تطرح التحولات في الصومال والسودان وإيران، إلى جانب اتساع الدور الإسرائيلي في البحر الأحمر، تساؤلات بشأن مسار إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتداعياته على السعودية. وفي ظل الحرب مع الحوثيين، والخلافات مع الإمارات، واستمرار رفض التطبيع مع إسرائيل بشروطه الراهنة، لا تكفي التحالفات الدفاعية وحدها لاستبعاد سيناريوهات التحول الحاد...

لا يمكن قراءة التحولات الجارية في الشرق الأوسط باعتبارها أزمات منفصلة لا يجمع بينها رابط استراتيجي، إذ تتداخل النزاعات المسلحة، والانقسامات الداخلية، ومشروعات الانفصال، والتنافس على الموانئ والممرات البحرية، مع محاولات بناء تحالفات جديدة وإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. ومن الصومال والسودان إلى اليمن وإيران، تتزايد المؤشرات التي تطرح تساؤلات بشأن مستقبل وحدة الدول وحدودها، وطبيعة الدور الذي تؤديه القوى الخارجية في بيئة تتراجع فيها قدرة بعض الحكومات على فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها.

وفي هذا السياق، يكتسب التحالف الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز التعاون العسكري التقليدي، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه المملكة من الجبهة اليمنية، وتزايد أهمية البحر الأحمر وباب المندب في الحسابات الإسرائيلية والإقليمية، وتباين المصالح السعودية والإماراتية في عدد من الملفات. فالتقارب الدفاعي الجديد يأتي في وقت لم تعد فيه العلاقات بين الدول الخليجية متطابقة بالضرورة، ولم يعد فيه التطبيع مع إسرائيل خيارًا يحظى بالإجماع الإقليمي، كما أصبحت الترتيبات الأمنية مرتبطة بصورة متزايدة بالموانئ والقواعد العسكرية والممرات التجارية ومناطق النفوذ.

ويعيد هذا المشهد إلى الذاكرة تجربة حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي، ثم سقوط النظام الملكي العراقي عام 1958، حين لم تمنع علاقات العراق الخارجية وانضمامه إلى منظومة أمنية إقليمية انهيار النظام السياسي. ولا يعني ذلك أن السعودية ستشهد بالضرورة انقلابًا مشابهًا، وإنما يفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل يمكن أن تجد دولة تمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية كبيرة نفسها أمام مجموعة من الضغوط المتزامنة التي تجعل التحالفات الخارجية غير كافية لضمان استقرارها، خصوصًا إذا تغيرت حسابات القوى المحيطة بها وتعارضت مصالح الشركاء الذين يفترض أنهم يعملون ضمن منظومة إقليمية واحدة؟

أولًا: من حلف بغداد إلى التحالف السعودي–التركي–الباكستاني

أُنشئ حلف بغداد عام 1955 في سياق الحرب الباردة، بمشاركة العراق وتركيا وباكستان وإيران وبريطانيا، بهدف معلن يتمثل في تعزيز التعاون الأمني واحتواء النفوذ السوفيتي. وقد عكس الحلف آنذاك توجهًا نحو ربط عدد من الدول الإقليمية بمنظومة أمنية تتقاطع مع المصالح الغربية، لكنه واجه معارضة داخلية وخلافات بين أعضائه، كما ارتبط في نظر قوى سياسية عربية بمشروعات النفوذ الخارجي في المنطقة.

وكان العراق أحد أهم أطراف الحلف، نظرًا إلى موقعه الجغرافي وعلاقاته ببريطانيا ووزنه السياسي في المنطقة، إلا أن انضمامه إلى المنظومة لم يمنع تراكم الأزمات الداخلية التي انتهت بانقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 وسقوط الملكية. وبعد الانقلاب انسحب العراق من الحلف، الذي تغير اسمه لاحقًا إلى المنظمة المركزية للمعاهدة، قبل أن ينتهي دوره في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

أما التحالف الدفاعي السعودي–التركي–الباكستاني، فينشأ ضمن ظروف مختلفة، لكنه يعكس بدوره سعي دول إقليمية إلى تنظيم تعاونها الأمني في مواجهة تهديدات مشتركة. وقد وقعت الدول الثلاث اتفاقية الدفاع المشترك في مكة خلال أغسطس 2026، وفق التقارير المنشورة عن الاتفاق، على أساس اعتبار الاعتداء المسلح على أحد الأطراف اعتداءً على الأطراف الأخرى، مع توفير آليات للتعاون العسكري وتبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي. وفي أكتوبر، تقدمت الاتفاقية نحو مراحل التصديق البرلماني في تركيا، بالتزامن مع تطورات أمنية مرتبطة بالهجمات الحوثية على السعودية.

وتكمن أهمية هذه الترتيبات في جمعها بين الثقل الاقتصادي السعودي، والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية. ومن شأن هذا التعاون أن يوفر للمملكة خيارات إضافية في الدفاع الجوي وتبادل المعلومات والتدريب والتسليح، فضلًا عن توسيع قدرتها على تنويع الشراكات الأمنية بعيدًا عن الاعتماد على طرف دولي واحد.

لكن قيمة التحالف لا تتحدد فقط بما يتضمنه نص الاتفاق، وإنما بمدى قدرته على العمل في ظروف الأزمة، وبطبيعة المصالح التي تجمع أطرافه، وباستعداد كل دولة لتحمل كلفة الالتزامات الدفاعية عندما تتعرض دولة أخرى للتهديد. فالتاريخ يبين أن وجود التحالفات لا يلغي التنافس بين أعضائها، ولا يمنع تغير الأولويات السياسية، كما أن الاتفاقات الدفاعية لا تضمن وحدها استقرار الأنظمة أو تحصين الدول من التحولات الإقليمية.

ومن هنا، فإن المقارنة مع حلف بغداد لا تتعلق بالتشابه في أسماء الدول أو شكل الاتفاقات فحسب، بل بمدى قدرة المنظومة الجديدة على توفير الحماية في بيئة إقليمية قد تتغير فيها التحالفات، وتتصاعد فيها التهديدات، وتصبح فيها المصالح الاقتصادية والسياسية جزءًا من الصراع على النفوذ.

ثانيًا: الصومال وأرض الصومال.. البحر الأحمر بوابة لإعادة توزيع النفوذ

يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في 26 ديسمبر 2025 تطورًا مهمًا في منطقة القرن الإفريقي، بالنظر إلى أن الإقليم أعلن انفصاله من جانب واحد عن الصومال عام 1991، لكنه لم يحظَ باعتراف دولي واسع قبل الخطوة الإسرائيلية. وقد أثار الاعتراف اعتراض الحكومة الصومالية ومواقف رافضة من أطراف إقليمية ودولية، في ظل المخاوف من أن يؤدي التعامل مع الإقليم باعتباره دولة مستقلة إلى إضعاف مبدأ وحدة الأراضي الصومالية وفتح المجال أمام ترتيبات جديدة في منطقة شديدة الأهمية استراتيجيًا.

ولا تقتصر أهمية أرض الصومال على مسألة الاعتراف السياسي، إذ تقع على مقربة من خليج عدن وباب المندب، وتضم ميناء بربرة الذي يمثل موقعًا ذا قيمة لوجستية وتجارية وعسكرية. وقد تناولت تحليلات استراتيجية إمكان استفادة إسرائيل من تطوير علاقاتها مع الإقليم لتعزيز قدراتها في مراقبة البحر الأحمر، ومتابعة تحركات الحوثيين، وتوسيع نطاق خياراتها الاستخبارية والعسكرية في القرن الإفريقي.

ويمنح هذا التطور فرضية إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي بعدًا عمليًا، لأن الاعتراف السياسي يمكن أن يمهد لتعاون اقتصادي وأمني وعسكري، وقد يخلق واقعًا جديدًا حول الموانئ والممرات البحرية، حتى إذا لم يؤدِّ مباشرة إلى اعتراف دولي واسع باستقلال الإقليم. كما أن أي وجود عسكري أو استخباري إسرائيلي محتمل في المنطقة ستكون له انعكاسات على حسابات دول مثل السعودية وتركيا ومصر، التي ترتبط مصالحها بدرجات مختلفة بأمن البحر الأحمر ووحدة الصومال.

وتبرز هنا نقطة أساسية في فهم المشروع الإقليمي المحتمل: إن إعادة تشكيل المنطقة لا يشترط أن تبدأ بإعلان حدود جديدة أو تقسيم رسمي للدول، بل يمكن أن تتقدم عبر الاعتراف بكيانات انفصالية، وبناء علاقات أمنية معها، والحصول على مواقع استراتيجية، وتعزيز نفوذ خارجي داخل مناطق متنازع عليها. وقد تتراكم هذه الخطوات بمرور الوقت لتؤثر في سيادة الدول وفي قدرتها على التحكم بأراضيها وممراتها الحيوية.

ولا يثبت الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وحده أن إسرائيل أنشأت الانقسام الصومالي أو أنها تقف وراء جميع مراحله، لكنه يقدم واقعة سياسية قابلة للتحليل في سياق توسيع العلاقات مع كيان انفصالي ذي موقع استراتيجي. وتزداد أهمية هذا التطور بالنسبة إلى السعودية بسبب ارتباط أمن البحر الأحمر بمصالحها التجارية والاقتصادية والعسكرية، وبسبب تداخل المنافسة على الموانئ مع الخلافات السعودية–الإماراتية والتقارب التركي–الباكستاني.

ثالثًا: السودان والانقسام الداخلي وتنافس القوى الإقليمية

يمثل انفصال جنوب السودان عام 2011 إحدى أبرز حالات تفكك دولة عربية وإفريقية في العقود الأخيرة، بعد عقود من الحرب الأهلية والصراع بين الشمال والجنوب، وانتهاء العملية السياسية باستفتاء على تقرير المصير. وقد ارتبط الانفصال بعوامل داخلية عميقة، من بينها النزاعات الطويلة والتفاوتات السياسية والاقتصادية والهوية الوطنية، إلى جانب دور الوساطات والضغوط والتدخلات الخارجية في مسار التسوية.

ومن المهم عدم اختزال انفصال جنوب السودان في قرار صادر عن دولة خارجية واحدة، لأن جذوره تعود إلى تاريخ طويل من الصراع الداخلي، كما أن العملية التي انتهت بالانفصال مرت بمراحل سياسية وعسكرية واتفاقات دولية وإقليمية. لكن هذه الحقيقة لا تلغي أهمية دراسة مصالح القوى الخارجية في السودان، ولا أثر التنافس على موارده وموقعه وعلاقاته الإقليمية في تحديد مسارات الأزمة.

وفي المرحلة الراهنة، زادت الحرب السودانية من تعقيد المشهد، مع اتهامات متبادلة بشأن دعم أطراف خارجية للقوى المتحاربة، وتداخل المصالح الإقليمية في مستقبل الدولة السودانية. وقد برزت الخلافات السعودية–الإماراتية ضمن هذا السياق، إذ تختلف مقاربات البلدين في بعض الملفات المتعلقة بالحرب السودانية، كما تتباين حساباتهما في اليمن والبحر الأحمر وعلاقات المنطقة بإسرائيل.

وتكشف هذه التطورات أن التنافس الإقليمي لا يدور دائمًا بين دول متقابلة بوضوح، بل قد يظهر داخل الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتها، من خلال دعم أطراف مختلفة أو السعي إلى تأمين مواقع استراتيجية ومصالح اقتصادية. ومع استمرار الحرب، تصبح قدرة الدولة على الحفاظ على وحدتها مرتبطة بتوازنات داخلية وخارجية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وفي هذا الإطار، فإن إدراج السودان ضمن قراءة أوسع لإعادة تشكيل المنطقة لا يعني افتراض وجود خطة واحدة تقف خلف جميع الأحداث، وإنما يسلط الضوء على نمط من التفاعلات تتداخل فيه الانقسامات الداخلية مع المصالح الخارجية، ويمكن أن ينتج عنه تفكك سياسي أو جغرافي، أو نشوء مناطق نفوذ منفصلة، أو تراجع قدرة الحكومة المركزية على بسط سلطتها.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها بالنسبة إلى السعودية لأن المملكة ليست بعيدة عن ساحات التنافس المحيطة بالبحر الأحمر، كما أن اختلاف مصالحها مع الإمارات في السودان واليمن، إلى جانب التباين في الموقف من إسرائيل، يطرح تساؤلات حول مدى تماسك الترتيبات الإقليمية التي تشكلت خلال السنوات الماضية، وما إذا كانت الخلافات بين الشركاء السابقين ستؤثر في قدرة كل طرف على مواجهة التحديات الأمنية.

رابعًا: إيران ومحاولات استثمار الانقسامات الداخلية

تحتل إيران موقعًا مركزيًا في حسابات الأمن الإقليمي، بسبب قدراتها العسكرية والصاروخية، وشبكة علاقاتها مع جماعات مسلحة في المنطقة، وتأثيرها في ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن، فضلًا عن الخلافات المرتبطة ببرنامجها النووي. وفي المقابل، تواجه الدولة الإيرانية تحديات داخلية تتعلق بالاقتصاد والتوترات الاجتماعية والعلاقة بين المركز والأطراف، وهي عوامل جعلت مستقبل تماسكها السياسي موضوعًا متكررًا في النقاشات الاستراتيجية.

وقد طُرحت في بعض النقاشات الإسرائيلية والغربية أفكار تتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو استثمار الانقسامات القومية والمناطقية داخله، كما ظهرت تحليلات تتناول احتمالات التفكك أو الانفصال في حال تعرض الدولة لاضطرابات واسعة. وتستحق هذه الطروحات الدراسة بوصفها جزءًا من النقاش حول الخيارات الاستراتيجية تجاه إيران، مع ضرورة التمييز بين ما يرد في الدراسات أو التصريحات وبين وجود سياسة حكومية رسمية ومتكاملة لتنفيذ مشروع تقسيم.

إن أهمية هذا الملف لا تتعلق فقط بما إذا كان تقسيم إيران هدفًا معلنًا أو خطة قابلة للتنفيذ، بل أيضًا بكيفية توظيف نقاط الضعف الداخلية في الصراع الإقليمي. فإضعاف الدولة قد يحدث من خلال الضغط العسكري والاقتصادي، أو دعم قوى معارضة، أو استثمار التوترات الداخلية، أو استهداف البنية التحتية ومراكز القوة، من دون أن يتطلب بالضرورة إعلانًا رسميًا عن مشروع تقسيم جغرافي.

ومن هذه الزاوية، فإن ربط الملف الإيراني بتطورات الصومال والسودان يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة تتنافس فيها القوى على إعادة تشكيل مراكز السلطة والنفوذ، عبر أدوات تتنوع بين الاعتراف بالكيانات الانفصالية، والضغط على الدول، وتوسيع الحضور العسكري، واستثمار الانقسامات الداخلية. ولا تكفي هذه الحالات وحدها لإثبات وجود خطة موحدة تشمل جميع دول المنطقة، لكنها توفر أساسًا لدراسة أنماط متقاطعة في إدارة الصراع وإعادة توزيع النفوذ.

وبالنسبة إلى السعودية، فإن أي تحول كبير في بنية الدولة الإيرانية أو في علاقتها بمحيطها سيؤثر في الحسابات الأمنية للمملكة، سواء أدى إلى تراجع نفوذ طهران أو إلى ظهور حالة من عدم الاستقرار على حدود المنطقة. كما أن اتساع الصراع حول إيران قد يرفع أهمية التحالفات الدفاعية، لكنه قد يضع السعودية أيضًا أمام تحديات جديدة إذا امتدت المواجهة إلى الخليج أو البحر الأحمر أو البنية التحتية للطاقة.

خامسًا: الحوثيون.. التهديد المباشر الذي يدفع السعودية إلى بناء تحالفات جديدة

تختلف الجبهة اليمنية عن بقية الملفات لأنها تمثل تهديدًا أمنيًا مباشرًا للسعودية، وليس مجرد ساحة تنافس بعيدة. فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014 والتدخل العسكري الذي قادته السعودية عام 2015، دخلت العلاقة بين الطرفين في مسار طويل من الحرب والهجمات المتبادلة ومحاولات التهدئة. ورغم أن الهدنة التي بدأت عام 2022 خفضت مستوى العمليات العسكرية الواسعة لفترة، فإن الصراع لم يصل إلى تسوية شاملة تنهي أسباب المواجهة.

ومع انتقال التوتر إلى البحر الأحمر، باتت قدرة الحوثيين على استهداف السفن والممرات البحرية جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. ويتيح موقع الجماعة الجغرافي التأثير في الملاحة عبر باب المندب، فيما تجعل قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة المنشآت الحيوية والمدن السعودية ضمن نطاق التهديد. وبهذا لم يعد الملف اليمني مقتصرًا على النزاع الداخلي أو أمن الحدود الجنوبية، بل أصبح مرتبطًا بالتجارة الدولية وأمن الطاقة وحسابات القوى الكبرى في البحر الأحمر.

وقد أفادت تقارير حديثة بتصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، وبأن المملكة تسعى إلى تعزيز دفاعاتها وتوسيع تعاونها العسكري مع شركاء جدد. كما أشارت تقارير إلى تقديم تركيا دعمًا فنيًا ودفاعيًا للسعودية، يشمل مجالات مثل أنظمة الدفاع الجوي وتبادل المعلومات والتخطيط العسكري، في سياق تنفيذ التفاهمات الدفاعية بين الدول الثلاث.

ويكشف ذلك أن التحالف السعودي–التركي–الباكستاني لم يظهر في فراغ، بل تزامن مع تهديدات فعلية تضغط على الأمن السعودي، وتضع المملكة أمام ضرورة تنويع قدراتها الدفاعية. لكن الحرب الطويلة مع الحوثيين تكشف في الوقت نفسه أن امتلاك الموارد العسكرية والاقتصادية لا يضمن إنهاء التهديد بصورة سريعة، خصوصًا عندما يكون الخصم قادرًا على استخدام تكتيكات غير متماثلة، والاستفادة من الجغرافيا، وتوسيع المواجهة إلى الممرات البحرية.

وتزداد حساسية هذا الملف بسبب عدم التطبيع السعودي مع إسرائيل في الظروف الحالية. فقد أكدت الرياض أن إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل ترتبط بمسار واضح نحو قيام دولة فلسطينية، فيما تناولت تقارير إعلامية رفض السعودية مقترحات إسرائيلية للمشاركة في المواجهة ضد الحوثيين. ويضع هذا الموقف المملكة أمام معادلة معقدة: فهي تواجه خصمًا مسلحًا يهدد أمنها، بينما ترفض تحويل هذا التهديد إلى مدخل لتطبيع لا يتوافق مع شروطها السياسية المعلنة، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى توسيع حضورها الأمني في محيط البحر الأحمر.

ولا يعني ذلك أن السعودية تفتقر إلى خيارات دفاعية، بل إن المسألة تتعلق بتكلفة تلك الخيارات وبالقيود السياسية والإقليمية التي تحكمها. فالمملكة تحتاج إلى حماية أراضيها وموانئها ومنشآتها الاقتصادية، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تجنب ترتيبات قد تضعها في موقع تابع لمصالح إسرائيلية أو تزيد التوتر في محيطها العربي والإسلامي. وهذا ما يمنح التحالف مع تركيا وباكستان أهمية إضافية، لكنه يجعل نجاحه مرتبطًا بقدرته على توفير دعم فعلي في مواجهة التهديدات، لا بمجرد الإعلان عن اتفاق دفاعي.

سادسًا: الخلاف السعودي–الإماراتي وتراجع افتراض وحدة الموقف الخليجي

شهدت العلاقات السعودية–الإماراتية خلال السنوات الأخيرة تباينات متزايدة في عدد من الملفات، رغم استمرار المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة بين البلدين. وقد ظهرت هذه الخلافات في ملفات اليمن والسودان وسياسات إنتاج النفط والعلاقة مع إسرائيل، فضلًا عن التنافس على النفوذ الاقتصادي والموانئ والممرات التجارية.

وفي اليمن، لم تتطابق أهداف الرياض وأبوظبي في جميع المراحل، إذ دعمت الدولتان أطرافًا مختلفة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وبرزت خلافات بشأن مستقبل القوى الجنوبية وترتيبات الحكم والأمن. وفي السودان، تباينت مقاربات البلدين بشأن الأطراف المتصارعة، وسط اتهامات تتعلق بالدعم الخارجي، وهي اتهامات نفتها الإمارات في ملفات محددة. أما في العلاقة مع إسرائيل، فقد أقامت أبوظبي علاقات دبلوماسية رسمية منذ اتفاقات أبراهام عام 2020، في حين أبقت السعودية التطبيع مشروطًا بمسار سياسي واضح يتعلق بالقضية الفلسطينية.

ولا يعني هذا التباين أن السعودية والإمارات أصبحتا خصمين في جميع الملفات، أو أن مصالحهما المشتركة قد انتهت، لكنه يكشف أن وحدة الموقف الخليجي لا يمكن افتراضها تلقائيًا عند وقوع أزمة إقليمية. فلكل دولة حساباتها الخاصة بشأن مصادر التهديد، وطبيعة الشراكات الدولية، والأطراف التي يمكن التعاون معها، وحدود استخدام القوة في النزاعات المحيطة بها.

وتزداد أهمية هذه الخلافات عندما ترتبط بإعادة تشكيل النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لأن التنافس على الموانئ والقواعد والعلاقات مع القوى المحلية يمكن أن ينعكس على أمن السعودية ومصالحها البحرية. كما أن تباين الموقف من إسرائيل يخلق اختلافًا في ترتيب الأولويات الاستراتيجية: فبينما تستند الإمارات إلى علاقات رسمية مع إسرائيل وتعاون متنامٍ في مجالات مختلفة، تواصل السعودية ربط التطبيع بشروط تتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية وبالبيئة السياسية الإقليمية.

وفي ظل هذه الظروف، فإن افتراض أن السعودية ستتمكن دائمًا من الاعتماد على شريك خليجي قريب لمواجهة التهديدات قد لا يكون كافيًا. فالتجارب الإقليمية تظهر أن الشراكات يمكن أن تتغير عندما تتعارض المصالح، وأن الدولة التي تواجه ضغوطًا متزامنة قد تحتاج إلى بناء ترتيبات بديلة لضمان أمنها. ويُقرأ التقارب السعودي مع تركيا وباكستان ضمن هذا السياق، باعتباره محاولة لتوسيع الخيارات الدفاعية في مرحلة لم تعد فيها التفاهمات الخليجية وحدها كافية لمعالجة جميع التحديات.

سابعًا: هل يمكن أن تواجه السعودية سيناريو العراق عام 1958؟

إن السؤال عن احتمال تكرار تجربة العراق عام 1958 في السعودية لا يتعلق بتوقع انقلاب عسكري مطابق للتاريخ، وإنما بفحص قدرة الدولة على مواجهة تراكم الضغوط الخارجية وتعارض مصالح الشركاء وتغير البيئة الأمنية. فقد كان العراق الملكي مرتبطًا بحلف بغداد وبعلاقات وثيقة مع بريطانيا، لكن هذه الارتباطات لم تمنع انهيار النظام عندما تداخلت عوامل داخلية وعسكرية وسياسية مع التحولات الإقليمية.

وبالمثل، لا يمكن اعتبار التحالف السعودي–التركي–الباكستاني ضمانة مطلقة ضد أي تحول مستقبلي، لأن فعالية التحالفات تتوقف على طبيعة التزاماتها، واستعداد الأطراف لتنفيذها، ومدى توافق مصالحها في لحظة الأزمة. كما أن وجود اتفاق دفاعي لا يلغي المخاطر الناتجة عن الحروب الطويلة، أو الضغوط الاقتصادية، أو الانقسامات الإقليمية، أو تغير مواقف الدول الشريكة.

وتواجه السعودية مجموعة من التحديات المتزامنة: تهديد الحوثيين والحرب الطويلة في اليمن، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وتنامي الحضور الإسرائيلي في مناطق استراتيجية قريبة، والخلافات مع الإمارات في بعض الملفات، واستمرار التوتر المرتبط بإيران، فضلًا عن الموقف السعودي الرافض للتطبيع مع إسرائيل ما لم يتحقق تقدم واضح بشأن الدولة الفلسطينية. ولا يعني اجتماع هذه العوامل أن انهيارًا سياسيًا أو انقلابًا أصبح حتميًا، لكنه يجعل من غير الدقيق استبعاد التحولات الكبيرة لمجرد أن المملكة تمتلك ثروة اقتصادية أو تحالفات عسكرية.

كما أن المقارنة مع العراق تصبح أكثر أهمية عند النظر إلى التغيرات التي قد تطرأ على شبكة العلاقات الإقليمية. فإذا تزايدت الخلافات بين السعودية والإمارات، وتوسعت الترتيبات الأمنية الإسرائيلية في محيط البحر الأحمر، واستمر التهديد الحوثي، فقد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى إعادة حساب علاقاتها الدفاعية والسياسية بصورة متواصلة. وفي المقابل، قد يوفر التحالف مع تركيا وباكستان قدرة أكبر على مواجهة بعض التهديدات، شرط أن يتحول إلى تعاون عملي مستدام وألا يظل إطارًا سياسيًا محدود التأثير.

وهنا تبرز نقطة جوهرية: إن الخطر الذي تواجهه الدول لا يأتي دائمًا من قوة خارجية واحدة، بل قد ينشأ من تفاعل عدة أزمات في وقت واحد، بحيث تصبح معالجة كل ملف بصورة منفصلة غير كافية. فالحرب على الحدود، والضغط على الممرات البحرية، والتنافس على الموانئ، والتباين بين الحلفاء، كلها عوامل قد تتداخل وتفرض على الدولة خيارات صعبة، حتى إن لم تكن هناك خطة واحدة تجمعها جميعًا.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن احتمال مواجهة السعودية سيناريو شبيهًا بالعراق عام 1958 لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تنبؤًا بانقلاب وشيك، بل باعتباره تحذيرًا من الاعتقاد بأن التحالفات الخارجية تحصّن الدول بصورة مطلقة. فالتاريخ العراقي يقدم مثالًا على حدود الحماية التي توفرها التحالفات عندما تتغير الظروف الداخلية والإقليمية، بينما توضح التحولات الحالية أن السعودية تعمل في بيئة تتعدد فيها مراكز الضغط وتتعارض فيها مصالح بعض الشركاء.

ثامنًا: مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وحدود الاستدلال

عند جمع التطورات في الصومال والسودان وإيران واليمن، تظهر مجموعة من المسارات التي تستحق الدراسة ضمن فرضية إعادة تشكيل الشرق الأوسط: التعامل مع كيان انفصالي في موقع استراتيجي، واستمرار الصراع داخل دول ضعيفة المؤسسات، وطرح احتمالات استثمار الانقسامات الداخلية في دول إقليمية كبيرة، وتوسيع الحضور العسكري والاستخباري حول الممرات البحرية. وهذه المسارات لا تتطابق في أسبابها أو نتائجها، لكنها تتقاطع في أثرها المحتمل على سيادة الدول وتوازنات النفوذ.

وفي الحالة الإسرائيلية، يمثل الاعتراف بأرض الصومال واقعة سياسية واضحة، كما أن تصريحات وتحليلات إسرائيلية بشأن أهمية الموقع الاستراتيجي للإقليم تتيح بحث دوافع هذه الخطوة وانعكاساتها. وفي الحالة الإيرانية، توجد نقاشات استراتيجية بشأن إضعاف الدولة أو استثمار الانقسامات الداخلية، لكن لا بد من التمييز بين الطروحات التحليلية وبين وجود خطة رسمية متكاملة للتقسيم. أما السودان، فقد شهد بالفعل انفصال جنوبه بعد حرب طويلة وتسوية سياسية، بينما لا تزال الحرب الحالية تفتح الباب أمام مخاطر إضافية على وحدة الدولة ومؤسساتها.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها لا تتعامل مع كل واقعة باعتبارها دليلًا منفردًا وحاسمًا على وجود مشروع موحد، وإنما تدرس ما إذا كانت الوقائع المتعددة تكشف عن نمط من السياسات والمصالح يتجه نحو إضعاف بعض الدول أو إعادة ترتيب مناطق النفوذ. كما أن غياب وثيقة واحدة معلنة لا يعني أن كل المخاوف غير قائمة، لكنه يجعل من الضروري فحص السياسات المعلنة، والتحركات الميدانية، والاتفاقات الأمنية، ومواقف الدول من وحدة الأراضي، بدل الاعتماد على الاستنتاج وحده.

وبالنسبة إلى السعودية، فإن أهمية هذا النقاش تتجاوز الجانب النظري، لأن أي تغيير في السيطرة على الموانئ أو الممرات البحرية، أو اتساع النزاعات في الدول المحيطة، يمكن أن ينعكس على الأمن الاقتصادي والعسكري للمملكة. كما أن التباين مع الإمارات بشأن إسرائيل وبعض ملفات المنطقة، ورفض الرياض التطبيع في غياب تسوية فلسطينية، يضعان السعودية في موقع لا تتطابق فيه أولوياتها بالضرورة مع أولويات جميع الأطراف التي تمتلك نفوذًا في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وبالتالي، فإن السؤال الاستراتيجي لا يقتصر على ما إذا كانت إسرائيل تمتلك مشروعًا معلنًا لتقسيم كل دولة في المنطقة، بل يتعلق أيضًا بما إذا كانت بعض سياساتها وتحركاتها تسهم في ترسيخ كيانات منفصلة، أو استثمار الانقسامات، أو بناء ترتيبات أمنية تؤثر في توازنات الدول المجاورة. ويحتاج هذا الاستنتاج إلى متابعة الأدلة المتراكمة، لكنه يظل مدخلًا مشروعًا لدراسة انعكاسات التحولات الجارية على السعودية وعلى منظومة الأمن الإقليمي بأكملها.

الخاتمة

تظهر التحولات في الصومال والسودان وإيران واليمن أن الشرق الأوسط والقرن الإفريقي يمران بمرحلة تتداخل فيها النزاعات الداخلية مع المنافسة الخارجية على النفوذ والموانئ والممرات البحرية. ويضيف الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بُعدًا جديدًا إلى التنافس حول البحر الأحمر، فيما تبرز الحرب السودانية والخلافات الإقليمية المرتبطة بها مخاطر استمرار تفكك مؤسسات الدول وتراجع قدرتها على الحفاظ على وحدتها.

وفي هذا المشهد، يأتي التحالف السعودي–التركي–الباكستاني استجابة لحسابات أمنية متغيرة، في مقدمتها التهديد الحوثي، لكنه لا يمثل ضمانة مطلقة ضد التحولات السياسية أو الاستراتيجية. فالسعودية تواجه تحديات متزامنة تتصل بالحرب في اليمن، وأمن الملاحة، وتباين المصالح مع الإمارات، واستمرار رفض التطبيع مع إسرائيل وفق الظروف الراهنة، إلى جانب تداعيات التنافس على النفوذ في محيطها الإقليمي.

وتقدم تجربة العراق عام 1958 درسًا بشأن حدود الاعتماد على التحالفات الخارجية، إذ لم تمنع عضوية حلف بغداد سقوط النظام الملكي عندما تداخلت عوامل داخلية وإقليمية وعسكرية. ولا يعني ذلك أن السعودية ستكرر التجربة ذاتها، لكن لا توجد قاعدة تاريخية تجعلها بمنأى عن التحولات الحادة، خصوصًا إذا تراكمت الضغوط وتغيرت مصالح الشركاء واتسعت ساحات الصراع.

وعليه، فإن مستقبل الأمن السعودي لن يتحدد فقط بقوة التحالفات التي تعقدها المملكة، بل بقدرتها على تحويل هذه الاتفاقات إلى ردع عملي، وإدارة التباينات مع الشركاء، وحماية مصالحها في البحر الأحمر واليمن، والتعامل مع التحولات التي قد تفرضها المنافسة الإقليمية. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح احتمال وقوع تغيرات استراتيجية كبيرة أمرًا لا يمكن استبعاده مسبقًا، فيما تظل طبيعة تلك التغيرات وتوقيتها مرتبطين بمسار الصراعات وقرارات الأطراف المعنية.

...................................

المصادر:

1. وكالة رويترز: تقارير الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، 26 ديسمبر 2025.

2. المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: تحليل التداعيات العسكرية والاستراتيجية للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، يناير 2026.

3. المعهد الملكي للخدمات المتحدة: تحليل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وانعكاساته الإقليمية، فبراير 2026.

4. مكتبة مجلس العموم البريطاني: الخلافات السعودية–الإماراتية في ملفات اليمن والسودان وإسرائيل والنفط، مايو 2026.

5. وكالة رويترز: تقرير الدعم التركي الدفاعي والفني للسعودية في مواجهة الحوثيين، أكتوبر 2026.

6. وكالة رويترز: تقرير إحالة اتفاق الدفاع السعودي–التركي–الباكستاني إلى البرلمان التركي، أكتوبر 2026.

7. وكالة أسوشيتد برس: تقرير الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال والتداعيات الإقليمية، ديسمبر 2025.

8. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية: مراجعة أمن السعودية والحرب مع الحوثيين وتطورات البحر الأحمر، 2026.

9. المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي: تحليل التحولات في الموقف السعودي من إسرائيل والتطبيع، فبراير 2026.

10. موسوعة إيرانيكا: دراسة تاريخية عن حلف بغداد.

11. دراسات أكاديمية عن سقوط الملكية العراقية والعلاقات المدنية العسكرية في العراق عام 1958.

اضف تعليق