تعتبر الحرب العالمية الثانية أكثر حروب الإنسانية دموية وأفدحها كلفة من حيث الخسائر البشرية، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد ضحاياها بلغ أكثر من 60 مليون نفسا ما يعادل أكثر من 2.5% من تعداد سكان العالم يوم ذاك..

منذ ذلك الوقت، أدركت البشرية أن الحرب خراب للديار والأوطان، وأيقنت بضرورة الحفاظ على السلام العالمي، فتعاهدت الدول على إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب واصطلحت على أن تكون آليتها لذلك منظمة دولية تعمل من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين فكانت منظمة الأمم المتحدة.

في عام 2004، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة 8 و9 أيار من كل عام، مناسبة للتذكر والمصالحة إجلالا لذكرى ضحايا الحرب العالمية الثانية، ودعت الجمعية في قراراها بهذا الشأن الدول الأعضاء لبذل أقصى الجهود لتسوية نزاعاتها بالوسائل السلمية، ودون تهديد للأمن والسلم الدوليين.

ما الذي تم تحقيقه منذ ذلك الوقت؟ هل اتعظت البشرية بالفعل؟ هل قلّت النزاعات في العالم وقل عدد ضحاياها؟

يؤكد معهد أبحاث الأزمات الدولية التابع لجامعة هايدلبرغ الألمانية، وهو أحد معاهد الأبحاث المتخصصة في مجال الأزمات والنزاعات المسلحة في تقريره، الذي يصدره سنوياً منذ عام 2002 ويحمل عنوان "المقياس العالمي للأزمات"، أن النزاعات في العالم زادت بشكل ملحوظ..

وبحسب الباحث عصام حمدي فإن الحروب وجرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين ومنذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة في العام 1945، بلغ عدد ضحاياها 160 مليون شخص قضوا نحبهم في الحروب خلال القرن العشرين، وتمت هذه الجرائم برعاية دولية وخاصة من الدول الاستعمارية المعروفة فرنسا وأمريكا وبريطانيا، ومجموع ما قتل في هذه المدة يساوي أربعة حروب عالمية من حجم الحرب العالمية الثانية!!.

يقول تقرير اليونسكو: "الأزمة الخفية: النزاعات المسلحة والتعليم" نشأت الأمم المتحدة عام 1945 لتحرير العالم من ويلات الحروب ووعدت بمستقبل يعيش فيه الإنسان آمنا متحرراً من أغلال الخوف.. لكن لا يزال هناك للأسف بون شاسع بين عالمنا والعالم الذي توخاه صائغو الإعلان العالمي ومسافة طويلة تنأى بنا عن بلوغ أهدافنا المشتركة في مجال التعليم. ولا مناص من الإقرار بأننا نخفق جميعا في التصدي للتحديات الهائلة التي تفرضها علينا النزاعات المسلحة.. ولا تزال النزاعات المسلحة تلحق الدمار بحياة الملايين من سكان العالم المستضعفين وتشيع الخراب في نظم التعليم وتوصد أبواب الانتفاع بها، وذلك على نطاق لم تدرك أبعاده إدراكا كافيا. والحقائق ناصعة لا تقبل الجدل. فالبلدان المتأثرة بالنزاعات تضم ما يربو على 40% من الأطفال غير الملتحقين بالمدارس، ولديها أعلى مستويات التفاوت بين الجنسين وأدنى المستويات القرائية في العالم.

تقرير معهد هايدلبرج الألماني لأبحاث الصراعات الدولية لعام 2014 أشار إلى أن عدد الحروب الدائرة في أنحاء العالم ارتفع العام الماضي من 20 إلى 21 حربا. غير أن المعهد أشار في الوقت ذاته إلى أن هذه الزيادة "البسيطة" كان لها أثر بالغ على العالم حيث أصبحت هذه الحروب تؤثر على عدد أكبر من الدول مقارنة بتأثير حروب عام 2013. حيث إن تأثير إرهاب تنظيم داعش على سبيل المثال يمتد من العراق عبر سوريا وصولا إلى لبنان وإن تأثير منظمة بوكو حرام الإسلامية لا يقتصر على نيجيريا بل يتجاوزها إلى الكاميرون والنيجر. ورصد الباحثون 424 نزاعا سياسيا على مستوى العالم وهو أعلى رقم يرصده المعهد منذ نشأته مطلع تسعينيات القرن الماضي منها 46 نزاعا صنفها المعهد على أنها "بالغة العنف".

وبحسب اليونيسيف كان عام 2014 عاما مدمرا بالنسبة للأطفال؛ فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عام 2014 عاما مدمرا للأطفال حيث حوصر نحو 15 مليونا منهم في حروب تدور في العراق وجنوب السودان وسوريا والأراضي الفلسطينية وأوكرانيا وجمهورية أفريقيا الوسطى. وقال المدير التنفيذي للمنظمة أنتوني ليك إن "العدد الكبير من الأزمات في العالم يعني أن الكثيرين من الأطفال أصبحوا طي النسيان السريع أو لم يظهروا في تغطيات وسائل الإعلام العالمية مثلما هو الحال في أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وباكستان والصومال والسودان واليمن". وأضاف ليك في بيان "قٌتل الأطفال وهم يدرسون في الفصول، وهم نيام في أسرتهم، تعرضوا لليتم والخطف والتعذيب والتجنيد والاغتصاب بل حتى بيعوا كعبيد، لا تعي الذاكرة الحديثة مطلقا أن الكثير من الأطفال تعرضوا لمثل هذه الوحشية التي لا توصف ".

قررت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وقف محاولات إحصاء قتلى الحرب في سوريا حتى إشعار آخر، بسبب الوضع المعقد هناك، وكانت المرة الأخيرة التي أعلنت فيها المفوضية أعداد القتلى في سوريا في يوليو (تموز) الماضي، وذكرت آنذاك أن عدد القتلى يزيد عن مائة ألف شخص.

استعرض وزير حقوق الإنسان العراقي الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها عصابات داعش الإرهابية أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف بدورة (28) حيث قال "منذ حزيران الماضي، تاريخ الهجوم الإرهابي الوحشي على مدينة الموصل من قبل تنظيم داعش الإرهابي، ظهر للعيان وبما لا يقبل الشك حجم الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق وطننا وشعبنا، وقد اتسعت تلك الانتهاكات فشملت أوطانا وشعوبا أخرى، أضحى معها إرهاب داعش يمثل خطرا عابرا للحدود وليس خطرا محليا فقط، أو ظاهرة مقتصرة على العراق وسوريا.

فقد تبين للجميع أن الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان لدى هذا التنظيم الوحشي، فضلا عن كونها لا تمت بصلة إلى أصول الدين والمبادئ السماوية السمحاء، فهي لا يردعها وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني، وقد عبر تنظيم داعش عن ذلك بصورة علنية، حيث قام بنشر أشرطة فيديو ظهر بها الإرهابيون وهم ينفذون جرائمهم البشعة التي لم تشهد لها البشرية مثيلا، مثل نحر رؤوس الأبرياء وحرق الضحايا وسبي النساء واغتصابهن، وتحطيم دور العبادة، واجبار الناس على التخلي القسري عن عقائدهم وتحويل دياناتهم، ومصادرة ممتلكاتهم، ومؤخرا نفذوا واحدة من أبشع جرائم العدوان على التراث الرافديني والإنساني وذلك بتحطيم المتحف التاريخي في مدينة الموصل، الذي كان يضم كنوزا عراقية وإنسانية ومقتنيات فنية وتاريخية لا تقدر بثمن، تؤرخ للحضارة البشرية ومسيرتها نحو الانعتاق والتقدم".

كما أعلنت الأمم المتحدة أن حصيلة ضحايا النزاع المسلح في جنوب شرق أوكرانيا تجاوز 4 آلاف قتيل منذ شن كييف عمليتها العسكرية ضد معارضيها في أبريل/نيسان الماضي. وجاء في تقرير نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الجمعة، أنه بحلول 29 أكتوبر بلغ عدد القتلى في شرق أوكرانيا ما لا يقل عن 4035 شخصا (بمن فيهم 289 قتلوا في تحطم طائرة "بوينغ" الماليزية في المنطقة)، بالإضافة إلى إصابة 9336 بجروح. هذا ووفقا لإحصاءات الأمم المتحدة فإن عدد النازحين داخليا من جراء النزاع المسلح يبلغ 442 ألف شخص، بالإضافة إلى 488 ألف شخص لجأوا إلى الدول المجاورة، ويتواجد معظمهم في روسيا

في اليمن قالت المنظمة الدولية إن الغارات الجوية التي تنفذها السعودية وعدد من الدول المتحالفة أسفرت عن سقوط (1244) شهيداً وإصابة(5044) آخرين وذلك منذ الـ 19 من مارس وحتى الـ 27 من إبريل الماضيين. كما وصفت منظمة الصحة في بيانها الوضع الإنساني في اليمن بـ "المتدهور"، وبخاصة في محافظات وسط وجنوب البلاد.

تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2014 الذي يقدم تقييماً لوضع حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم يتوقع تعرض مزيد من المدنيين لخطر الانتهاكات على أيدي الجماعات المسلحة، واستمرار الاعتداءات على حرية التعبير، وتدهور الأزمات الإنسانية وأزمات اللاجئين، ما لم يحدث تغير جوهري في موقف المجتمع الدولي من النزاعات.. وأشار التقرير كان عام 2014 عاماً كارثياً بالنسبة للملايين الذين وقعوا في حبائل العنف. وكان رد فعل المجتمع الدولي على النزاعات وعلى الانتهاكات التي ارتكبتها الدول والجماعات المسلحة مشيناً وغير فعال. وبينما كان هناك من يعانون من تصاعد الهجمات الهمجية ومن القمع، كان المجتمع الدولي غائباً تماماً.

ورغم أن الصورة العامة لحالة حقوق الإنسان في العالم تبدو قاتمةً من خلال النظر إلى هذه الأرقام الهائلة، مع ذلك لابد من السعي لإيجاد الحلول الوقائية التي تحول دون وقوع الحروب، أو حتى التخفيف منها قدر المستطاع؛ وأن نمضي خطوةً صوب عالم أكثر أمناً تحظى فيه الحقوق والحريات بالاحترام اللازم، وذلك من خلال عدة خطوات؛ أهمها:

1- تأصيل مبدأ الدبلوماسية الوقائية التي تعمل على منع نشوء نزاعات بين الأطراف، أو منع تصاعد حدة النزاع وتحوله إلى صراع، أو وقف انتشار هذه الصراعات عند وقوعها، وضرورة استخدام الأدوات الدبلوماسية لتقصي الحقائق وبناء الثقة، والإنذار المبكر، والانتشار الوقائي، والمناطق منزوعة السلاح...

2- تعزيز مفهوم بناء السلم الذي يقوم على الإجراءات المتخذة لتثبيت التسوية ولتجنب الارتداد إلى حالة النزاع مجددا من خلال تغيير بيئة الصراع ودعم الهياكل التي تعزز السلم متمثلة بنزع الأسلحة وإعادة اللاجئين ومراقبة الانتخابات وبذل الجهود لحماية حقوق الإنسان وبناء المؤسسات الديمقراطية في حالات النزاعات الداخلية.

3- التأكد من أن جرائم الحرب تخضع لمتابعة قانونية دقيقة وأن مرتكبيها يعاقبون على أعمالهم، وبالتالي تنفي الأحكام القاضية بفرض عقوبات في حالة حدوث مخالفات خطيرة ضد القانون الدولي الإنساني.

..........................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1