قاضي الدستور مصطلح يطلق على المحكمة الاتحادية العليا لدينا في العراق وفي العديد من الدول التي توجد فيها مثل هذه المحاكم، والتي قد تختلف تسميتها بحسب طبيعة النظام السياسي في تلك الدول (كالمحكمة الدستورية او المحكمة الدستورية العليا او المحكمة العليا او المحكمة الاتحادية او المحكمة الاتحادية العليا، المحكمة الفدرالية، المحكمة الفدرالية العليا)، وهناك دول اعطت تلك الصلاحيات -تفسير الدستور- لجهات ذات طبيعة قضائية او سياسية مختلطة، ويتبين ذلك من خلال آلية تشكيلها وعضويتها كما هو الحال في فرنسا ولبنان والجزائر المجلس الدستوري او المجلس الدستوري الاعلى.

وتختص تلك المحكمة بتفسير نصوص الدستور، وممارسة الرقابة على دستورية القوانين؛ كونها اعلى مراتب القضاء في القانون العام، وهو قضاء مميز عن أي قضاء آخر مدني، جنائي، إنضباطي، إداري، عسكري، قوى الامن الداخلي؛ لأنه يحكم وفقاً لنصوص الدستور العامة التي تتضمن مبادئ وقيم عامة بعيداً عن القواعد التفصيلية والجزئيات وهذا القضاء هو الحارس والحامي للشرعية والدستور وحقوق الإنسان ضد تعسف الدولة وسلطاتها المختلفة.

ان هذا النوع من القضاء على الرغم من طبيعته القضائية لدينا في العراق كون المحكمة الاتحادية العليا تشكلت بموجب القانون (أمر سلطة الائتلاف) المنحلة رقم (30) لسنة 2005 المعدل بالقانون رقم (25) لسنة2021، من (9) تسعة قضاة - رئيس وثمانية من القضاة- والذي لازال مطبقاً على الرغم من نفاذ دستور جمهورية العراق لسنة 2005، والذي نص في مادته (92) على تشكيلة هذه المحكمة بطريقة تختلف عما ينص عليه القانون، فلم يجعل التشكيلة مقتصرة على القضاة كما هو الحال عليه الآن، بل جعلها تتشكل من قضاة وفقهاء القانون، وخبراء في الفقه الإسلامي.

ولكن مع الاسف الشديد لحد الآن لم يفعل هذا النص الدستوري، على الرغم من الاختلاف بين المختصين في ذلك، مما يدعوننا الى القول أنه لايمكن انكار البعد السياسي الذي ألقى بظلاله حتى على المحكمة الاتحادية العليا، فالرقابة الدستورية ليست عملية قانونية صرفة، ولاهي سياسية بحتة، على الرغم من إنصرافها للنص القانوني، ومدى تعارضه مع النص الدستوري، فلا يخلو الأمر من الأثر السياسي.

فالدعوى الدستورية كما يراها جانب من الفقه الدستوري ونحن نؤيدهم في ذلك دعوى تخالطها إعتبارات سياسية وتظهر صورها في العديد من الامور منها انها تحكم وفق نصوص الدستور التي الكثير منها يجمع بين البعدين القانوني والسياسي، والحكم في اعمال السلطة التنفيذية والتشريعية بل وحتى القضائية، فكل قانون أو نظام أو تعليمات يعبر عن إتجاهات وبرامج سياسية، تعد جزء من المنهاج الوزاري الذي قدمته الحكومة كجزء من متطلبات نيل الثقة من قبل البرلمان -مجلس النواب حالبا-.

لذا نرى أن المشرع الدستوري في دستورنا النافذ أراد للمحكمة الاتحادية العليا مكانة خاصة، كما فعلت العديد من دساتير دول العالم، فجاء منظماً لها في المادة (89) كجزء من السلطة القضائية، ومفصلاً أكثر في الفرع الثاني من الفصل الثالث والذي حمل عنوان المحكمة الاتحادية العليا المواد (92-94 ) فالمحكمة الاتحادية للعليا وفقاً لنصوص الدستور هي جزء ومكون من مكونات السلطة القضائية الاتحادية وهي جهاز ذو طبيعة خاصة ومستقلة وحدد الدستور الصلاحيات الخاصة ومنها تغيير الدستور والرقابة على دستورية القانون المادة (93)، وتعد المحكمة جهة قضائية بما تتمتع به محاكم السلطة القضائية من ضمانات وحصانات تكفل لها ولأعضائها الاستقلال والحيادية.

خلاصة القول أن المحكمة الإتحادية العليا هي جوهرة قيمة وضعها المشرع الدستوري في تاج الدولة الاتحادية تحتاج الى مراجعة من حيث القانون الذي ينظمها، ونرى ضرورة تفعيل النص الدستوري الخاص بتشكيل المحكمة وعدم الاقتصار على القضاة فقط، مع التأكيد على شرعيتها من الناحية القانونية وفقا للنصوص القانونية السارية المفعول والتي لم تلغ لحد الان، كون النص الدستوري هو الواجب التطبيق استناداً لنص المادة (13) من الدستور، وهذا الأمر هو الاساس الذي تعتمد عليه إذا ما اريد تفعيل دور تلك المحكمة في تحقيق الاسس والاستقرار القانوني في البلد، اضافة الى دعم وحماية الحقوق والحريات الخاصة بالأفراد.

كما نجدد دعوتنا إلى استحداث قسم للقضاء الدستوري في المعهد القضائي، مثلما دعونا سابقا الى استحداث اقسام القضاء الجنائي والمدني والاحوال الشخصية والاداري، تبنيا من المشرع والسلطة القضائية للاختصاص في مجال العمل القضائي، لخصوصية القضاء الدستوري واهميته.

كما ندعو أن يتم اختيار الرئيس -رئيس المحكمة-، واعضاء المحكمة من بين كبار القضاة أو الفقهاء القانونيين أصحاب الخبرة والكفاءة القانونية والعلمية وفي اختصاص القانون العام، لاسيما الاختصاص الدستوري، سواء كان قاضياً أو فقيهاً وهو أمر مهم وضروري إذا ما أريد لها أن تعمل باستقلالية وحياد وموضوعية، وأن تمارس دورها الفاعل والمهم في حماية الدستور، وتحقيق الامن القانوني والقضائي، لتكون بالفعل هي الاداة القانونية القضائية الفاعلة في تطبيق نصوص الدستور، الحامي الرئيس للدستور وقاضيه الطبيعي.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق