تشهد أوروبا جدلا واسعا حول موضوع الهجرة واللجوء في ظل غياب سياسة واضحة للتعامل مع هذه القضية الحقوقية المتنامية بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث، ففي الآونة الاخيرة أثارت الهجرة غير النظامية توترا كبيرا في العديد من الدول الاوربية اهمها: المانيا، اليونان، إيطاليا فرنسا، سويسرا، بريطانيا، في الوقت الذي تتكرر فيه مآسي غرق المهاجرين المتوجهين إلى القارة العجوز عبر البحر المتوسط بقوارب متهالكة ومكتظة لا تصمد حتى السواحل الأوروبية، فيما وصلت اعداد طالبي اللجوء الى ارقام قياسية، فقد وصل أكثر من 135 ألف لاجيء ومهاجر إلى أوروبا عبر البحر في النصف الأول من العام ولقي قرابة ألفين حتفهم هذا العام وهم يحاولون عبور البحر المتوسط، إذ يهرب كثير منهم من الحرب والقمع والفقر في أفريقيا والشرق الأوسط. ويمثل السوريون شريحة كبيرة من هؤلاء المهاجرين ويحاول بعضهم عبور المياه بين تركيا واليونان، إذ تعاني أوروبا بالفعل من أزمة مهاجرين ولم تستطع الدول الأوروبية الاتفاق على كيفية التعامل معها.

إذ يرى بعض المراقبين الحقوقيين ان قوارب الموت هذه أضحت تجارة رابحة للمهربين الذين يستغلون الهاربين من الفقر والحروب في بلدانهم الأصلية، ومعظم هؤلاء المهاجرين من دول فقيرة أو تعصف بها الصراعات مثل سوريا وأفغانستان والعراق ممن يتطلعون للسفر إلى دول غنية في غرب أوروبا.

ويصل كثير من طالبي اللجوء إلى سواحل جنوب أوروبا بعد المخاطرة بأرواحهم في قوارب مكتظة يرسلها مهربو البشر عبر البحر المتوسط.

ويرى الكثير من المراقبين انه بفضل الوضع الاقتصادي الجيد في المانيا تحول هذا البلد الى مقصد رئيسي للمهاجرين خصوصا الهاربين من الحروب والفقر، وادى هذا التدفق الكبير للمهاجرين الى حصول احتكاكات بين السكان الالمان والمهاجرين الجدد خصوصا في شرق المانيا.

في حين ان المجر -وهي دولة حبيسة في وسط اوروبا تعد جزءا من منطقة شينجن التي لا تستلزم تأشيرات دخول من القادمين من الدول الأعضاء- ما يجعلها نقطة جذب لمهاجرين يأتون من منطقة البلقان.

واكتسبت مسألة الهجرة صبغة سياسية في المجر فيما تشن حكومة المجر حملة اعلامية تطالب المهاجرين باحترام قوانين المجر وتكرس مشاعر الخوف من ان الأجانب قد ينتزعون فرص العمل من ابناء المجر.

من جهة اخرى يرى مراقبون آخرون بريطانيا تمثل احدى اكثر الدول جاذبية للمهاجرين، حيث إن فرصة الاندماج داخل النظام البريطاني تستحق ما يواجهونه من مخاطر بما في ذلك احتمال الاختناق داخل شاحنات مغلقة أو السقوط من عربات مسرعة أو اندلاع عنف في مخيمات المهاجرين، فيما قدمت بعض دول الاتحاد تعهدات غير رسمية باستضافة مهاجرين لكن الاتفاق بشأن كيفية تقاسم الستين ألف مهاجر لا يزال بعيد المنال.

فيما يتساءل بعض المتخصصين بهذا الشأن حول أسباب الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط الى اوروبا؟، ويعتقد الكثير من المحللين ان الاضطهاد في بعض دول جنوب المتوسط، والفارق الكبير في مستوى المعيشة فأوروبا غنية جدا ودول الجنوب فقيرة، فضلا عن الحروب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هذه العوامل وغيرها تمثل ابرز الاسباب التي تقود اغلب المهاجرين وطالبي اللجوء خوض غمار رحلة الحياة او الموت الى اوروبا الاحلام.

وعليه يرى المتخصصون في شؤون الهجرة أنه يجب على أوروبا معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، وهي ليست فقط الفقر وانعدام الفرص، إنما على نحو متزايد، النزاعات التي تؤدي إلى زيادة كبيرة في أعداد اللاجئين، التي باتت تشكل خطرا كبيرا على اكثر من صعيد قد يضع دول

القارة العجوز في مأزق لا تحمد عقباه في المستقبل القريب.

المانيا

في سياق متصل افادت صحيفة دي فيلت في عددها الصادر ان المانيا استقبلت منذ مطلع العام الحالي اكثر من 300 الف طالب لجوء، في حين تتوقع برلين ان يسجل وصول اللاجئين عام 2015 رقما قياسيا.

ونقلت الصحيفة المحافظة ما دار خلال اتصال هاتفي جرى الجمعة بين وزراء داخلية المقاطعات الالمانية ال16 وجاء فيه انه "تم حتى الان تسجيل 302415 طلب لجوء" في مجمل المانيا، ويعتبر هذا الرقم اكبر بكثير من الرقم الذي قدمه المكتب الفدرالي للمهاجرين واللاجئين وهو 258 الف طلب حتى الان منذ مطلع العام. وكشفت الصحيفة ان هذا الفارق يفسر بان الكثير من طلبات اللجوء في المقاطعات لم يبلغ بها بعد ولم يسجلها بالتالي من قبل المكتب الفدرالي، ويتوزع طالبو اللجوء على المقاطعات طبقا لامكانات كل مقاطعة، وكثيرا ما طلب المسؤولون فيها مساعدة الحكومة الفدرالية لمواجهة التدفق الكبير للمهاجرين، وكان هذا المكتب توقع وصول 450 الف طالب لجوء عام 2015 الا انه عاد ورفع توقعاته الى نصف مليون، وهو رقم قياسي لم تشهد البلاد له مثيلا. بحسب فرانس برس.

وكانت المانيا تلقت اكثر من 200 الف طلب لجوء عام 2014 اي اكثر ب60% من الطلبات التي تلقتها عام 2013، ونقلت صحيفة دير تاغشيبيغل "معلومات داخلية" من المكتب الفدرالي للمهاجرين تفيد بان عدد طالبي اللجوء قد يصل هذا العام الى 600 الف، وتحدث رئيس المكتب مانفريد شميت عن رقم قياسي سجل خلال شهر تموز/يوليو لطالبي اللجوء بلغ 79 الف طالب لجوء غالبيتهم قدموا من سوريا والعراق وافغانستان. وهو اعلى رقم يسجل خلال شهر واحد.

المجر

فقد سجلت المجر أكثر من 80 ألف حالة هجرة هذا العام أي ما يعادل تقريبا ضعف الرقم المسجل خلال عام 2014 بأكمله.

وتعتزم المجر انشاء سياج بارتفاع أربعة أمتار على طول حدودها مع جارتها الجنوبية صربيا بحلول نوفمبر تشرين الثاني لوقف تدفق المهاجرين. وانتقدت صربيا ووكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة هذه الخطوة، وقال أوربان في كلمة سنوية في رومانيا حيث يحدد عادة إطار رؤيته السياسية للأعوام القادمة "ثمة علاقة واضحة بين المهاجرين بصورة غير مشروعة إلى أوروبا وانتشار الإرهاب"، وأضاف "من الواضح أنه لا يمكننا أن نفرز ونصنف الارهابيين المعادين من بين حشود غفيرة". بحسب رويترز.

بريطانيا وفرنسا

على صعيد مختلف، مثل كثير من المهاجرين الذين ساقتهم رحلتهم إلى ميناء كاليه الفرنسي.. يجزم علي الشاب العراقي البالغ من العمر 22 عاما أن حياته ستكون أفضل إن هو استطاع عبور الثلاثين كيلومترا التي تفصله بحرا عن بريطانيا.

وعلى مشارف حي فقير ينزل به المهاجرون في كاليه قال "أعرف أناسا في لندن يمكن أن يساعدوني على بدء حياة جديدة... لا يمكن أن يكون الوضع أسوأ مما هو في فرنسا"، يقيم 3000 مهاجر من أمثال علي في مخيمات مؤقتة داخل كاليه وحولها أملا في الانتقال للجانب الآخر بعد أن فروا في وجه الحروب والاضطرابات السياسية والفقر في بلدانهم، وهم يتوقون للنجاح في العبور والعثور على فرص عمل في اقتصاد الظل المزدهر في بريطانيا أو أن يحصلوا على حق اللجوء في نظام ينظر إليه عادة على أنه أكثر تسامحا من النظام الفرنسي، ومثل هذه المعتقدات تغذيها شبكات المهربين الذين يتحصلون على المال من المهاجرين عند كل مرحلة في رحلتهم التي انطلقت من مناطق حرب في الشرق الأوسط ومن أفريقيا، لكن القلة التي تنجح في اجتياز الفاصل البحري قد تجد أحلامها تتهاوى على أرض الواقع، قال حبيب الرحمن مدير المجلس المشترك لرعاية المهاجرين -وهو منظمة بريطانية- "الكل يعتقد أن الطريق إلى لندن والطريق إلى بريطانيا مفروش بالورود. لكن هذا ليس صحيحا". بحسب رويترز.

وأضاف "ما نعرفه من خلال الناس هنا أنهم يتكبدون عناء كبيرا"، وكاليه التي تربطها ببريطانيا مسارات نقل بحرية وعبر قطارات الأنفاق تعد منذ قرون عنق زجاجة بالنسبة للمهاجرين. لكن التوتر احتدم في الأسابيع الأخيرة بسبب إضراب العاملين في قطاع العبارات بفرنسا وهو ما عرقل المرور في أنحاء الميناء.

عبء على الاوروبيين

الى ذلك يحاول الاوروبيون التوافق على كيفية تقاسم عبء 40 الف طالب لجوء وتخفيف الضغط عن اليونان وايطاليا اللتين تواجهان تدفقا كبيرا للاجئين لكن التضامن المطلوب بين دول الاتحاد الاوروبي للتوصل الى اتفاق لا يزال بعيدا.

وقبل بدء اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الاوروبي، ليس هناك ما يشير الى احتمال توافق بينما يجب العثور على اماكن لاربعين الف لاجىء قبل نهاية تموز/يوليو احتراما لتفويض منحه في نهاية حزيران/يونيو رؤساء الدول والحكومات، واكد وزير خارجية لوكسمبورغ وزير الهجرة جان اسيلبورن الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد "نحن لم نبلغ بعد الرقم المحدد". واضاف ان الرئاسة "ستحاول تجنب خيبة الامل". بحسب فرانس برس.

وذكرت مصادر اوروبية ان العروض لا تتجاوز حتى الآن الثلاثين الف مكان. لكن الآلية المقررة التي تعرف باسم اعادة التوزيع يفترض ان تكون موقتة لمدة سنتين والا تشمل سوى عددا منتقى بدقة من المنفيين والمهاجرين الذين يتدفقون على الحدود الاوروبية، اي طالبي لجوء يمكن منحهم هذا الوضع خصوصا من السوريين والاريتريين.

وكان تم التوصل الى اتفاق مطلع تموز/يوليو حول الشق الثاني من هذه الخطة التي تتعلق باستقبال الاتحاد الاوروبي لعشرين الف لاجىء يعيشون حاليا في دول اخرى. وتجاوزت الوعود التوقعات اذ قال مصدر اوروبي انه عرضت اماكن ل22 الفا و500 شخص.

واصطدم المشروع الذي اعدته المفوضية الاوروبية برفض بعض الدول التي توصلت الى اقرار بان التوزيع ليس ملزما ويجري على اساس طوعي، وفي مجال اعادة التوزيع، تتردد عدة دول في فتح ابوابها وخصوصا في وسط اوروبا وشرقها اي المجر وسلوفاكيا ودول البلطيق، وقال مصدر في الرئاسة ان "عناصر من السكان الاوروبيين ينظرون الى هذا الامر بسوء وهذا ما يغذي الخطب الشعبوية".

وعبر رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر من جهته عن اسفه لان اوروبا "ليست بمستوى" واجب التضامن الداخلي والخارجي. وللمقارنة فقط، تستقبل تركيا وحدها مليوني لاجىء سوري، وتؤكد كل من المانيا وفرنسا اللتين تغيبا وزيراهما عن اجتماع بروكسل اليوم انها حققت حصتها كما تطلب المفوضية.

وقد استقبلتا على التوالي 12 الفا ومئة لاجىء ةتسعة آلاف ومئة لاجىء وهي ارقام تشمل اعادة التوزيع والاسكان، ولتسهيل اتفاق، تعول الرئاسة على مساهمة من قبل سويسرا والنروج اللتين تطوعتا لذلك.

وهناك خيار آخر هو اللعب على الارقام عبر استخدام الفائض من الاماكن التي عرضت لاعادة اسكان اللاجئين، ولطمأنة العواصم والرأي العام فيها، سيكون على اليونان وايطاليا التعهد رسميا بالتعرف على المهاجريين غير الشرعيين الذين يتدفقون على اراضيهما وتسجيلهم من اجل السماح برصدهم وطرد الذين لا يتمتعون بحق اللجوء بينهم.

وهي طريقة للقول ان الامر لا يتعلق "بدعوة مفتوحة الى الهجرة غير النظامية بل بالعكس وضع حد لاعادة التموضع العشوائية التي تجري حاليا" بتوزع الواصلين غير المرغوب فيهم بدون ضوابط في اوروبا، على حد قول لوكسمبورغ.

وسيتفاهم الوزراء الاوروبيون على امكانية تعليق آلية اعادة التوزيع اذا لم تنفذ ايطاليا واليونان هذه التعهدات، ويفترض ان يجري انتقاء الواصلين في مناطق انتظار تسمى "نقاطا ساخنة" بمساعدة الوكالتين الاوروبيتين لمراقبة الحدود فرونتكس، ولدعم اللجوء والشرطة الاوروبية (يوروبول)، ويتم دراسة تقديم تعزيزات الى اليونان حيث توجه ضغط المهاجرين بعد تعزيز مراقبة سواحلها الى قبالة جزيرة لامبيدوزا بعد حوادث غرق اودت بحياة عدد كبير من المهاجرين في نيسان/ابريل، وقالت رئاسة الاتحاد ان "عملا حقيقيا يجب ان ينجز لاستعادة السيطرة بينما تتعرض موارد الدولة اليونانية للضغط نظرا للازمة الاقتصادية وكذلك لحجم تدفق اللاجئين".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1