لاول مرة منذ عام 1980 في منطقة الشرق الاوسط، نسمع من دولة البحرين دعوات لتهجير الشيعة الى ايران بدعوى التخلص من المعارضين غير الموالين لنظام الحكم في البحرين، فقد كان نظام حزب البعث في العراق، الرائد بين سائر دول المنطقة في تنفيذ سياسة تهجير الشيعة الى ايران بنفس الحجّة، طبعاً رئيس النظام السابق (صدام) لم يفصح عن هذه الحجة عام 1980، انما استخدم عبارة اخرى من مفردات القاموس السياسي لديه بان هؤلاء "لم يرتووا من ماء الفرات"!! علماً أن الفارق بين التجربتين؛ أن البحرين تعيد التجربة الصدامية وهي تخوض صراعاً عنيفاً مع شريحة واسعة من المجتمع البحراني على خلفية الحراك الجماهيري منذ عام 2011 (الربيع العربي)، بينما صدام استبق أي نوع من الحراك الجماهيري وأجهض كل شيء بحملة تهجير لاعداد كبيرة من التجار واصحاب رؤوس الاموال الشيعة، ثم اجراء تمشيط لجميع المعارضين من اعضاء التنظيمات الاسلامية، فبات منهم المعتقل ثم المعدوم، ومنهم المغادر خارج العراق، ثم التحاق عوائلهم بهم.

من الناحية القانونية فان عملية تهجير انسان او اسرة كاملة من موطنها ومسقط رأسها الى خارج بعد تجريدها لجنسيتها، يعد مخالفة صريحة لمواثيق حقوق الانسان العالمية، وغير مقبول حتى وإن كان المبرر المعارضة السياسية، فالمعارض يعتقل ويتم التحقيق في اسلوب معارضته واهدافه، أما ان يتم تهجير أسرة بكاملها، بما تضم من اطفال ونساء وشيوخ طاعنين في السن، فهو ما يصعب تسويغه حتى في الخطاب السياسي للانظمة الديكتاتورية في العالم، ولذا فان النظام الحاكم في المنامة يسعى لإثارة النعرة الطائفية والقومية التي تعكّز عليها صدام من قبل، والإعلان عن وجود مشكلة "ولاء للوطن"، وحنين الى بلد تعده اوساط سياسية قريبة من البلاط بانه "الوطن الأم" عند البعض في اشارة الى ايران.

وحتى لا تدخل حكومة المنامة بشكل مكشوف مع الشعب البحراني في جولة جديدة من الصراع غير المحمود العواقب، فانها تدفع بشخصيات اعلامية او سياسية للترويج لهذه الفكرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودعوة السلطات الى تسهيل أمر مغادرة البحرانيين الراغبين بالاقامة في ايران. وهو ما لاقى استهجاناً واسعاً من اوساط جماهيرية في البحرين وخارجها، فقد كتب احدهم في تغريدة بالمقابل: "على البحرين ان تسمح بالراغبين من السنّة بالمغادرة الى قطر للإقامة فيها"، فيما أكد الكثير على حقائق التاريخ التي تشير الى أن الشيعة اقدم فئة اجتماعية سكنت البحرين منذ قرون.

ويشير باحثون في شأن المعارضة العراقية خلال السنوات الماضية أن صدام حقق مكاسب مهمة من سياسة التهجير و "التصفية الاجتماعية" إن جاز التعبير، للتخلص ممن يجد فيه بذرة معارضة او روح الانتقاد لنظام حكمه وسياساته، بل حتى وإن كان لديه شيء من الحنين الى الدولة الجارة والعريقة؛ ايران، وهي البلد الذي طالما شكل هاجساً قاتلاً لجميع انظمة الحكم الجمهوري، كما كانت العين التي لاتنام على البقاع العراقية المغرية اقتصادياً وسياسياً وايضاً؛ مذهبياً، منذ قرون من الزمن، وخلال المناوشات بين الدولة العثمانية و شاهات ايران.

وبما أن المعروف عن الشيعة عبر التاريخ، حرصهم على التماسك الاجتماعي، وتغليب القيم والمبادئ على الفوارق القومية والعرقية، وأن مدنهم كانت على مر التاريخ محط رحال العلماء والادباء والتجار من مختلف القوميات والمذاهب، كما تميزوا دائماً بحدة الذكاء والفطنة وسعة التفكير، فان هذه المواصفات النادرة جعلت اقتطاع جزء منهم من جسد المجتمع، يتسبب في معاناة مكبوتة، ثم نزيف حادّ كما شهدناه في تجربة النظام الصدامي، حيث ان تداعيات تهجير العوائل الشيعية عام 1980، برزت بشكل غريب ومأساوي بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991، عندما أشاعت ماكينة الدعاية الصدامية في اوساط المجتمع السنّي بأن "الشيعة انما يستعدون للانتام منكم"! ثم جاءت الشعارات بالمقابل: "لا شيعة بعد اليوم"! ثم لتمتد ذيول هذه الفتنة السوداء الى ما بعد سقوط صدام، حتى كادت ان تقع حرب طائفية حقيقية لا تبقي ولا تذر .

حكام المنامة يتصورون أن تهجير المعارضين، فرادى او مع أسرهم، او حتى إفساح المجال لهم بمغادرة البحرين بلا عودة ابداً، وهو نوع من التهجير غير المباشر، وتجريدهم من جنسيتهم، سيخلصهم من وجع المعارضة وصراخ الاحتجاج اليومي في الشوارع، بينما الوقائع تشير الى ما هو أخطر من هذا بكثير على نظام الحكم نفسه، وربما على كيان الدولة برمتها، عندما يتعرض للمجتمع البحراني الى تمزّق في نسيج علاقاته بما لم يشهده من قبل، فيخلق المزيد من حالات عدم الثقة، ثم التخندق الطائفي الممهد لمواجهات عنيفة بشكل مباشر في مرافق عدّة، كما هو حاصل وبشكل محدود في المراكز التعليمية، او التجارية، ومحاولات انتزاع فرص العمل من المواطن البحراني الأصيل لصالح العامل الوافد من الفلبين او الهند وغيرها.

وما يزيد اندفاع البحرين نحو هذا المآل الخطير، اتباع الحكومة سياسة التجنيس السياسي منذ سنوات بعيدة، بل وقبل انتفاضة الرابع عشر من فبراير عام 2011، فحسب احصائية لجمعية الوفاق المعارضة فان النظام الحاكم في المنامة منح الجنسية لاكثر من 95 ألف شخص من دول مختلفة بين الاعوام 2002 و2014. كل هؤلاء تم تجنيسهم بموافقة شخصية من الملك حمد بن عيسى آل ثاني الذي يمنحه الدستور حق تجنيس أي شخص في البحرين لم يكمل المدة الزمنية المقررة، ويستدل المعارضون على ذلك بعريضة رفعتها ستة تنظيمات سياسية إلى الملك عام 2009 ، وقعتها 192 شخصية تدعو إلى إيقاف عملية التجنيس، فجاء الرد برفض الديوان الملكي تسلّم العريضة، ولم تكتف المعارضة (الشيعية) التي كان لها حضوراً مميزاً في البرلمان قبل احداث الربيع العربي، بهذه الحركة، بل لجأت عام 2010 بجمع التوقيعات لعريضة شعبية رفعت مجدداً إلى الملك الذي اضطر للاذعان بأن "البحرين ستحد من عدد الأجانب الذين تمنحهم جنسيتها".

وكلما اندفع النظام الحاكم في المنامة نحو سياسة التمييز الطائفي وحرمان فئة لصالح فئة أخرى، بالجنيس والتشغيل ثم التهجير مقابل التوطين، كلما قرّب المجتمع البحراني نحو التخاصم وفقدان الثقة، وعندما يكون المجتمع غير مستقر من الناحية النفسية، فان ذلك ينعكس على الصعيد الأمني والسياسي والاقتصادي، إن عاجلاً أم آجلاً. والضحية في هذه السيناريو البشع سيكون الشعب البحراني المعروف بين شعوب المنطقة بطيبته وطول أناته وحسن معشاره.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0