على الشركات المساهمات المالية، استنادا إلى مبدأ المسؤولية الاجتماعية.

2. ويمكن أن تلزمها بالقوانين والأنظمة الوطنية التي تفرض على الشركات الوفاء بالتزاماتها إزاء العاملين، وإزاء البيئة، وإزاء المجتمع المحلي، من حيث عدم إحداث الأضرار بالبيئة، ومساعدة أهالي المناطق التي تستثمر فيها، وتشغيل السكان المحليين، والمساهمة في إحداث التنمية المستدامة.

3. ويمكن أن يتفق الطرفان الحكومي وشركات القطاع الخاص بعيدا عن العقد المبرم بينهما على مذكرة تفاهم بين الطرفين، تلتزم بها الشركات بالمساهمة المالية لدعم المشروعات المجتمعية التي تساندها الوزارة أو الجهة أو المحافظة. فعلى سبيل المثال تساند وزارة الصحة المبادرات المجتمعية الصحية التي تتبناها المنظمات والمتطوعون في مجال القطاع الصحي، فتفرض على الشركات أن تساند تلك المنظمات من أجل استكمال مبادراتها الصحية. ويمكن لوزارة البيئة أن تفرض على الشركات الخاصة التي تتعاقد معها أن تساند المبادرات المجتمعية التي يقوم بها المتطوعون والمنظمات ذات الاهتمام بمجال القطاع البيئي. ويمكن لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن تفرض على الشركات التي تتعاقد معها أن تساند المبادرات المجتمعية للمنظمات التي تعنى بمجال القطاع الخدمي والتكافل الاجتماعي، وهكذا.

4. ويمكن للجهات الحكومية خلق كيانات قانونية خاصة بالمسؤولية الاجتماعية وتخصيص ميزانيات محددة. بمعنى آخر إضفاء الطابع المؤسسي على نشاطات المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال. ولعل إنشاء صناديق المسؤولية الاجتماعية (مؤسسات التنمية والخدمة المجتمعية) يعد واحداً من أهم آليات ممارسة المسؤولية الاجتماعية. فإنشاء مؤسسات وصناديق دائمة يجعل قطاع الأعمال أكثر قدرة على القيام بمهامه الاجتماعية.

5. وعلى الحكومات المساهمة في تطوير العمل في مجالات المسؤولية الاجتماعية عن طريق وضع التشريعات وسن القوانين اللازمة لتفعيل الشراكة المطلوبة في مجال عمل المسؤولية الاجتماعية بين القطاع العام والقطاع الخاص، وتحفز وتشجع عليها عن طريق تقديم الدولة الحوافز والتسهيلات لتوسيع مجالات المسؤولية الاجتماعية.

خلاصة القول: إن المسؤولية الاجتماعية هي أحد عناصر الشراكة المستدامة بين المؤسسة الحكومية وشركات القطاع الخاص، فكما أنها توفر إمكانيات مالية وبشرية كبيرة تسد النقص الحاصل في تمويل المشروعات التي تتبناها الحكومة، فإنها مسؤولية أخلاقية وقانونية ينبغي أن تؤديها الشركات كحق للمجتمع. ولا ينبغي أن تقف المسؤولية الاجتماعية للشركات عند التبرعات الخيرية، مثل دعم ناد رياضي، أو المساهمة في الإعلانات الدعائية، أو تقديم مساعدات مؤقتة للسكان، بل ينبغي أن تتطور إلى مشروعات اجتماعية وتنموية تساعد السكان المحليين على التغلب على المشكلات الاجتماعية والبيئة والصحة والتعليمية.

وتفعيل المسؤولية الاجتماعية في بلادنا يجنب المجتمع كوارث وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية تكون نتائجها السلبية أكبر بكثير من التكاليف المتواضعة المترتبة على هذه المسؤوليات. وتكون الفوائد للجميع بما في ذلك الشركات نفسها.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق