كان يبحث عن الأمان وكانت تتطلع إلى الحرية... حلمان جازفا بكل شيء لتحقيقهما، في خريف العام 2015، فرّ أحمد (32 عاما) وعلياء (31 عاما) وابنهما آدم الرضيع في شهره الرابع من العراق، للانضمام إلى مليون مهاجر توجهوا إلى السواحل الأوروبية بحثا عن حياة أفضل، وكادا يموتان في البحر، وشعرا بفقدان كرامتهما على طريق البلقان وعاشا في الخفاء وعانيا من الانتظار... انتظار الطويل لحق اللجوء في هولندا، البلد الجديد الذي اختاراه لنفسيهما، إلى أن جاء اليوم الذي أصبح لهما منزل خاص بهما.

هذه واحدة من عائلات كثيرة كانت في يوم مشمس من أيلول/سبتمبر 2015 في غيفغيليا الحدود الهادئة لمقدونيا الشمالية مع اليونان. في ذلك اليوم ومع مئات السوريين والأفغان والعراقيين من رجال ونساء وأطفال ومسنين وجرحى ومبتوري أطراف، اندفعوا إلى القطار الذي سيقلهم عبر صربيا إلى الاتحاد الأوروبي. بحسب فرانس برس.

ولخمس سنوات، تابعهما خطوة بخطوة فريق للنص والصورة والفيديو من وكالة فرانس برس في القطار والطريق بتوجيه من مهربين، ومركز بائس للإيواء حتى فجر حياتهما الجديدة في مدينة دويفن الصغيرة في شرق هولندا، هذه قصة أحمد وعلياء اللذان فضلا عدم كشف هويتهما لأسباب أمنية، منذ المساء الذي قررا فيه مغادرة بغداد معا بعد نجاتهما من اعتداء.

الحلم يصبح حقيقة

في ذلك اليوم من آب/أغسطس 2019، جاء اتصال هاتفي وتلقت علياء النبأ: فقد حصلت للتو على وضع لاجئة في هولندا. في الجانب الآخر، يؤكد المحامي الذي يساعدها في إجراءاتها أنه في إطار هذه العملية سيكون لزوجها وابنها حق اللجوء تلقائيا.

وتغيرت حياتهما إلى الأبد. تعانقا وتبادلا القبل وكانت علياء تصرخ وتبكي وتضحك في وقت واحد. وقالت الشابة "كانت لحظة فرح أقوى من الفرح بزواجنا"، في الأسابيع التالية، حصلت الأسرة على تصاريح الإقامة وتصاريح السفر ولم تعد غير قانونية. بات لديهما الحق في الحصول على منزل وكسب المال والتنفس، وقال أحمد "أخيرا حصلنا على كل ما أردناه... حياة طبيعية مثل أي عائلة أخرى في هولندا".

رأيت الموت

الرحيل... هذا ما قرراه بعد لقائهما الأول وخطوبتهما في 2014. دعا أحمد علياء إلى تناول العشاء في مطعم في بغداد اسمه "مستر تشيكن"، فجأة، انفجرت قنبلة وقتل زبائن حولهما، وجرحت علياء بوجهها الذي ما زال يحمل ندوبا، وقال أحمد "في ذلك اليوم، رأيت الموت. لو جلسنا إلى طاولة أخرى لما كنا نجونا".

في بغداد، كانا يعيشان الحياة العادية لزوجين شابين من الطبقة المتوسطة. هو يدير محلا لبيع الملابس الراقية وهي ابنة أستاذ جامعي... وهما قريبان من عائلتيهما ولديهما مجموعة من الأصدقاء، قال الشاب وهو ينظر إلى صور مدينته على تطبيق سنابتشات "أحب بلدي"، لكن "في العراق عندما تذهب إلى العمل في الصباح لا تعرف إطلاقا ما إذا كنت ستعود حيّا في المساء"، وأطلقت ولادة آدم في 2015 العملية: باع أحمد محله وساهم عقار ورثه في تمويل "الرحلة"، وهذا ليس منفاه الأول. ففي العام 2006 في ذروة الحرب الأهلية في العراق، فرت عائلته إلى سوريا، ثم عادت إلى بغداد عندما غرق البلد المضيف بدوره في أعمال عنف، بعد ذلك، قال أحمد "عاما بعد عام استمر الوضع في العراق في التدهور والفساد والميليشيات استولت على السلطة"، ثم جاء تنظيم الدولة الإسلامية في 2014 ما أدى إلى موجة جديدة من الهجرة، وتقول المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة إن نحو 89 ألف عراقي عبروا البحر إلى اليونان وإيطاليا في 2015. والعام الماضي، كان هناك أكثر من 238 الف لاجئ منهم في أوروبا، قال أحمد "أجبرنا على الهجرة ولم يكن لدينا خيار مطلقا".

في المنزل

اليوم، تعيش علياء وأحمد وآدم في منزل صغير من ثلاث غرف مكسو بالبلاط البني مع حديقة في بلدة دويفن المحاطة بالأشجار قرب الحدود مع ألمانيا، أعادا طلاء الجدران باللون الأبيض وعلقا ستائر وردية وزرعا الطماطم. عند المدخل، على ممسحة الباب كُتب "في المنزل"، ويبتسم أحمد الذي يرتدي سروالا من الجينز وسترة جلدية قائلا "نجحنا"، بينما يشرب القهوة بالحليب المكثف تحت أشعة شمس الخريف التي تتسرب عبر نوافذ غرفة المعيشة الكبيرة، ولأنهما يتمتعان بوضع اللاجئين فهما يتلقيان بدلا شهريا مقداره 1400 يورو وحصلا على قرض بقيمة 3500 يورو من بلدية دويفن لإصلاح منزلهما. وهما يدفعان الآن رسوم الإيجار والضمان الاجتماعي والتأمين والكهرباء.

ومرتين في الأسبوع، يتلقيان دروسا في اللغة الهولندية. وما زال أحمد في بدايات تعلمه بينما تتدبر علياء أمرها وإن لجأت إلى اللغة الإنكليزية لإجراء محادثات طويلة، أما ابنهما فسيبلغ قريبا الخامسة من العمر. وهو يتحدث بطلاقة الهولندية والعربية والإنكليزية. ويقول إنه "نصف عراقي ونصف هولندي"، كل صباح، يركب دراجته متوجها إلى المدرسة. وعندما يسمح الطقس، يلعب كرة القدم في حديقة قريبة. هنا، لا قنابل ويمكن للأطفال اللعب بمفردهم، وتقول مديرة المدرسة التي يذهب إليها إن طفولته لم تكن تقليدية، لكنه في وضع جيد. وتضيف "آدم طفل مثل أي طفل آخر. يريد اللعب في الخارج وبناء صداقات"، وعندما ينام الطفل، يشاهد الأبوان مسلسلات على تطبيق "نتفليكس" مثل "لعبة العروش" باللغة الهولندية مع ترجمة إلى العربية، أمور ممتعة بسيطة كانت حتى وقت قريب تبدو بعيدة المنال.

رحلة مليئة بالعذاب

قلق وتعب وخوف من إعادتهم إلى الوطن... لن تنسى هذه العائلة أبدا العذاب الذي عاشته للوصول إلى مبتغاها، مع وصولهما إلى اليونان عن طريق البحر، بدأت المعاناة بدءا من عبور الحدود الصربية المجرية لدخول الاتحاد الأوروبي. ففي خريف 2015، أقامت المجر أسلاكا شائكة هناك لاحتواء التدفق المستمر للمهاجرين القادمين من البلقان. إذا قبض عليهما، فسيوضعان في مركز احتجاز.

لذلك، توجّب على علياء وأحمد أن يضعا مصيرهما في يدي مهرّب نقلهما أثناء الليل مع آخرين إلى وسط حقل حيث تعين عليهما النجاة من سارقي اللاجئين والشرطة المجرية على حد سواء، واستطاعت هذه المجموعة التي تتقدم بصمت وتضم نساء وأطفالا، النجاة بصعوبة من كمين: فقد كان رجال يتنكرون بملابس شرطيين يستعدون لمهاجمتهم. استخدم بعض المهاجرين غصون الأشجار للدفاع عن أنفسهم فيما تبعثر آخرون. علياء مرتبكة من الخوف لكن المهاجمين اختفوا أخيرا في الظلام. لا أشك بأنهم كانوا لصوصا.

خطواتهما الأولى في أوروبا التي كانا يحلمان بها جعلتهما مضعضعين. في بودابست، لا توافق الفنادق ولا حتى بيوت الدعارة على تأجير غرفة للمهاجرين. للأسف، سيتوجب عليهما النوم في الشارع مع طفلهما، في غضون أسبوع، تبخرت مدخراتهما، وكان الوصول إلى هولندا مصدر راحة... لكن غير دائم.

قررا أن يجربا حظهما على الطريق في اللحظة الأخيرة، لأن لديهما عائلة هناك. لكن استقبال أحبائهما لم يلب توقعاتهما. وهذه "خيانة" بالنسبة إلى أحمد الذي يشعر بأنه متروك والذي يقول "كان الدواء المر"، وهذه كانت بداية رحلة تشرد استمرت أربع سنوات نقلا خلالها من مخيم إلى آخر بما في ذلك سجن سابق للنساء، ومن منطقة إلى أخرى، وكانا ضائعين في متاهة من الإجراءات الإدارية اللامتناهية.

في كانون الأول/ديسمبر 2015 عندما عثرت وكالة فرانس برس عليهما، كانت العائلة تعيش في مركز لإقامة المعارض استحال مركزا للمهاجرين في ليوفاردن في الشمال. تعيش العائلة في صندوق من الخشب الرقائقي بدون باب أو سقف. وقال أحمد "هذه ليست حياة كيف نفسر ذلك؟ الأمر أشبه بكونك طائرا في قفص".

حياتهما معلقة على خيط الأمل في الحصول على حق اللجوء الذي بدونه، لا يمكنهما العمل أو استئجار منزل أو التخطيط للمستقبل، لكن طلبهما رفض مرتين. لأنه، وفق ما قيل لهما، إن أحمد عاد إلى العراق بعد نفيه في سوريا، وهو الأمر الذي يتناقض مع الادعاءات بأنه غير آمن في بلاده. واستأنفا في المرتين، لكن من دون جدوى.

وصلا إلى الحضيض. فقد عاشا مختبئين لمدة عام من دون وثائق، مجبرين على التوسّل من أجل الحصول على مبيت عند معارفهما مع شعور بأنهما فقدا كرامتهما، وقال أحمد "لم أستطع فعل أي شيء يتضمن إبراز أوراق ثبوتية. لقد كانوا ينظرون إلي بازدراء... كنت أقل قيمة من أي شخص آخر"، بلغ الألم درجة أن شعر علياء بدأ يتساقط. وقالت "في بعض الأحيان، كان الأمر أكثر مما أستطيع تحمله".

بأمان

يحب أحمد هولندا والمناخ الرطب الذي تتمتع به البلاد وقال بحماسة وهو يدخن سيجارة في حديقته تحت رذاذ المطر "إنها بلاد خضراء جميلة"، شيئا فشيئا، اعتاد الزوجان على نظم العيش في البلاد. بدآ شراء مستلزماتهما من سوبرماركت أسعاره معقولة في الحي حيث يقطنان، ويجلبان الخبز والتوابل العربية من بلدة أرنهيم المجاورة.

في العراق، كانت والدة علياء تطهو لجميع أفراد الأسرة. هنا، تتعلم الزوجة عبر "يوتيوب" طرق تحضير أطباق عراقية وهولندية، ورغم وباء كوفيد-19 والعزلة المصاحبة له، أقام الزوجان روابط مع آباء الاولاد الذين يرتادون مدرسة ابنهما.

منذ انتقالهما إلى هولندا، واجه الزوجان تعليقات عنصرية مثل "ربما نفعل هذا عندكم ولكن ليس عندنا". وقال أحمد لكن "عموما، رحب بنا الهولنديون بحرارة"، وما زالت تراود أحمد المندهش بحياته الجديدة في هذا البلد الذي تلقى في العام 2015 حوالى 58880 طلب لجوء وفقا لدائرة الهجرة والجنسية الهولندية، أسئلة في بعض الأحيان. هل كان الأمر يستحق تعريض نفسك للخطر للوصول إلى هذا المنفى في أوروبا؟ وقال "هذا هو المكان الذي قررنا أن يكون ديارنا".

حرية

اليوم، أصبحت علياء امرأة ديناميكية وواثقة من نفسها ومستقبلها. لم تعد تلك المرأة التي شككت في اختيار المغادرة والتي كانت خائفة ومختبئة وراء زوجها عندما التقت بها وكالة فرانس برس على طريق البلقان، فهي التي استحصلت أخيرا على حق اللجوء للأسرة. على عكس زوجها، لم تغادر العراق أبدا، وفي بغداد، اضطرت إلى ترك المدرسة الثانوية بعدما تعرضت لتهديد من إسلاميين متطرفين.

عادت الروح المعنوية المفقودة في السنوات الأولى من المنفى بلقائها مجموعة من طالبي اللجوء الفنزويليين وامرأة بولندية. وقالت "مررنا بكل ذلك معا، الأسوأ والأفضل. أصبحوا عائلتي الجديدة"ـ معهم، بدأت ترى البلد بشكل مختلف، وبدأت تخرج وترتاد المراقص والاستمتاع لأول مرة منذ فترة طويلةـ وكلما اندمجت في البلد، نشرت الشابة وهي من محبي موسيقى البوب العربية والريغي اللاتيني، جناحيها. عقد إيجار المنزل باسمها، مثل الحساب المصرفي.

تستمتع علياء التي غالبا ما ترتدي الجينز والأحذية الرياضية، بحياتها الجديدة في بلد تحترم فيه حقوق المرأة، هي التي لم تتبن أبدا العادات التقليدية في الشرق الأوسطـ وتابعت "هنا، أنا متحررة من كل ذلك".

كل شيء ممكن

في بعض الأحيان، يتغلب عليها الحنين إلى الوطن. عندما تتحدث عن عائلتها في العراق، تنهمر الدموع من عينيها. لكنها اليوم "لم تعد تشعر بأي ندم" على المغادرةـ وهذا لا يمنعها من التمسك بجذورها العراقية ورغبتها في نقلها إلى ابنها بإخباره بقصص عن بلدها الأم باللغة العربية وقالت "سيكبر هنا لكن عليه أن يعرف من أين أتى".

يريد أحمد الحصول على رخصة قيادة وهو يسعى إلى بدء عمله الخاص، ربما في مجال النقل. في غضون أربع سنوات، وبمجرد أن يصبح مؤهلا، سيتقدم بطلب للحصول على الجنسية الهولندية "لأتمكن من ممارسة حقوقي ومسؤولياتي في البلد الذي تبنانا"ـ وأضاف "الطريق ما زال طويلا لكن الأسوأ أصبح خلفنا. الآن كل شيء ممكن"ـ تنتظر علياء طفلهما الثاني الذي سيصبح مواطنا أوروبيا، مثل والديه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0