على خلفية التدخل العسكري التركي الى العراق والذي اعطى اشارة واضحة عن مدى سهولة دخول ارض العراق بدون رادع دولي ومحلي واستسهال تلك الدول للتدخل في الوضع العراقي ومحاولتها التأثير المباشر على الساحة، اصبح العراق ساحة للتدخلات المختلفة سواء الإقليمية والدولية مما يضع سيادة البلد واستقراره على كف عفريت في حال تصاعدت احتداد التوترات الدولية بين كبار اللاعبين الدوليين، فقد قدم مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ورقة في ملتقى النبأ الاسبوعي في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان (العراق ساحة الاحتدام الدولي والاقليمي) وبحضور مجموعة من الاكاديميين والناشطين السياسيين.

حيث تطرق مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية عدنان الصالحي خلال ادارته الجلسة الفكرية الى الحقبة الزمنية التي عاشها العراق خلال فترة تسعينيات القرن المنصرم والتي عبر عنها بـ(العزلة الخانقة) واصفا اياه كأنه يعيش لوحده في كوكب الأرض، رابطا في الوقت نفسه بين تاريخه الماضي والحاضر، حيث يتعرض اليوم الى إستباحة شبه كاملة لشؤونه من الدول الاقليمية والعالمية تحت عنوان محاربة داعش او لتدريب القوات العراقية او مستشارين او لحماية شركات النفط.

مشيرا الى اعطاء الضوء الاخضر امام الدول الاقليمية والعالمية بالتدخل في شؤون العراق وبشكل معلن وخصوصا بعد دخول مايعرف بداعش في منتصف عام 2014 الى اكبر المدن العراقية في الموصل، وكان ابرز من تدخل بالشؤون العراقية هو ما يعرف بالتحالف الدولي لمحاربة التنظيم المتطرف، ففي الوقت الذي تحكم السماء العراقية عشرات الطائرات المتعددة الجنسية يتدخل ايضا على الارض مئات المستشارين العسكريين من جهات مختلفة اقليمية ودولية لتقديم المشورة للقوات الامنية العراقية.

ولأهمية الموضوع طرح مدير الجلسة الفكرية امام الحضور المشاركين سؤالين للنقاش والاستفادة من آراؤهم.

الاول: هل الدوافع للتدخل في الساحة العراقية نتيجة لأطماع تاريخية ام انها احترازات لمعارك مستقبلية التي قد يكون من نتائجها تقسم العراق؟.

الثاني: من يملك وقف هذه التدخلات وهل ستخف حدتها بعد انتهاء المعركة مع داعش؟

الشيخ مرتضى معاش، اوضح ان التدخل الاقليمي والدولي الذي يحصل في العراق وغيره انما هو نتيجة الفوضى الحاصلة بعد دخول قوات داعش الارهابية الى البلاد، فهناك عدة دول تتدخل في الشأن العراقي لحماية مصالحها الشخصية في البلد.

مؤكدا على ان بعض الدول تتدخل من اجل حصولها على الاطماع والمنافع الشخصية التي تنادي بها البلاد المحتلة، فدخول الاتراك الى شمال العراق جاء من اجل حصولهم على الموصل، ولا نستبعد دخول القوات البريطانية الى البصرة تحت ذريعة حماية الشركات النفطية او غيرها من الذرائع والاسباب.

الدكتور علاء الحسيني الباحث في مركز آدم للحقوق والحريات، اشار الى ان هناك تنافس اوربي – اوربي من اجل السيطرة على منطقة الشرق الاوسط، وهذا التنافس يشهد انحسارا واضحا واضمحلاله شيئا فشيئا بسبب كثرة الحروب والاقتتال الداخلي والمشاكل العالقة بينهم، اما اليوم فنلاحظ وجود منافس قوي على الساحة وهو الظهور المفاجئ للدور الروسي الذي استطاع ان يرسم السياسات الاستراتيجية للبلاد وتأثر بعض الدول العربية بسياسة الدور الروسي في منطقة الشرق الاوسط.

من جهة اخرى اوضح الى ان هناك غموض واضح من قبل الولايات المتحدة الامريكية بشأن التدخل الذي يكاد يكون محدودا في المنطقة، لذا نجد من الصعب التكهن بمستقبل المنطقة التي تشوبها الغموض بصورة عامة.

الدكتور قحطان الحسيني الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، قال خلال مداخلته من سوء حظ العراق والعراقيين توسط موقعه جغرافيا بين حضارات وإمبراطوريات متصارعة، بالاضافة الى وجود اطماع واضحة لدول اخرى، معظم الدول المتصارعة تنظر الى العراق بأنه عمق استراتيجي لها لذا تبدأ بفرض سيطرتها ومد نفوذ اطماعها على العراق والتأريخ يشهد على ذلك بدخول الاتراك والفرس بفترات متعاقبة الى العراق.

معتقدا كثرة الخلافات والاختلافات بين اطياف الشعب العراقي الواحد الامر الذي ساعد وبشكل مؤثر جدا على بسط الدول الاقليمية والدولية اطماعها الخارجية والسيطرة ولو بنسبة جزئية على العراق.

لذا نلحظ وجود الاطماع الخارجية التأريخية في السيطرة على العراق من قبل الدول الاقليمية والدولية، بالاضافة الى دورها الفاعل والمؤثر في عراق ما بعد التقسيم.

الاستاذ احمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، اشار الى تعرض العراق على مدار التاريخ الى العديد من الغزوات والاحتلال من الإمبراطوريات الحاكمة في العالم، والتي انتجت تلك الحقب الزمنية انعدام الارادة الحقيقية لقادة العراق مما جعله ضعيف في مواقفه الداخلية بسبب انعدام الثقة للحفاظ على وحدة البلد.

مؤكدا ان بعض دول الجوار تبحث عن موطئ قدم لمن يواليها في الداخل وهذا الامر واضح من خلال بعض سياسيي البلد وخلافاتهم واختلافهم حول اي امر او قضية معينة.

لا اعتقد هناك حلول واقعية لتعود بنا الى عراق ما قبل 2003 بوجود اطماع خارجية ووجود شخصيات تساعد الدول الاقليمية على تنفيذ مطامعها التي تحلم بالحصول عليها.

الاستاذ حمد جاسم الباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات، اوضح ان للعوامل التأريخية اهمية بالغة في رسم سياسات بلد معين، فلو عدنا الى التأريخ القديم نلحظ هناك صراع طويل بين الفرس والروم ويمثل العراق في وقتها نقطة جذب مغناطيسي امام المتصارعين وتعاقب الصراع في العراق خلال الحقب الزمنية المختلفة.

اما التأريخ الحديث فأنه يشير الى صراع بين النفوذ الروسي والنفوذ الامريكي في العراق، بمساعدة بعض الدول الاقليمية التي تذهب بتقسيم العراق من اجل الحصول على مطامعها الشخصية وبسط هيمنتها عليه، باستثناء الولايات المتحدة التي ترغب بإنشاء عراق واحد موحد تحت سيطرتها بالكامل.

الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، قال خلال مداخلته اعتقد ان العراق اليوم هو الرجل المريض في الشرق الاوسط، وبسبب ضعف ومرض هذا الرجل جعل من الدول الاقليمية والحدودية تطمع في الحصول على ميراثه، لأهمية العراق من ناحية الموقع الجغرافي والجيوسياسي والاقتصاد ورمزيته العالمية، وجاءت هذه الاطماع ومحاولة بسط نفوذ الدول في العراق بسبب حكوماته الضعيفة والمتهالكة والعميلة لكل من يدفع أكثر لتحقيق رغباته واهوائه الشخصية.

مؤكدا ان القوى الكبرى تعتبر وجود داعش الارهابي هو لملء الفراغ الكبير الحاصل داخل البلد، وفي حال ذهاب داعش والتخلص منه فأنه ستصبح حالة من تصادم مصالح كبرى للدول القوية بسبب عدم تصفية حسابات تلك الدول بينها.

اعتقد ان اغلب الدول ستطالب بميراثها من العراق في الوقت الذي يتجه العراق نحو التقسيم الطائفي الخطير جدا.

الاستاذ احمد المسعودي الباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، اشار الى ان هناك قاعدة سياسية تتضمن القول بـ(السيادة تفرض على الآخرين ولا يتم استجدائها)، العراق اليوم يعتبر اضعف بؤرة في المنطقة ويتم تصريف كافة الأطماع باتجاه العراق، ولو ربطنا تاريخ الماضي مع أحداث المستقبل فيما يخص العراق لوجدنا أن الدول تسعى للسيطرة على العراق انتقاما وبغضا له لأنه كان صاحب هيبة وإجلال أمام دول المنطقة في حقبة زمنية معينة.

لا استبعد عمل بعض الدول الإقليمية والحدودية بالمطالبة بفرض سيطرتها على جزء من هذا البلد لأنه لا يمتلك رجالا أكفاء وشخصيات كبيرة تتمتع بإرادة حقيقية لحماية البلد من التعرضات الخارجية.

يذكر ان ملتقى النبأ الاسبوعي يعقد جلساته الفكرية الحوارية كل اسبوع من اجل تبادل الافكار وطرح المواضيع السياسية الساخنة للنقاش للخروج بحصيلة يضعونها امام الرأي العام ليتم الاحاطة بها.

مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2