أحيا مرشح رئاسي كولومبي في نهاية تشرين الأول/أكتوبر ذكريات قديمة عندما اقترح إرسال سياسيين فاسدين إلى سجن جزيرة غورغونا السابق، إذ لا يزال المكان يسكن الذاكرة الجماعية في كولومبيا، وأثار التهديد الذي لم يأخذه أحد على محمل الجد، اهتماماً بهذا الجزء المغمور من تاريخ كولومبيا في موقع يشبهه كثر بمعتقلي ألكتراز أو روبن أيلاند.

حتى العام 1984، كانت هذه الجزيرة التي تبلغ مساحتها 26 كيلومتراً مربعاً وتقع على بعد 55 كيلومتراً قبالة سواحل المحيط الهادئ في كولومبيا مكاناً مأسوياً، إذ كان يُرسل إليها السجناء السياسيون والمجرمون الخطرون لتنفيذ عقوباتهم، وأحيانًا يبقون هناك حتى موتهم.

بعيداً عن الأنظار، وبين أنواع عدّة من الثعابين السامة، كان السجناء يُتركون لمصيرهم بمواجهة بطش الحراس وعنف السجناء الآخرين، وضمّن أحد السجناء السابقين قصيدة عن هذا السجن عبارة "ملعون هذا المكان"، ولم يبق حالياً من السجن إلّا القليل من الجدران المهدّمة على جزيرة تجذب القليل من السيّاح البيئيين الذين يزورونها للغوص في مياهها أو لاستكشاف التنوّع البيولوجي المذهل فيها. بحسب فرانس برس.

معاناة رهيبة

ولا يمكن الوصول إلى غورغونا إلا من خلال رحلة بالقارب لساعتين من مدينة غوابي الساحلية وسط غابات المانغروف، وتُعدّ جزيرة غورغونا منطقة رطبة مؤلفة من البراكين والغابات، حيث تهطل الأمطار يومياً وتعجّ المياه بالدلافين والحيتان، واكتُشفت هذه الجزيرة في العام 1526 من قبل الغزاة الإسبان الذين توفى لهم 87 رجلاً بلدغات ثعابين سامة في غضون أشهر على وصولهم، وأُطلق عليها اسم غورغونا نسبة إلى ميدوسا، وهي غرغونة (أي المُرعبة أو المُخيفة) في الأساطير اليونانية شعرها مصنوع من الثعابين ويمكنها تحويل الأشخاص إلى حجر عبر النظر في أعينهم.

وكانت الجزيرة في فترة زمنية معيّنة ملجأً للقراصنة ثم ملكية خاصة استملكتها الدولة الكولومبية في ستينيات القرن الماضي لبناء السجن، يقول كوراسون دي خيسوس أغينو (35 عاماً)، وهو عامل في المنتزه وشخصية مشهورة محلياً "هنالك أساطير كثيرة حول غورغونا"، لكنّ "معظمها غير مثبت"، ويضيف "الأمر المؤكّد هو أنّ الجزيرة كانت مكاناً للعقاب والمعاناة الرهيبة"، أودع أكثر من ألف سجين هذا الحبس الذي ضمّ قتلة ومغتصِبين ومعتقلين سياسيين من الحرب الأهلية الكولومبية بين الحزب المحافظ الحاكم والليبراليين (1948-1958).

نموذج نازي

ويوضح أغينو أنّ "السجن بُني على غرار المعسكرات النازية". ويتألف من باحات عدّة فيها غرف نوم جماعية، لكل واحدة منها "رواق الموت" الذي يؤدي إلى المنطقة التأديبية، ويقول "تنتاب الزوار أحياناً مشاعر سلبية للغاية"، وأفلتت غرفة نوم جماعية واحدة من الزحف النباتي وغزو الحشرات في الموقع.

وفي غرفهم، كان السجناء ينامون على أسرّة خشبية من طبقتين بدون فرش، ويقول أغيتو إنّ "كلّ سجين كان يُشار إليه برقم"، وكانت المساعدة في قطع أشجار الغابة طريقة السجناء الوحيدة لممارسة التمارين في الهواء الطلق، أما الزوّار فكان عددهم قليلاً.

ومارس الحراس المئة والعشرون سلطة مطلقة في المكان من دون أي رادع. ويقول أغيتو "لم يبق شيء هنا"، ويجسّد مكان واحد العنف الذي عانى منه السجناء: إنّها المنطقة التأديبية وفيها زنازين العزلة المحصّنة بقضبان حديد ثقيلة.

التعذيب عبر التجويع

تمثّلت العقوبة الأكثر رعباً في "العبوة"، وهي حفرة بعرض 80 سنتمتراً حيث كان يُجبر السجين على الوقوف لأيام متتالية في ماء قذر يغطيه حتى رقبته، ويقول ميغيل داريو لوبيس، آخر مدير للسجن لوكالة فرانس برس "عندما استلمت الإدارة، كان السجن مثل جهنّم فيه تعذيب وسوء معاملة وطعام فاسد...".

ويعبّر لوبيس (78 عاماً) الذي عُيّن مديراً العام 1981 عن فخره، مدّعياً أنه أنهى الانتهاكات التي ارتكبها الحراس وقام بـ"تهدئة" الوضع، ويقول "كان الحرّاس لصوصاً وفاسدين وينتقمون من السجناء"، مضيفاً "أوقفت استخدام الحفر العشر التي كانت لا تزال موجودة. وكان يُعتمد في السجن كذلك التعذيب بالتجويع، إذ سُمح للمساجين بأكل البطاطا والقليل من الأرز فقط، وفي بعض الأحيان ثعابين بالكاد مطبوخة".

ويضيف "غالباً ما كان السجناء يبكون، وكانوا يعانون جميعهم مشاكل في الصحة العقلية... إذ قتلوا بعضهم البعض خنقاً أو عبر استخدام شفرات"، وبالإضافة إلى الثعابين والعناكب، "كانت الشواطئ مليئة بأسماك القرش والبراكودا. هذه ليست أسطورة!"، وفق لوبيس.

ويشير لوبيس إلى أنّ "نحو 150 سجيناً لقوا حتفهم في غورغونا"، نافياً أن تكون الجثث ألقيت في البحر، ويوضح قائلاً "عملنا على إعادة تأهيل السجناء اجتماعياً بمساعدة الكهنة الفرنسيسكان والقساوسة السبتيين".

هروب سفّاح

يروي لوبيس وعلى يده ندبة كبيرة عانى منها أثناء محاولة فض شجار بالسكاكين بين المساجين "تمكنّا من تهدئتهم مستعينين بالموسيقى والرسم وحتى بالرقص اللاتيني، وعلّمناهم أن يسامحوا"، مضيفاً "توقّف القتل حين تولّيت إدارة السجن"، ويعرض صورة قديمة له بجانب أحد الهاربين من السجن، والذي قُبض عليه بعد ثلاثة أيام في البحر على متن زورق خشبي. ويقول "كانت عملية الهروب صعبة جدّاً"، إذ نجح نحو خمسة أو ستة مساجين فقط في الفرار، من بينهم إدواردو مونيتون تامايو الملقّب بـ "الفراشة الكولومبية" الذي هرب العام 1969، وقُبض عليه بعد ثلاث سنوات.

أما دانيال كامارغو باربوسا، الملقب بـ "سادي إل تشاركيتو"، فهرب العام 1984، وفي حين أكّدت السلطات حينها أنّه مات في البحر، قُبض عليه بعد عامين في الإكوادور، واعترف بقتل 71 فتاة رغم أن الشبهات تحوم حوله بقتله أكثر من 180.

أُغلق السجن في العام 1984 بعد ضغوط من منظمات حقوق الإنسان، وكذلك من المتخصصين في البيئة والعلماء الحريصين على حماية الطبيعة في الجزيرة بعد أن قطع السجناء 70 في المئة من غاباتها، ومنذ ذلك الحين، عادت الأشجار لتنمو كما في سابق عهدها في الغابة، ويعتبر أحد موظفي المنتزه أنّ "على الحكومة أن تحدّد الأجزاء التي تريد الحفاظ عليها من السجن لانّ العشب يلتهم الأنقاض بسرعة"، ويضيف "هل هذا معلم ثقافي أو تاريخي؟ أم ينبغي تركه ليختفي إلى الأبد؟".

اضف تعليق