شكلت وفاة الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز صدمة كبرى لحكام السعودية تضعها على شفا هاوية وتهدد بضياع نفوذها إقليميا، اذ كانت السعودية حتى وقت قريب تطمح للهيمنة الإقليمية على لبنان والعراق وسوريا، لاسيما أن حكام السعودية يعدّون لما يعتبرونه صراع حياة أو موت على مستقبل الشرق الأوسط مع إيران، وخلافا للسنوات الماضية لا يقتصر غضب السعوديين على الصين وروسيا العضوين الدائمين بمجلس الأمن الدولي بل يشمل أيضا الولايات المتحدة التي يعتقدون أنها خذلت أصدقاءها العرب مرارا باتباع سياسات يرونها ضعيفة وساذجة.

ويبدو أن الخيارات القابلة للتنفيذ المتاحة للسعودية من أجل انتهاج سياسة خارجية اكثر استقلالية وصرامة محدودة، على الرغم من عدم ارتياحها الشديد إزاء تقارب الغرب مع ايران، وبعد ان غضبت الرياض من الولايات المتحدة لمّح مسؤولون سعوديون كبار الى عدد من الاحتمالات، بدءاً بإقامة علاقات استراتيجية مع قوى عالمية أخرى وانتهاء بتبني موقف اكثر حزما تجاه حلفاء ايران في العالم العربي، بل ذهبوا الى حد التلويح بالسعي لامتلاك قنبلة نووية، اذا فشلت القوى العالمية في إحباط طموحات طهران النووية.

وعليه يبدو أن المشهد السعودي السياسي في ظل الملك الجديد، مليئا بالتحديات والصراعات عند أعلى المستويات الإستراتجية السياسية والاقتصادية، لكن يبقى السؤال حول قدرة طاقم الحكم الجديد في الإبقاء على سيطرته الكاملة على امور البلاد بحزم كما فعل الملك عبد الله؟، لكن التجربة تقول ان الديكتاتوريات تكون في اضعف مراحلها عندما تحاول التخفيف من قبضتها. كما ان استمرار نظام الحكم في التحكم بحياة الناس بقبضة حديدية يمكن ان يؤدي الى نتائج عكسية.

ملامح انتقال السلطة

في سياق متصل يحاول الملك السعودي الجديد سلمان الحفاظ على سياسات البلاد في مجالي الطاقة والشؤون الخارجية ثم تحرك سريعا لتعيين رجال أصغر سنا لخلافته ليحدد مسار الخلافة على مدى سنوات قادمة بتسمية ولي لولي العهد من الجيل التالي في الأسرة الحاكمة. ودفن الملك عبد الله الذي توفي في مؤخرا بعد مرض قصير في لحدٍ عادي تماشيا مع التقاليد الدينية في المملكة. وبتعيين أخيه غير الشقيق الأمير مقرن (69 عاما) وليا للعهد وابن اخيه الأمير محمد بن نايف (55 عاما) وليا لولي العهد يكون الملك سلمان قد تحرك سريعا لوأد التكهنات عن خلافات داخل القصر في وقت اضطراب اقليمي.

وارتفعت أسعار النفط في رد فعل سريع، إذ زادت وفاة الملك عبد الله من حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. وأصبح الملك سلمان - الذي يعتقد أنه في التاسعة والسبعين- الآن على رأس السلطة في بلد يواجه تحديات داخلية طويلة الأمد مصحوبة بانخفاض أسعار النفط في الشهور القليلة الماضية وصعود تنظيم الدولة الاسلامية المتشدد في العراق وسوريا والذي تعهد بالاطاحة بالعائلة الحاكمة في السعودية. وسيتعين على الملك الجديد أن يوجه دفة الأمور في منافسة محتدمة مع إيران القوة الشيعية والتي تتجلى في العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين. وسيواجه أيضا صراعا مفتوحا في دولتين مجاورتين وتهديدا من الإسلاميين المسلحين وعلاقات مع الولايات المتحدة تعتريها بعض الصعوبات. بحسب رويترز.

وفي أول خطاب له كملك للسعودية والذي نقله التلفزيون الحكومي تعهد الملك سلمان بالحفاظ على نفس نهج أسلافه في قيادة أكبر مصدر للنفط في العالم ومهد الاسلام ودعا إلى الوحدة بين الدول العربية.

وقال جوزيف كيتشتشيان الباحث في شؤون العائلات الحاكمة في الخليج "الأوقات الحالية خطرة." واضاف أن "تعيين محمد بن نايف يظهر أن سلمان يشعر أن من المهم التحدث سريعا بصوت حازم واحد في مواجهة كل تلك التهديدات."

الشباب والمشاكل الموروثة

وفي بلد يمثل الشباب نسبة كبيرة من سكانه لن يتمكن سعوديون كثيرون من تذكر الفترة التي سبقت حكم الملك عبد الله سواء كملك منذ عام 2005 أو كحاكم فعلي للبلاد خلال عشر سنوات قبل هذا. وترك الملك عبد الله إرثا يتمثل في جهود إصلاح النظامين الاقتصادي والاجتماعي في المملكة في مواجهة أزمة سكانية تلوح في الأفق وذلك من خلال توفير فرص عمل في القطاع الخاص وإعداد الشبان السعوديين بشكل أفضل حتى يمكنهم الاستفادة من تلك الفرص.

وأعرب جمال خاشقجي مدير قناة العرب المملوكة للأمير الوليد بن طلال عن اعتقاده بأن الملك سلمان سيواصل اصلاحات الملك عبد الله. واضاف أن العاهل الجديد يدرك أهمية ذلك. وقال إنه ليس محافظا بشخصه لكنه يقدر رأي الدوائر المحافظة في البلاد. لكن اصلاحات عبد الله لم تمتد إلى المجال السياسي وبعد الربيع العربي شنت قواته الأمنية حملة على كل اشكال الخروج على الصف وسجنت نقادا صريحين للعائلة الحاكمة إلى جانب سيدات قمن بقيادة سيارات وايضا متشددين اسلاميين. ويقول محللون إنه مع تزايد سكان السعودية وانخفاض أسعار النفط عالميا ستواجه العائلة الحاكمة صعوبات متزايدة للحفاظ على انفاقها السخي على المزايا الاجتماعية للمواطنين مما قد يقوض شرعيتها المستقبلية في بلد لا توجد به انتخابات.

اضطرابات وأوضاع مرتبكة

من جهته سيقود الملك سلمان البلاد وسط الاضطرابات بالمنطقة والتي سببتها الحرب في العراق وسوريا إلى جانب المنافسة مع إيران القوة الشيعية والتهديد المتمثل في تنظيم القاعدة بجزيرة العرب ومقره اليمن المجاور.

وحين كان أميرا للرياض من عام 1962 إلى عام 2011 كان للملك سلمان اتصالات بالحكومات الأجنبية أكثر من غيره من كبار أفراد الأسرة الحاكمة. وفي إطار هذا الدور أيضا كان مسؤولا عن الفصل في الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة فكان في قلب أهم هيكل للسلطة بالمملكة. ويطل مكتب الأمير على أهم ميدان بالرياض فإذا عمل أيام الجمعة كان يستطيع مشاهدة تنفيذ أحكام الإعدام بحد السيف.

وتشير برقية مسربة نشرها موقع ويكيليكس إلى أن الملك سلمان خلال اجتماع مع السفير الأمريكي في مارس اذار 2007 قال إن الإصلاحات الاجتماعية والثقافية التي يدعو لها الملك عبد الله يجب أن تجرى ببطء خشية رد فعل سلبي من جانب المحافظين. كما كان يرى أن النظام الديمقراطي لا يناسب المملكة مشيرا إلى الانقسامات الإقليمية والقبلية وقال للسفير إن حل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ضروري من أجل استقرار الشرق الأوسط. بحسب رويترز.

وقال جوردان إن الملك سلمان رفض في البداية أن يصدق أن سعوديين شاركوا في هجمات 11 سبتمبر أيلول على الولايات المتحدة لكن موقفه تغير بعد ظهور أدلة متزايدة على أن 15 من جملة 19 نفذوا الهجمات كانوا من السعوديين. وأضاف "إنه لا يقبل بأي شيء تقوله الولايات المتحدة دون تفكير لكنه في الوقت نفسه يفهم أهمية العلاقة التي تتجاوز النفط."

السلطة الملكية

يقال إن الملك سلمان يشبه والده الملك عبد العزيز آل سعود أكثر من أي من اخوته. وبوصفه أحد ابناء الملك عبد العزيز الذين يعرفون باسم "السديريين السبعة" وهم ابناء أقرب زوجاته إلى قلبه حصة بنت أحمد السديري كان الملك سلمان في قلب السلطة الملكية لعشرات السنين. ويشمل اخوته الأشقاء في أسرة بها أكثر من 30 أخ غير شقيق الملك فهد والأمير سلطان والأمير نايف ووزير الداخلية السابق الأمير أحمد. ولد الملك سلمان عام 1936 بالرياض التي كانت في ذلك الحين واحة من المنازل المبنية بالطوب اللبن داخل مملكة جديدة لم تكن قد اكتشفت النفط بعد وكانت تعتمد على العائدات من الحج والعمرة وانتاج التمور ورعي الإبل. لكن ابنه الأمير سلطان بن سلمان أصبح أول رائد فضاء عربيا فذهب في بعثة على متن مكوك الفضاء الأمريكي ديسكفري عام 1985. ويشغل الأمير سلطان حاليا منصب وزير السياحة بينما يشغل ابن آخر هو الأمير عبد العزيز منصب نائب وزير النفط. خلال خمسة عقود أدار خلالها الرياض وما حولها أشرف الملك سلمان على تطوير العاصمة من بلدة صحراوية إلى مدينة حديثة كبيرة يسكنها 4.6 مليون نسمة. تلقى الملك سلمان تعليمه في "مدرسة الأمراء" التي أنشأها في قصر الملك عبد العزيز إمام المسجد الحرام وهو ما يشير إلى الأهمية التي أولاها الملك للدين في المملكة التي أسسها.

ولي العهد ليبرالي

يمثل تولي الأمير مقرن منصب ولي عهد السعودية أكبر تغيير في تقاليد المملكة بالمقارنة مع أي شخصية سبقته إلى هذا المنصب.. سواء لانتمائه لأم يمنية أو لتعليمه الأجنبي. وينظر إلى الأمير مقرن على أنه شخصية تقدمية نسبيا في الأسرة الحاكمة لديه إدراك بضرورة الإصلاح الطويل المدى كما أنه عبر عن آراء متشددة إزاء إيران لكن ليس من الواضح حجم التأثير الذي سيكون له في عهد العاهل الجديد الملك سلمان. والأمير مقرن (69 عاما) عضو قديم بدائرة اتخاذ القرار بالأسرة الحاكمة وكان على رأس جهاز المخابرات في الفترة من عام 2005 إلى 2012. من الناحية النظرية يبدو قائد المقاتلات السابق يحمل المؤهلات اللازمة للحكم في عيون أسرة آل سعود.

إلا أن ولي العهد الجديد سيكون - إن قدر له الجلوس على العرش - أول عاهل سعودي يولد بعد تدفق النفط في أراضي المملكة عام 1939 وأول من يتلقى تعليما في جامعة غربية لا في فصول دراسية يديرها شيوخ بالقصر القديم في الرياض. وقال خالد الدخيل أستاذ العلوم السياسية بالرياض "مقرن ليس محافظا بنفس القدر (مثل سلمان) لكننا سنرى حجم الدور الذي سيلعبه في العهد الجديد. فالقانون السعودي لا يسمح لولي العهد بفعل ما هو أكثر مما يكلفه به الملك."

وحين عينه الملك الراحل عبد الله وليا لولي العهد قبل عام وعد الأمير مقرن في بيان تناقلته وسائل الإعلام الرسمية بمواصلة إصلاحات الملك الاقتصادية والاجتماعية. وقال جمال خاشقجي الذي يدير قناة إخبارية تلفزيونية يملكها أمير آخر "يعطيك انطباعا بأنه شخصية تقدمية يعرف العالم جيدا جدا. عندما كان أمير المدينة أجرى إصلاحات وهو مهتم بالثقافة والموسيقى." وأضاف "يتحدث أكثر من لغة وهو قاريء نهم للإيكونوميست. هي مجلته المفضلة." وعلى نحو قد لا يكون غريبا على فرد بالأسرة الحاكمة التي ترى نفسها محاصرة وسط صراع نفوذ بالمنطقة مع إيران ينظر إلى الأمير مقرن على أنه شخصية صاحبة آراء متشددة إزاء طهران. وذكرت برقية دبلوماسية صادرة من السفارة الأمريكية بالرياض عام 2008 ونشرها موقع ويكيليكس أنه يحبذ فرض عقوبات أقوى بكثير على إيران. وفي برقية أخرى في العام التالي نقل عنه دبلوماسيون تحذيرا من أن الهلال الشيعي يتحول إلى "بدر". والأمير مقرن هو أصغر أبناء مؤسس السعودية. وكان ضابطا سابقا بالقوات الجوية. بحسب وكالات الانباء الدولية.

نشاط القاعدة بالسعودية

ويعتبر مراقبون أن ولي العهد الأمير محمد بن نايف نجح في تقويض نشاط القاعدة في السعودية. وكان هدفا لمحاولة اغتيال من قبل نفس التنظيم. وبالإضافة إلى مقاربته الأمنية في التعاطي مع الإرهاب، كان له الفضل في إطلاق برنامج "المناصحة" الذي يستهدف المتشددين التائبين بغرض إعادة إدماجهم في المجتمع.

وقد نجا الأمير محمد من محاولة اغتيال نفذها انتحاري ينتمي للقاعدة وادعى أنه يريد مقابلته ليعلن له توبته. وتعيينه وليا لولي العهد بعد ساعات من وفاة الملك عبد الله ومبايعة الملك سلمان، يحسم الجدل حول الانتقال إلى حكم الجيل الثاني في آل سعود إذ أنه سيصبح من حيث المبدأ الملك الأول من ذلك الجيل بعد ولي العهد الحالي الأمير مقرن.

وشغل الأمير محمد منصبه الرسمي الأول عام 1999 عندما عين مساعدا لوزير الداخلية. وبصفته هذه قاد الأمير محمد بن نايف حرب السعودية على المتطرفين الإسلاميين في الداخل. وشهدت المملكة بين 2003 و2006 موجة من الهجمات الدامية التي نفذتها القاعدة واستهدفت مقار رسمية ومنشآت عسكرية ونفطية وأهدافا غربية. وقد نجحت جهود الأمير محمد لدرجة كبيرة بتقويض نشاط القاعدة في المملكة ما دفع بالتنظيم إلى التحصن في اليمن المجاور حيث تم عام 2009 دمج الفرعين اليمني والسعودي في ما بات يعرف بتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب.

وقد استهدفه انتحاري من القاعدة عام 2009 إذ قام عنصر سعودي من القاعدة بالادعاء بأنه يريد مقابلة الأمير، ليعلن له توبته وقد خبأ متفجرات داخل جسده، وفجر نفسه إلا أن الأمير محمد أصيب بجروح طفيفة فقط. والأمير محمد بن نايف هو العضو الوحيد في أسرة آل سعود الذي تعرض لهجوم شخصي مباشر من قبل تنظيم القاعدة بحسب فرانس بريس.

وقال جمال خاشقجي المدير العام لقناة العرب الإخبارية عند تولي الأمير محمد وزارة الداخلية في 2012 "أفترض أنه من الجيل الثاني للأمراء الأكثر تقبلا لأفكار الإصلاح. لكنه يجعل الجميع يعتقدون أنه في صفهم. وهذا هو ما يصنع سياسيا ناجحا." بحسب وكالات الانباء الدولية.

وأصبح الأمير محمد الآن أصغر أفراد مجموعة منتقاة من الأمراء تتولى مناصب عليا في الحكومة وتدير أهم الجهات مثل وزارتي الخارجية والدفاع وجهاز الاستخبارات. وعلى الرغم من أن تعيين الأمير محمد وزيرا للداخلية أرضى بعض الحلفاء مثل الولايات المتحدة التي عمل عن كثب مع قواتها الأمنية فإنه أثار أيضا قلق بعض السعوديين الذين يخشون أن يصطدم نهجه الأمني بالحريات المدنية. ووصفه صديق قديم بأنه من محبي أفلام الحركة الأمريكية ومن عشاق الأسلحة وبنى ساحة رماية خاصة في قصره. وبغض النظر عن وجهات نظره الشخصية اتبع الأمير محمد خطى والده في الحفاظ على علاقات وثيقة مع المحافظين.

وفي أسرة حاكمة توضع فيها السياسات الكبرى بتوافق الآراء.. ربما تسهم آراء الأمير محمد في رسم السياسة الخارجية أيضا. وتظهر برقيات السفارة الأمريكية التي نشرها موقع ويكيليكس أنه كان متشددا على نحو ما إزاء إيران وكان يستشير المسؤولين الأمريكيين بشأن أفضل السبل لحماية البنية الأساسية "حال نشوب حرب مع إيران". إلا أن تركيزه على خطر ظهور موجة جديدة من المتشددين في الداخل ساهم في رسم السياسة السعودية تجاه سوريا التي أتاحت تقديم المزيد من المساعدات الحكومية للمعارضة مع إثناء المواطنين عن التبرع أو السفر للقتال في سوريا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2