يحاول أكثر من ثمانية آلاف أثيوبي الهجرة الى السعودية عبر اليمن سنوياً، أملا في الحصول على فرص عمل وحياة أفضل لكن طريقهم في الهجرة مليء بمصاعب كثيرة، ويتعرض المهاجرون الإثيوبيون إلى السعودية إلى "محن وانتهاكات لا توصف"، حسب أحدث تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش التقرير يتحدث عن "الاستغلال والتعذيب في اليمن" وصولا إلى احتجازهم في السعودية في ظروف "مسيئة" ثم طردهم منها.

نددت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير الخميس (15 آب/ أغسطس 2019) بالانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون الإثيوبيون إلى السعودية، من مخاطر الرحلة عبر البحر الأحمر و"الاستغلال والتعذيب" واحتجازهم في ظروف "مسيئة" في السعودية وصولا إلى طردهم من المملكة.

واستند التقرير إلى شهادات مهاجرين إثيوبيين طردوا من السعودية؛ إذ وثق تعرض هؤلاء للاستغلال والعنف والإتجار بالبشر منذ بداية رحلتهم عبر البحر الأحمر وخليج عدن للوصول إلى السعودية، ولفتت المنظمة الحقوقية إلى أن السلطات الإثيوبية واليمينية والسعودية "لم تتخذ أي تدابير تذكر إن وُجدت للحد من العنف الذي يواجهه المهاجرون ... أو التحقق من الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن التابعة لها".

وقال فيليكس هورن، الباحث في هيومن رايتس ووتش المتخصص في شؤون إفريقيا، إن "الكثيرين من الإثيوبيين الذين كانوا يأملون في حياة أفضل في السعودية يواجهون مخاطر هائلة في الرحلة إليها، من الموت في البحر والتعذيب وكافة صنوف الانتهاكات".

جثث تتعفن على الحدود

ولدى انتقالهم إلى السعودية عابرين الحدود، يقول التقرير استنادا إلى الشهادات التي جمعها إن حرس الحدود السعوديين لا يترددون في إطلاق النار على المهاجرين موضحا أنهم قتلوا وجرحوا الكثيرين منهم، وروى مهاجر إثيوبي عمره 26 عاما للمنظمة "كانت هناك جثث تتعفن على الحدود، تتحلل. كأنه قبر" وبحسب أرقام المنظمة الدولية للهجرة، كان هناك حوالى 500 ألف إثيوبي في السعودية عندما باشرت الرياض عام 2017 حملة ضد الهجرة غير القانونية.

وقامت السلطات السعودية، بحسب ما نقل التقرير عن المنظمة الدولية للهجرة، بترحيل نحو 260 ألف إثيوبي، أي بمتوسط عشرة آلاف إثيوبي شهريا بين أيار/مايو 2017 وآذار/مارس 2019 مشيرا إلى أن عمليات الترحيل مستمرة، وفيما تتلقى إثيوبيا مساعدات من الأسرة الدولية لتولي أمور المهاجرين المبعدين من أوروبا، فإن الذين يتم ترحيلهم من السعودية لا يحصلون على أي دعم أو مساعدة.

تفاصيل مروعة

ألقت صحيفة "الغارديان" البريطانية الضوء على ما قالت إنها انتهاكات يومية يواجهها الإثيوبيون في السعودية، وقالت الصحيفة، في تقرير، إن الإثيوبيين يواجهون الضرب والرصاص في وقت زادت حملات الترحيل بحقهم من المملكة، وقال التقرير إن الشرطة السعودية قامت، عندما اعتقلت إثيوبي، يدعى "طيب محمد"، على الحدود الجنوبية بوضع كل ما يملكه على الأرض وحرقه.

وكان المهاجر غير الشرعي يحاول عبور الحدود من اليمن بعد رحلة 5 أيام في الأدغال وقال في مقابلة معه بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا: "لقد طلبوا مني خلع ملابسي وأخذوا مني كل شيء، هاتفي وملابسي ونقودي وأشعلوا فيها النيران أمامي" ويعتبر "طيب" واحدا من حوالي 10 آلاف إثيوبي يرحلون كل شهر من السعودية.

وعاد حوالي 300 ألف مهاجر منذ مارس/آذار ذلك العام، بحسب الأرقام الأخيرة لمنظمة الهجرة الدولية، وعادوا في طائرات مزدحمة كل أسبوع إلى مطار أديس أبابا، ولا يعرف عدد المهاجرين الإثيوبيين في السعودية قبل بداية الحملة، إلا أن هناك إحصائيات تضعهم بحوالي نصف مليون مهاجرا يعملون عادة في المهن اليدوية وبأجور قليلة في مواقع البناء والخدمة المنزلية.

وقالت مصادر إن معظمهم يصل من خلال البحر الأحمر، في رحلة تأخذهم إلى جيبوتي إلى اليمن الذي يعيش حرباً أهلية، ومع ذلك يستقبل مهاجرين غير شرعيين أكثر مما يستقبل البحر المتوسط، ولا أحد مع ذلك ينتبه إلى الأعداد المتزايدة التي تفر من الفقر والبطالة في بلادها، وكذلك بحسب بعض المصادر تم ترحيل مئات الآلاف من الإثيوبيين في عملية فوضوية عامي 2013 و2014 إلا أن الأعداد أعلى هذه المرة، ولكن لا أحد ينتبه.

السعودية لا تفرق بين المجرمين والمهاجرين

يعود المرحَّلون إلى ديارهم صفر الأيدي، ويبلغون عن وقوع انتهاكاتٍ خطيرةٍ بحقهم من الشرطة السعودية وحراس السجون وعاد بعضهم بحالةٍ صحيةٍ سيئةٍ للغاية، حتى إنهم توفُّوا بُعَيد وصولهم إلى المطار في أديس أبابا. وعانى بعضهم من جروح رصاصٍ لم تُعالَج، والسعودية هي واحدة من دولٍ قلائل لم توافق على المعاهدات الدولية الرئيسية المرتبطة باحتجاز المهاجرين ووفقاً لمركز Global Detention Project للأبحاث في جنيف، غالباً ما يكون الخط الفاصل بين احتجاز المهاجرين واعتقال المجرمين في السعودية مبهماً.

لا يوجد إشرافٌ مستقلٌّ على ممارسات الاحتجاز، وكانت آخر زيارة أجرتها منظمةٌ مستقلةٌ لحقوق الإنسان إلى أحد السجون في عام 2006، وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش ويقول كوغل إن هناك 10 منشآتٍ على الأقل، منها سجون تُستَخدَم لاحتجاز المهاجرين داخل السعودية، لكن الرقم المحدَّد غير معروفٍ.

وروى محتجزون قصصاً مشابهة لصحيفة The Guardian قصصاً مشابهةً من محتجَزين سابقين آخرين، وكان الأمر مماثلاً بالنسبة لمن أجرت معهم منظمة Human Rights Watch مقابلاتٍ صحفيةً.

منشآت سيئة السمعة

توجد أسوأ منشآت الاحتجاز سمعةً في الداير، في منطقة جازان الجنوبية السعودية. وقال كوغل: "هذه بعض أسوأ الحالات التي سمعت عنها يوماً، حقاً (الأسوأ) إلى أقصى حد"، وأبلغ محتجَزون سابقون عن انتهاكاتٍ مثل سَلسَلة السجناء معاً، وزنزانات ذات مراحيض تالفة، وإرغام السجناء على الجلوس في البول والبراز، وإلقاء الطعام عبر نوافذ الزنازين لكي يتقاتل السجناء على نيل قضمةٍ منه، ومنع المسلمين من الصلاة، ونزع الصلبان من قلادات السجناء المسيحيين، وعدم وجود مياه نظيفة أو مرافق صرف صحي.

ونقلت صحيفة The Guardian عن المحتَجَز السابق عبد الرحيم سفيان قوله إن الحراس كانوا يمشون على ظهره كنوعٍ من العقاب، وكثيراً ما لقَّبوه والمحتَجزين الآخرين بـ "الكلاب" أو "الحيوانات"، ومثله غيره صودرت جميع ممتلكاته، بما في ذلك ثيابهم.

وهذا ليس كل شيء، فالسلطات السعودية متَّهمةٌ أيضاً باحتجاز القُصَّر وترحيلهم، مع أن الدولة قد وقّعت ووافقت على اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر احتجاز الأطفال بناءً على كونهم مهاجرين، وقال محمد مرشد، رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في إثيوبيا: "هناك أطفال ضمن آلاف الأشخاص القادمين كل أسبوعٍ من السعودية، ونحن قلقون عليهم بالتحديد، لأنهم يتطلَّبون حمايةً ومساعدةً اجتماعيةً خاصةً".

رغم ذلك الإثيوبيون يواصلون التوجه للسعودية

وتقدر المنظمة الدولية للهجرة، أنَّ هناك حاجة إلى 23.8 مليون دولار لمساعدة العائدين في إعادة دمجهم بالمجتمع وأوردت التقارير أن السعودية قد وعدت بالمساعدة بمبلغ 30 مليون دولار، لكن لم يتحقَّق هذا الوعد بعد وقد رفض الاتحاد الأوروبي عرض تمويلاتٍ لمساعدة العائدين إلى إثيوبيا من الخليج، وفي أثناء ذلك، ورغم المخاطر، يواصل المهاجرون من إثيوبيا والقرن الإفريقي الارتحال إلى السعودية بأعدادٍ كبيرةٍ دون توقف.

وأشار دانييل بوتي من مركز الهجرة المختلطة إلى أن أعداد الوافدين إلى اليمن في أبريل/نيسان ومايو/أيار -التي تبلغ على الأقل 18 ألفاً في الشهر- هي أعلى أعدادٍ مسجَّلةٍ منذ عام 2006 ويقدِّر مركز الهجرة المختلطة أن ما يزيد عن 10% من هؤلاء قد يكرِّرون رحلاتهم إلى هناك، وقال أحد العاملين بتقديم المعونة: "ما يحتاجون إليه هو الدعم الاجتماعي وإلا ذهبوا مراراً وتكراراً".

الأثيوبييون في السعودية استرزاق أم تهديد؟

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن المتسللين الأثيوبيين ليسوا مجرد مخترقين للحدود بحثا عن عمل وهرباً من جحيم الوضع الاقتصادي في بلادهم يرى آخرون أن هذه الفئة جاءوا متسللين من أجل أهداف محددة تهدد الأمن الوطني في ظل ارتفاع معدلات وجودهم وتنوع جرائمهم.

وتعتبر المناطق السعودية المتاخمة للحدود اليمنية هي بوابة العبور للمتسللين الأفارقة حيث كانت تجمعاتهم ونشاطاتهم في بادئ الأمر تتركز في تلك المناطق إلا أنه في الآونة الأخيرة بدأوا بالتغلغل إلى معظم المناطق الجنوبية مثل الباحة وعسير حتى وصلوا إلى العاصمة الرياض، وحتى مدينة رفحاء شمال البلاد وجدة غربها.

ويتم تهريب الأفارقة نساءً ورجالاً وأطفالا على متن قوارب بدائية من السواحل الصومالية والإثيوبية إلى السواحل اليمنية ليقوموا بعدها بالانتشار في عدد من المحافظات اليمنية حيث تشير مصادر بأن العدد المتدفق من الأفارقة تتراوح من 200 إلى 500 شخص يومياً ويستغل هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين الحدود البرية الوعرة بين السعودية واليمن للتسلل إلى المحافظات السعودية الجنوبية ومنها إلى بقية المناطق سالكين طرقاً غير معروفة، ووعرة، وبعيدة عن السكان ليصلوا إلى وجهاتهم وذلك على الرغم من الجهود التي تبذلها مراكز حرس الحدود المنتشرة في المناطق الحدودية ومما يفاقم المشكلة قيام بعض المواطنين بالمساهمة في انتشار المتسللين من خلال تهريبهم لمدن المملكة المختلفة شمالا، وشرقا، وغربا مقابل مبالغ مالية كبيرة، ولعل التواجد الأثيوبي في السعودية عموماً ليس بالظاهرة الجديدة، فقد شكل الأثيوبيون مصدراً للقوى العاملة لبعض المهن الشاقة والتي تكون غالباً في مناطق نائية وبعيدة عن السكان كالزراعة والرعي والبناء.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ الوثائقي)

......................
المصادر
- عربي بوست
- DW
- قناة فرانس 24
- موقع المسلم
- Human Rights Watch
- صحيفة سبق الإلكترونية‎
- الخليج الجديد

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3