تبنى الدستور العراقي للعام 2005 النظام الديمقراطي في المادة الخامسة وجعله السيادة للقانون والشعب مصدر السلطات وشرعيتها يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر، مما يتطلب توفير آليات محددة لترجمة مبدأ السيادة الشعبية، ولهذا نحن بحاجة للانتخابات وضرورة أن تكون شفافة ومعبرة عن الإرادة العامة ومن جهة أخرى لابد من إيجاد مؤسسات تثري الحالة الديمقراطية في البلد ممثلة بالأحزاب والجمعيات وغيرها.

ونتساءل هل النظام الانتخابي وما يتطلبه من إجراءات سابقة ومعاصرة للانتخابات العامة متوافق مع النظام الحزبي؟ وهل هو متفق مع الإطار الدستوري العام؟ وهل يحقق النظام التمثيلي العادل للشعب العراقي؟ إذ يفترض بالنظام الانتخابي أن يستوعب أمرين مهمين الأول الأحزاب والتنظيمات السياسية بكونها مكون من مكونات النظام السياسي ومؤسسات من شأنها أن تحقق الانتقال الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة في البلد.

الأمر الأخر يفترض أن يحقق هذا النظام المشاركة السياسية الأوسع لأفراد المجتمع، وقد أشارت المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966 إلى هذا المعنى بالنص على إن "لكل مواطن دون وجه من أوجه التمييز، الحق في المشاركة في الشؤون العامة، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يتم اختيارهم بحرية، وان يُنتخّب أو يَنتخب في انتخابات حرة ونزيهة تجري دورياً بالاقتراع العام على قدم المساواة بين الناخبين بالتصويت السري تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين، وان تتاح له على قدم المساواة عموما مع من سواه فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده"، وقريب من هذا المعنى ما أشارت إليه المادة (20) من دستور جمهورية العراق للعام 2005 والتي نصت على "للمواطنين رجالا ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشح".

فالنظام الانتخابي هو قواعد فنية يحددها المشرع والهيئة القائمة على إدارة الانتخابات من شأنها الترجيح بين المرشحين، فهو بعبارة أخرى هو عملية تنظيمية تبدأ بعرض المرشحين على جمهور الناخبين لغرض إنجاز عملية التصويت، ما يعني أنه في النهاية نظام قانوني من شأنه تحويل أصوات الناخبين إلى سلم يرتقي من خلاله المرشحين نحو المجلس النيابي.

وحين نتكلم عن النظام الانتخابي نحن لا نقصد القانون الانتخابي بكامل أجزائه كونه ينظم العملية الانتخابية منذ البدء بها بإعداد سجل الناخبين وانتهاءً بالتصويت واحتساب الأصوات وإعلان الفائز بل نقصد النظام الذي يحدد كيفية احتساب الأصوات وتعيين الفائز من المرشحين فحسب، والنظم الانتخابية عديدة وعلى رأسها:

أولاً: نظام الأغلبية:

وهو النظام الأقدم والأبسط وطبقاً له فالمرشح الحاصل على أغلبية الأصوات في الدائرة الانتخابية يعد فائزاً ويمكن أن يكون الترشح فرديا أو بنظام القائمة حيث تفوز القائمة التي تحصل على أغلبية الأصوات، ويمكن أن يكون نظام الأغلبية مطلقاً حين يتطلب الأمر لفوز المرشح حصوله على نصف عدد الأصوات الصحيحة في الدائرة الانتخابية أو أكثر، وقد يكون نظام الأغلبية نسبياً حيث يعد المرشح فائزاً بمجرد حصوله على العدد الأكبر من الأصوات الصحيحة في الدائرة الانتخابية.

ثانياً: نظام التمثيل النسبي:

وهذا النظام يعتمد بالدرجة الأساس على الترشح في القوائم الانتخابية وتوزع المقاعد على القوائم المتنافسة بنسبة عدد الأصوات التي حصلت عليها كل منها، وهذا النظام هو المطبق في العراق في قوانين الانتخابات السابقة ومنها القانون رقم (45) لسنة 2013 الملغى، والقانون رقم (9) لسنة 2005 المعدل الملغى، ويشار إلى ان من الممكن اعتماد طريقة القوائم المغلقة أو المفتوحة التي تتيح للناخب اختيار مرشح أو أكثر من ذات القائمة وإعادة ترتيب المرشحين داخلها.

وبالرجوع إلى قانون الانتخابات الخاص بمجلس النواب العراقي النافذ رقم (9) لسنة 2020، نجد انه تبنى وبصراحة نظام انتخابي قريب من الأغلبية النسبية في المادة (15) والتي نصت على أن "أولاً/ تقسم الدوائر الانتخابية المتعددة في المحافظة الواحدة.، ثانياً/ يكون الترشح فرديا ضمن الدوائر الانتخابية.، ثالثاً/ يعاد ترتيب تسلسل المرشحين في الدائرة الانتخابية وفقاً لعدد الأصوات التي حصل عليها كل منهم ويعد فائزاً من حصل على أعلى الأصوات على وفق نظام الفائز الأول.....، خامساً/ إذا شغر أي مقعد في مجلس النواب يحل محله المرشح الحائز على أعلى الأصوات في الدائرة الانتخابية".

أما عن النظام الحزبي فيقصد به التنظيم القانوني للأحزاب في البلد والتي تتاح لها الفرصة بالتنافس في الانتخابات العامة فالحزب تنظيم سياسي قادر على تقديم المرشحين إلى المناصب العامة في البلد ويمارس العمل السياسي بمختلف مسمياته بما في ذلك معارضة أو تأييد السياسات العامة في البلد وتحريك الرأي العام أو على الأقل الإسهام في تكوينه عبر الصحافة الحزبية وغيرها من الوسائل، وبما ان العراق قد تبنى نظام التعددية الحزبية منذ العام 2004 بعد التغيير السياسي وصدور الأمر رقم (97) لسنة 2004 عن سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة وصولا إلى قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية رقم (36) لسنة 2015، فقد أشارت المادة الرابعة من قانون الأحزاب النافذ إلى أنه "أولاً/ للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في تأسيس حزب سياسي أو الانتماء إليه أو الانسحاب منه، ثانياً/ لا يجوز إجبار مواطن على الانضمام إلى أي حزب سياسي أو إجباره على الاستمرار فيه...، خامساً/ لا يجوز تمييز مواطن أو التعرض له أو مساءلته أو المساس بحقوقه الدستورية بسبب انتمائه لحزب مؤسس وفق القانون".

وتتميز العلاقة بين النظام الحزبي والانتخابي بأنه تكاملية وليست منفصلة والسبب بتقديري أن النظام الانتخابي سيؤثر وبلا شك على النظام الحزبي ومن ثم يرسم معالم الأحزاب ويحدد سلوكياتها حتما، بل سيؤثر على إنشاء الأحزاب الجديدة وسيحدد مصير الموجودة منها والعلة ان تطبيق نظام الأغلبية في بريطانيا أسهم بشكل كبير في تبلور نظام الثنائية الحزبية المهيمنة على مجلس العموم، نعم هنالك أحزاب أخرى إلا انها غير مؤثرة بشكل كبير على المشهد البرلماني فهنالك حزبين رئيسين يتناوبان على تسلم رئاسة الحكومة، وأسهم النظام الانتخابي الميال إلى النسبية بإيجاد أحزاب كثيرة متنافسة على السلطة في دول أخرى مثل ألمانيا وفرنسا وغيرهما.

والعراق كذلك وبحسب الفقه الدستوري فان نظام الأغلبية بشكله التقليدي يسهم في سحق الأحزاب الصغيرة واضمحلالها وبروز دور الأحزاب الكبيرة القادرة على التنافس فيما بينها بما تملكه من مقومات مالية كبيرة، في الوقت الذي يكون فيه نظام التمثيل النسبي أقرب إلى التمثيل المجتمعي المتكافئ كونه يسمح للأحزاب الصغيرة بالحصول على مقاعد برلمانية، لكنه لا يفرز حزب حاصل على أغلبية برلمانية كافية لتشكيل الحكومة فتظهر مشكلة الحكومات الائتلافية التي تعصف بها الأزمات وقد ينتهي إلى الأمر إلى تفكك التحالف واستقالة الحكومة.

وبالربط بين النظامين الحزبي والانتخابي تظهر أهميتهما من نواحي عديدة أهمها:

1- كلاهما يعد الترجمة الحقيقية لأهم حقوق المواطن السياسية وهما مؤثران بشكل مباشر في تشكيل البرلمان والحكومة وبقية المؤسسات العامة.

2- كلاهما يسهم في عملية التنمية السياسية ونضج المواطنين سياسياً من خلال التدرج في المناصب والوظائف الحزبية ما يكسبهم الخبرة في العمل السياسي وبالتالي يمكنهم في المستقبل التقدم من خلال بوابة الانتخابات لتسنم المناصب العليا في البلد، كما ان المساهمة الفاعلة في الانتخابات التي تحترم فيها الإرادة الشعبية يسهم في زيادة الوعي وترشيد خيارات الناخب بما يصب في المصلحة العامة.

3- كلاهما مكمل ومؤثر في الأخر فالنظام الانتخابي يصوغ على مر السنين شكل النظام الحزبي ويرسم خارطة التحالفات الحزبية ولربما يتسبب في الاندماج الحزبي أو التغيير الممنهج في الحزب ومبادئه وأهدافه، والنظام الحزبي المهيمن على الأغلبية البرلمانية يكون له الدور البارز في صياغة النظام الانتخابي عبر التعديلات التي ترد على قانون الانتخابات.

4- إن هيئات الدولة لا سيما التشريعية والتنفيذية مسؤولة أمام المواطنين مسؤولية مطلقة بما يحقق العدالة المطلقة وبالتالي حين يصاغ النظام القانوني المحدد للنظام الحزبي والانتخابي ينبغي ان يكون محايدا بما يحقق المساواة الحقيقية بين الجميع للوصول إلى السلطة أو التأثير فيها.

5- ينبغي أن يكون النظام الحزبي متأثرا بالنظام الانتخابي أي يدمج النظام الانتخابي بالنظام الحزبي لضمان ديمقراطية البناء الحزبي والتداول السلمي للمناصب الحزبية بما يمنع من تشكيل أحزاب الأشخاص والأسر ويمهد الطريق لديمقراطية كاملة في البلد وليست شكلية فحسب على مستوى الانتخابات البرلمانية والمحلية.

وبالرجوع إلى السؤال الرئيس حول توافق النظام الحزبي مع النظام الانتخابي نقول ان قانون الأحزاب النافذ في العراق اشترط في المادة السادسة منه "ان يعتمد الحزب السياسي الآليات الديمقراطية لاختيار القيادات الحزبية" وقد نصت المادة الخامسة على أن "يؤسس الحزب على أساس المواطنة وبما لا يتعارض مع أحكام الدستور واشترطت المادة الثامنة لتأسيس الحزب ان يكون له برنامج خاص لتحقيق أهدافه، وأضافت المادة الحادية عشر ان من شروط التأسيس وضع نظام داخلي وبرنامج سياسي.

ومن كل ما تقدم نجد ان الواقع القانوني يتباين مع الواقع العملي للأحزاب في العراق فالعديد منها لا تتبنى المبدأ الديمقراطي في اختيار القادة والزعماء بل ان البعض منها محتكر لشخصيات أوجدت لنفسها مسميات دينية أو سياسية معينة لا تتفق والنصوص المتقدمة ما سيكون خطرا على النظام الانتخابي المرسوم في القانون النافذ، فعلى الشعب العراقي ان يكون مدركا لحجم الخطر القادم وأهمية حمل راية التغيير الديمقراطي من خلال صناديق الانتخاب بعيدا عن المرشحين المأدلجين ممن يظهرون بمظاهر الكفاءة أو الوطنية وفي الحقيقة هم مجرد أدوات بيد رئيس الحزب لا حول لهم ولا قوة.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق