يبدو ان أوروبا لا ترغب في تكرار أزمة 2015 عندما وصل الملايين إلى أوروبا طلبًا للجوء، لكن فتح تركيا للحدود أعاد الشبح مجددًا، فما هي مواقف كل طرف من أطراف الأزمة؟ وما خطط أوروبا لمواجهة التحدي؟ وكيف تبرّر تركيا موقفها؟

خصوصا وان الطرفين يلقيان بكرة الازمة على الآخر، تركيا واليونان والاتحاد الأوروبي، كما دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة التي اشتد لهيبها بعد سماح تركيا للاجئين بالتوجه إلى حدودها مع اليونان، وبالرجوع الى خلفية القضية؟، هو ما حصل اتفاق في 2016 تمنع بموجبه تركيا المهاجرين واللاجئين من دخول الاتحاد الأوروبي مقابل تقديم مبالغ مالية تساعد أنقرة في التعامل مع العدد الهائل من المهاجرين الذين تدفقوا إلى أراضيها.

ولكن العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي توترت بسبب عدد من القضايا. وفي الأسابيع الأخيرة، أدى الهجوم الذي شنته القوات السورية المدعومة بقوات روسية على محافظة إدلب السورية التي تضم آخر المواقع الخاضعة لسيطرة المتمردين السوريين، إلى تصادم مع تركيا التي تدعم بعض جماعات المعارضة السورية المسلحة.

وتؤوي تركيا 3.7 ملايين لاجئ سوري، ولكن النزاع في إدلب دفع أكثر من مليون سوري إلى النزوح عن مناطقهم نحو الحدود التركية الجنوبية، وعلى الرغم من وعد الاتحاد الأوروبي بمنح تركيا مساعدات إضافية قيمتها مليارات اليوروات، إلا أن هذا العرض لم يُرض أنقرة التي أعلنت الأسبوع الماضي فتح الباب أمام المهاجرين الراغبين في الذهاب إلى دول الاتحاد الأوروبي، ونقلت بعضهم في حافلات إلى الحدود اليونانية.

على هذا الصعيد، تقول صحيفة تايمز البريطانية إنه يتعين على أوروبا إبرام صفقة مع تركيا إذا أرادت تفادي موجة هجرة جديدة، وذلك في أعقاب التصعيد الراهن في إدلب، وحذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من أن "ملايين" المهاجرين واللاجئين سيتوجّهون إلى أوروبا، في تكثيف لضغوطه على الدول الغربية للحصول على مزيد من المساعدات في النزاع السوري، كما أعرب اردوغان عن امله في التوصل الى اتفاق وقف اطلاق نار في سوريا عند لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في وقت لاحق من الاسبوع عقب القتال العنيف في محافظة ادلب، آخر معاقل المقاتلين، وحذر من أن على اوروبا تحمل حصتها من أزمة اللاجئين التي تسبب بها العنف في المنطقة.

وقال "بعدما فتحنا أبوابنا، تلقينا العديد من الاتصالات الهاتفية، قالوا لنا (أغلقوا الأبواب) لكنني قلت لهم (لقد تم الأمر، انتهى الأبواب مفتوحة وعليكم الآن أن تتحملوا نصيبكم من العبء)، واحتشد آلاف المهاجرين واللاجئين ومن بينهم افغان وسوريون وعراقيون، على الحدود التركية مع اليونان بعد أن أعلن اردوغان أن تركيا لن تمنعهم من التوجه إلى الاتحاد الأوروبي، وزعم أن الاعداد أكبر من ذلك بكثير، وقال انها تصل الى "مئات الالاف".

واضاف "سيتزايد العدد قريبا هذا العدد سيصل الى الملايين"، واندلعت اشتباكات عندما منعت الشرطة اليونانية دخول الالاف عبر الحدود، وأطلقت الغاز المسيل للدموع على المهاجرين الذين ردوا بالقاء الحجارة، وفي محاولة يائسة سعى العديد من المهاجرين الى السير في طرق بديلة، وقالت شرطة الموانئ اليونانية ان صبيا توفي عندما انقلب قارب مكتظ قبالة ساحل جزيرة ليسبوس، وعلنت اثينا عن تعزيز دورياتها البرية والبحرية وتعليق طلبات اللجوء التي تقدم بها الاشخاص الذين دخلوا البلاد بشكل غير قانوني.

وتستقبل تركيا على أراضيها أكثر من 4 ملايين مهاجر ولاجئ، غالبيتهم من السوريين، إلا أنها ابرمت اتفاقا مع الاتحاد الأوروبي في 2016 لمنعهم من التوجه الى اوروبا مقابل الحصول على مليارات اليورو من المساعدات، ومن المقرر ان يزور كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي الحدود اليونانية وسط مخاوف من تكرار تدفق اللاجئين الى اوروبا في 2015.

وقف إطلاق نار في ادلب؟

تأتي مسألة اللاجئين في الوقت الذي تشن فيه تركيا عملية عسكرية في ادلب شمال غرب سوريا، بعد اسابيع من تصاعد التوترات مع النظام السوري الذي شن هجوما مدمرا بدعم جوي روسي، لاستعادة المحافظة، وأكدت السلطات السورية عزمها التصدي بحزم "للعدوان" التركي على أراضيها، وقال مصدر رسمي في وزارة الخارجية والمغتربين، وفق تصريحات نقلتها وكالة الانباء السورية "سانا"، إن بلاده "تؤكد العزم والتصميم على التصدي للعدوان التركي السافر بكل الحزم ووضع حد لكافة التدخلات التركية حفاظاً على سلامة ووحدة الأراضي السورية".

وأكد مكتب اردوغان على أنه سيعقد قمة مع بوتين في موسكو الخميس لمناقشة تصاعد العنف، وأكد إردوغان خلال خطاب في أنقرة "سأذهب إلى موسكو الخميس لمناقشة التطورات (في سوريا) مع بوتين وآمل هناك، أن يتخذ (بوتين) التدابير الضرورية مثل وقف لإطلاق النار وأن نجد حلاً لهذه المسألة"، بدوره قال الكرملين ان التعاون مع تركيا أولوية أولى، وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي هاتفي "نحافظ على التزامنا باتفاقات سوتشي، ووحدة الأراضي السورية، وندعم مكافحة الإرهابيين...وبطبيعة الحال نولي أهمية كبرى للتعاون مع شركائنا الأتراك".

وأطلقت أنقرة عملية عسكرية ضد النظام السوري المدعوم من موسكو بعد أسابيع من التصعيد في إدلب في شمال غرب سوريا، حيث أسقطت طائرتين حربيتين سوريتين وقتلت 19 عسكرياً سورياً، وأضاف بيسكوف "عسكريونا على تواصل دائم الأهم هو أننا نتجه الآن نحو مفاوضات بين بوتين وإردوغان"، مقررة الخميس في موسكو، وأكد أن "خبراءنا العسكريين يحللون ويقيمون الوضع على الأرض"، موضحاً أن الجيش الروسي سيعمل على "ضمان أمن الطيران" فوق منطقة إدلب.

ويشن النظام السوري منذ كانون الأول/ديسمبر بدعم من الطيران الروسي عملية عسكرية لاستعادة إدلب،المعقل الأخير لمجموعات جهادية ومعارضة، وأثارت هذه العملية خلافات بين أنقرة وموسكو ورغم أن تركيا تدعم بعض المجموعات المعارضة، مقابل دعم روسي للنظام، لكن الطرفين عززا تعاونهما حول الملف السوري في السنوات الأخيرة، ورغم ذلك فإن تركيا تظل مصممة على تجنب اي اشتباك مباشر مع روسيا، حيث يرتبط البلدان باتفاقيات دفاعية وتجارية مهمة.

اشتباكات مع الشرطة اليونانية

قال شهود إن الشرطة اليونانية أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريق لاجئين رشقوها بالحجارة محاولين شق طريقهم بالقوة عبر الحدود من تركيا وخلفهم آلاف آخرون بعد أن خففت أنقرة القيود عليهم، واستمرت الاشتباكات لليوم الثاني على التوالي عند المعبر الحدودي عند مدينة كاستانيي اليونانية حيث سعت الشرطة لدفع المهاجرين للعودة من حيث أتوا بإطلاق الغاز المسيل للدموع، ووضعت اليونان حدودها في حالة تأهب أمني قصوى يوم الأحد بعد أن استغل مئات المهاجرين نقاط عبور غير محكمة لدخول البلاد.

وقالت الشرطة إن ما لا يقل عن 500 شخص وصلوا بحرا إلى ثلاث جزر يونانية قريبة من الساحل التركي خلال ساعات قليلة وعلى البر الرئيسي شمالا، خاض مهاجرون في نهر وصولا إلى الجانب اليوناني عند مدينة كاستانيي ورأى مراسلون لرويترز مجموعات تضم ما يصل إلى 30 شخصا على جانب أحد الطرق بعد أن خاضت في مياه النهر قبل ساعات وكان من بينهم امرأة أفغانية ورضيعها البالغ من العمر خمسة أيام، ووقعت الاشتباكات في وقت لاحق عند معبر كاستانيي بعد أن عززت شرطة مكافحة الشغب الأمن هناك ولم ترد تفاصيل أخرى على الفور إذ تدفع الشرطة الصحفيين بعيدا عن الموقع متذرعة باعتبارات تتعلق بالسلامة، وقال مصدر بالحكومة التركية إن بعض المهاجرين الذين منعوا من عبور الحدود رشقوا الشرطة على الجانب اليوناني بقضبان معدنية وعبوات غاز مسيل لدموع.

وقالت تركيا إنها لن تمنع من الآن فصاعدا مئات الآلاف من طالبي اللجوء على أراضيها من محاولة الوصول إلى أوروبا رغم تعهدها بذلك في اتفاق أبرمته مع الاتحاد الأوروبي عام 2016، وتغير موقف تركيا بعد مقتل 33 من جنودها في ضربة جوية بسوريا حيث نشرت أنقرة قوات لتأمين حدودها من موجة جديدة من اللاجئين الفارين من الحرب الدائرة في سوريا، وقالت تركيا إن الأموال التي تعهد بها الاتحاد الأوروبي لمساعدتها على استيعاب 3.7 مليون لاجئ سوري على أراضيها بالفعل تصل ببطء. وهددت أنقرة عدة مرات بفتح الأبواب أمام اللاجئين للمغادرة إذا لم تحصل على مزيد من الدعم.

مريكل: يجب ان لا يستغل ارودغان المهاجرين

قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنها تتفهم توقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحصول على قدر أكبر من العون من أوروبا للتعامل مع أزمة اللاجئين، لكنها أضافت أن عليه ألا يستغل اللاجئين لإبداء استيائه، ووصل أكثر من عشرة آلاف مهاجر، معظمهم من سوريا ودول أخرى بالشرق الأوسط ومن أفغانستان، إلى حدود تركيا البرية مع اليونان وبلغاريا، وهما من دول الاتحاد الأوروبي، منذ قالت أنقرة وإنها ستتوقف عن إبقائهم على أراضيها، وقالت ميركل للصحفيين "أتفهم أن تركيا تواجه تحديا كبيرا جدا فيما يتعلق بإدلب... مع ذلك، من غير المقبول بالنسبة لي ألا يعبر - الرئيس أردوغان وحكومته - عن هذا الاستياء خلال حوار مع الاتحاد الأوروبي، وإنما باستغلال اللاجئين. في رأيي هذا ليس السبيل للمضي قدما"، وأضافت ميركل أنه ينبغي أن يستأنف الاتحاد الأوروبي وتركيا المحادثات بشأن اتفاقهم الخاص باللاجئين وإن ألمانيا منفتحة أيضا على دعم تركيا على المستوى الثنائي.

بلغاريا مستعدة لإرسال ألف جندي لمنع تدفق المهاجرين

قال وزير الدفاع البلغاري إن بلاده مستعدة لنشر ما يصل إلى 1000 جندي ومعدات عسكرية على الحدود مع تركيا لمنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وقال كراسيمير كاراكاتشانوف إن شرطة الحدود منعت مجموعتين مؤلفتين من حوالي 30 شخصا من دخول بلغاريا من تركيا في وقت مبكر بعد أن قالت أنقرة إنها لن تمنع اللاجئين السوريين من الوصول إلى أوروبا بعد الآن، وبلغاريا، العضو في الاتحاد الأوروبي لها حدود برية تمتد لأكثر من 300 كيلومتر مع تركيا، ولم تواجه ضغوطا من المهاجرين الساعين للوصول لأوروبا في السنوات الأخيرة، وقالت صوفيا إنها لن تسمح بتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين في وقت تعزز فيه الإجراءات الوقائية على الحدود لتجنب انتشار فيروس كورونا إلى البلاد.

بعض الخيارات المطروحة أمام الاتحاد الأوروبي ومخاوف أوروبا بشأن الهجرة

- أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقا مع تركيا في مارس آذار عام 2016 لدفع ستة مليارات يورو (6.6 مليار دولار) في مقابل أن تمنع أنقرة اللاجئين والمهاجرين على أراضيها من السفر إلى أوروبا.

- خفض الاتفاق منذ ذلك الحين أعداد الواصلين إلى الاتحاد الأوروبي من تركيا بدرجة كبيرة وقال الاتحاد إنه عازم على الإبقاء على الاتفاق مع أنقرة مما يعني احتمال تقديم المزيد من المال لها.

- لكن من الصعب الترويج لذلك بين الدول الاعضاء في الاتحاد، وعددها 27 دولة، في وقت تختلف في هذه الدول على الموازنة التالية طويلة الأجل اعتبارا من 2021.

- زيادة المساعدات الإنسانية أشار ميشيل بالفعل إلى استعداد الاتحاد لزيادة الدعم الإنساني لمنطقة إدلب في شمال غرب سوريا وهي من آخر المناطق التي تسيطر عليها معارضة مدعومة من تركيا تقاتل قوات الرئيس السوري بشار الأسد المدعوم من موسكو.

- مساعدة اليونان وبلغاريا على الحدود، دعت المفوضية الأوروبية لاجتماع طارئ لوزراء الهجرة في دول الاتحاد وقالت إنها مستعدة لإشراك وكالة الحدود الأوروبية (فرونتكس) في المساعدة على مراقبة حدود التكتل الخارجية مع تركيا في اليونان وبلغاريا.

- في عامي 2015 و2016، اجتاحت أعداد ضخمة من الوافدين الجدد اليونان التي سمحت للعديد منهم بالمضي قدما إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي وردت دول أخرى بإعادة فرض إجراءات فحص الهوية على حدودها داخل منطقة حرية السفر بالاتحاد الأوروبي لمنع حركة الناس غير المنضبطة.

ومنطقة حرية السفر من الإنجازات الرئيسية للتكامل الأوروبي. ويريد الاتحاد تجنب أي انهيار * - حشد الضغط السياسي وينظر في بروكسل إلى قرار تركيا فتح الطريق لأوروبا أمام اللاجئين والمهاجرين ردا على قصف إدلب كمحاولة لاستدراج الاتحاد الأوروبي وضمان دعم لتركيا في مواجهة روسيا، وربما تجتمع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إدلب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12