بعد استبعادهم من محادثات جنيف يبدو ان اكراد سوريا يريدون اخذ زمام المبادرة بايديهم، حيث قال مسؤولون أكراد إنه من المتوقع أن تعلن المناطق الخاضعة لسيطرة أكراد سوريا في شمال البلاد نظاما اتحاديا قريبا فيما يعقد مؤتمر لمناقشة اليات اعلان فيدرالية كردية شمال سوريا. وتهدف هذه الخطوة لدمج ثلاث مناطق كردية في شمال سوريا من خلال ترتيبات اتحادية ومن المؤكد أنها ستثير قلق تركيا التي تخشى أن يذكي نفوذ الأكراد في سوريا النزعة الانفصالية بين الأقلية الكردية التركية.

وتجري في مدينة رميلان بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا اجتماعات متواصلة للمؤتمر التأسيسي الخاص بتشكيل نظام الإدارة في مناطق "روجآفا" (وروج آفا هو الاسم الكردي لشمال سوريا). ووفقا لوكالة "آرانيوز" الكردية فقد اتفق المجتمعين على النظام الفدرالي تحت مسمى (إقليم روجآفا – سوريا) فيما لم تحدد بعد جغرافية النظام الفيدرالي، الا ان مناقشة الوثيقة السياسية لم تظهر للعلن حتى الان .

مستشار الرئاسة المشتركة في حزب الاتحاد الديموقراطي، سيهانوك ديبو، قال من جانبه إن المناطق المعنيةَ بالفدرالية هي المقاطعات الكردية الثلاث، يضاف إليها مناطقَ سيطرت عليها مؤخراً قوات سوريا الديموقراطية في محافظتي الحسكةِ وحلب. والمقاطعاتُ الكرديةُ الثلاث هي:- كوباني بريف حلبَ الشمالي -عفرين بريف حلبَ الغربي - منطقة الجزيرة في الحكسة.

وبحسب مصادر كردية فان المشاركون في المؤتمر توقعوا فشل محادثات السلام السورية التي بدأت في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة دون مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري. وقال الدار خليل وهو مسؤول كردي سوري وأحد منظمي المؤتمر إنه يتوقع أن يقر الاجتماع النظام السياسي الجديد وأن تكون "الديمقراطية الفيدرالية" أفضل نظام.

ويسيطر الأكراد السوريون على شريط متصل طوله 400 كيلومتر على الحدود السورية التركية من الحدود العراقية حتى نهر الفرات. كما يسيطرون أيضا على قطاع منفصل على الحدود الشمالية الغربية في منطقة عفرين.

ردود افعال دولية

وفور الاعلان الكرد سارعت الولايات المتحدة وروسيا الى رفض الفيدرالية فيما يصفها اخرون بانها محاولة لتهدئة الوضوع من اجل المضي قدما في تقسيم سوريا ، فتصريحات الجانبين بعد اعلان الهدنة في سوريا كانت تركز في امكانية تقسيم سوريا اتحاديا بما يحافظ على عليها كدولة واحدة مع إعطاء حكم ذاتي واسع للاقاليم.

الولايات المتحدة قالت إنها تعارض إقامة الاكراد منطقة للحكم الذاتي في شمال سوريا لكنها قد تقبل مثل هذا الإجراء إذا اتفق السوريون أنفسهم على ذلك في نهاية المطاف. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر للصحفيين "لن نعترف بأي نوع لمناطق ذات حكم ذاتي أو شبه مستقلة في سوريا" وأضاف قائلا "كنا واضحين للغاية بشأن إيماننا بسلامة ووحدة الأراضي السورية ونعتقد أن إنشاء مثل هذه المناطق للحكم شبه الذاتي الآن سيكون بصراحة تهديدا لذلك".

روسيا هي الاخرى ترفض اعلان فدرالية من جانب واحد لكنها لا تعارض اقامة فدرالية سورية في حال اتفق السوريون على ذلك وهو ما يؤشر الى وجود طبخة امريكية روسية لتقسيم سوريا ، لا سيما و ان موسكو تؤكد دائما على أن يشارك الأكراد بصفتهم أحد اللاعبين المحوريين في التسوية السورية بأسرع وقت في عملية مفاوضات جنيف. وكان المندوب الدائم للاتحاد الروسي في الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيجوف قد أعرب عن خيبة أمل بشأن ترك الأكراد على هامش المفاوضات السورية السورية. وأضاف قائلا:" الكثير من شركائنا الأوروبيين يشاطروننا القلق في شأن تهميش بعض الأطراف في عملية التسوية ، ومنهم الأكراد.

وفي اطار الاعلان الكردي الاخير قال ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي في تصريحات لوكالة "نوفوستي" أنه لا يحق للأكراد أن يقرروا بصورة أحادية مسائل فدرلة سوريا، ولاسيما خارج مفاوضات جنيف. مبينا أن الحديث يدور عن مواقف تفاوضية. لكن من المستحيل اتخاذ قرارات أحادية، بل يجب التوصل إلى اتفاقات مع المشاركين الآخرين في العمليات الجارية بسوريا، ومنها وقف إطلاق النار، والعملية السياسية، وجهود وضع دستور جديد قد ينص على نظام حكم جديد لسوريا. ولكن كل ذلك يرتبط بإطلاق عملية سياسية مستقرة وشاملة في إطار الحوار السوري-السوري". وتابع قائلا: "إننا نعتقد أن مختلف المنظمات الكردية يجب أن تشارك في كافة العمليات، ولها حق الصوت، وقد يكون لها مواقف خاصة بها، لكن في نهاية المطاف لا يجوز أن يفرض أي من الأطراف موقفه على طرف آخر، بل يجب اتخاذ كافة القرارات على أساس التوافق".

من جانبه شدد دميتري بيسكوف الناطق الصحفي باسم الرئيس الروسي على ضرورة عدم اتخاذ قرارات احادية قائلا: ان شكل النظام الداخلي للدولة السورية من الصلاحيات الحصرية للسوريين أنفسهم. ويجب اتخاذ القرارات بهذا الشأن في إطار عملية شاملة تشارك فيها كافة المجموعات الطائفية والإثنية التي تسكن في أراضي سوريا، ومنهم الأكراد والشيعة والسنة والعلويون والدروز والآخرون .

دعم اكراد العراق

ويعتقد بان التشكيك بالمواقف الروسية تجاه الاكراد في محالها حيث تشير قراءات الى ان روسيا تحاول ايجاد فيدرالية كردية بهدف تهديد وحدة الاراضي التركية وهو ما يؤكده دعم اكراد العراق في الايام الاخيرة إذ أعلن ملحق القنصلية الروسية في أربيل، أرتيوم غريغوريان ، أن روسيا سلمت أسلحة لأكراد العراق، وهي عبارة عن 5 منظومات للدفاع الجوي، يوم 14 آذار/ مارس الجاري بحسب وكالة سبوتنيك .

وقال غريغوريان: "إن شحنة الأسلحة وصلت ، 14 آذار/ مارس، لصالح القوات المسلحة في كردستان العراق — البشمركة. و سلمت الأسلحة بحضور السفير (السفير الروسي في العراق)، والقنصل العام (الروسي)، إضافة لنائب قائد هيئة أركان البشمركة " . ووفقاً للمسؤول الروسي، الأسلحة هي عبارة عن خمسة مضادات للطائرات من طراز "زو-23-2 إي"، و20 ألف قذيفة لتلك المنظومات.

الى ذلك قالت وكالة "ريا نوفوستي" الروسية للأنباء يوم الخميس عن رئيس مكتب تمثيل كردستان العراق في روسيا قوله إن وفدا من الإقليم سيزور موسكو في أبريل نيسان لبحث إمدادات أسلحة روسية.

رفض المعارضة والحكومة

وتقول صحيفة "كوميرسانت" في مقال نشره موقع روسيا اليوم انه على الرغم من الإعلانات العديدة التي تقدم بها ممثلو الأكراد والتي تفيد بأن الحكم الذاتي لا يعني انفصال كردستان عن سوريا، فإن قرار المجلس الكردي الأعلي أدى إلى تكهرب الأجواء في المفاوضات السورية السورية في جنيف. إذ أعلن الائتلاف السوري المعارض في بيان له رفضه للنظام الفدرالي الكردي الذي تم إعلانه في شمال سوريا، محذرا من تشكيل "كيانات أو مناطق أو إدارات تصادر إرادة الشعب السوري".

وشدد على أن "تحديد شكل الدولة السورية، سواءً أكانت مركزية أو فدرالية، ليس من اختصاص فصيل بمفرده"، بل سيتم ذلك "بعد وصول المفاوضات إلى مرحلة عقد المؤتمر التأسيسي السوري الذي سيتولى وضع دستور جديد للبلاد".

من جانه رفض رئيس وفد الحكومة السورية في جنيف بشار الجعفري الذي كان قد بحث البيان الكردي مع المبعوث الأممي ستيفان دي مستورة واكد أن أجندة مفاوضات جنيف لا تقضي بمناقشة مسألة الفدرلة. وحذر بشار الجعفري قائلا: "الأكراد هم جزء من الشعب السوري. ونحن نحترمهم ونقدرهم. إلا أن كل المحاولات لتقسيم سوريا ستبوء بالفشل".

وتقوم مخاوف دمشق على الاعتقاد بأن مبادرة الأكراد قد تطرح مسألة تحويل الدولة السورية إلى دولة فيدرالية ، ما لا توافق عليه قطعا حكومة بشار الأسد. إذ قال مصدر في وزارة الخارجية والمغتربين إن الحكومة السورية تحذر أي طرف تسول له نفسه النيل من وحدة أرض وشعب سوريا تحت أي عنوان كان بمن في ذلك المجتمعون في مدينة الرميلان- محافظة الحسكة. وعلل المصدر في تصريح لوكالة سانا، أن طرح موضوع الاتحاد أو الفيدرالية سيشكل مساسا بوحدة الأراضي السورية الأمر الذي يتناقض مع الدستور والمفاهيم الوطنية والقرارات الدولية.

وتؤكد دمشق على ان أي إعلان في هذا الاتجاه لا قيمة قانونية له ولن يكون له أي أثر قانوني أو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي طالما أنه لا يعبر عن إرادة كامل الشعب السوري بكل اتجاهاته السياسية وشرائحه المتمسكين جميعا بوحدة بلادهم أرضا وشعبا.

تركيا بين الداخل والخارج

وفي الجانب التركي الذي اعتبر الفيدرالية الكردية "باطلة" انتقد الرئيس رجب طيب أردوغان ، الدول الغربية وروسيا متهما إياهما بدعم التنظيمات المسلحة الكردية، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني. وقال أردوغان في كلمة ألقاها في إحدى الفعاليات في أنقرة ، يوم الأربعاء الـ 16 مارس/آذار، إن القوى التي تغذي هذه التنظيمات المسلحة مختلفة، زاعما أن الغرب وروسيا هما اللذان يمدان هذه التنظيمات بالأسلحة. وأضاف اردوغان ، ينبغي القبض على المسلحين وتسليمهم لتركيا، مشبها الوضع الذي تعيشه البلاد حاليا بحرب الاستقلال التي خاضتها تركيا، في السنوات 1919-1923.

وتاتي تلك التصريحات التركية بعد ان تبنت مجموعة "صقور حرية كردستان" المقربة من "حزب العمال الكردستاني" الخميس الهجوم بسيارة مفخخة الذي وقع الأحد في أنقرة، و أدى إلى مقتل 37 شخصا. وقالت إنه رد على الحملة الأمنية التي تشنها القوات التركية في جنوب شرق تركيا حيث الأكثرية من الأكراد.

ودعا الرئيس التركي البرلمان إلى رفع الحصانة القضائية "سريعا" عن نواب حزب الشعوب الديموقراطي المؤيد للأكراد، وصرح أردوغان أمام نواب محليين في أنقرة "علينا الانتهاء سريعا من مسألة الحصانة". وتابع "أعذروني لكنني لم أعد أعتبر أعضاء حزب يعمل على أنه واجهة للتنظيم الإرهابي (حزب العمال الكردستاني) على أنهم عناصر شرعيون في الساحة السياسية".

تازم الوضع بين اكراد تركيا والنظام الحاكم سيلقى بضلاله على اكراد سوريا وربما يعطل احلامهم في اعلان النظام الفدرالي شمال البلاد فتركيا لا يمكنها السكوت عن الخطوات الكردية لما تمثله من نزعات انفصالية قد تهدد مستقبل وحدة الاراضي التركية وهو ما يعطل الكثير من المشاريع التركية اهمها مسالة الانضمام الى الاتحاد الاوربي وبالتالي فان الاعلان الكردي قد يؤدي الى تصعيد المواقف تجاه الاكراد في سوريا ليصل الى مرحلة الصدام العسكري على الارض وهو ما كشف عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مبينا ان هناك ادلة مؤكدة على دخول القوات التركية الى الاراضي التركية. لكن الاكراد قد يعتمدون كثيرا على الدعمى الروسي المتزايد في الاونة الاخيرة نكاية بالاتراك، فضلا عن الدعم الامريكي اللامحدود وهو دعم يراه متابعون جزء من استراتيجية امريكية للاعتماد على الاكراد كحليف اساسي موثوق به في الشرق الاوسط.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0