العالم لا يتجه نحو نظام جديد، بل نحو حقبة من "اللا-نظام" لقد قررت القوة العظمى الوحيدة الاستقالة من دور الراعي لتلعب دور المفترس، وهو تحول يترك العالم بلا ضوابط. السيناريو المرجح هو أن العقد القادم سيكون عقد البقاء للأقوى، حيث تتآكل سيادة الدول الضعيفة، وتتحول الدبلوماسية إلى أداة لشرعنة الغنيمة...

يقدم هذا التقرير قراءة تحليلية للمشهد الجيوسياسي العالمي مع انقضاء العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية للرئيس دونالد ترامب. والتحول المفصلي في السياسة الخارجية الأمريكية، التي انتقلت من نهج "الانعزالية" التقليدي إلى استراتيجية "التدخل الأحادي الخشن"، مما أدى إلى تقويض الركائز الأساسية للنظام العالمي المنبثق عن الحرب العالمية الثانية.

عبر تتبع الوقائع الميدانية المتسارعة، بدءاً من العمليات العسكرية المباشرة في أمريكا الجنوبية (فنزويلا)، مروراً بمحاولات تغيير الخرائط في القطب الشمالي (غرينلاند)، وصولاً إلى الانسحاب الممنهج من المنظومة الأممية، يهدف هذا التقرير إلى تفكيك العقيدة السياسية الجديدة للبيت الأبيض، ورصد ردود الفعل الدولية المتخوفة، واستشراف مآلات هذا النهج على مستقبل الأمن والسلم الدوليين.

1. الملخص التنفيذي: تحولات النظام الدولي

مع دخول الرئيس دونالد ترامب عامه الثاني في البيت الأبيض (يناير 2026)، يشهد النظام الدولي تحولاً جذرياً يقطع الصلة مع التقاليد الدبلوماسية التي أرستها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. فالإدارة الأمريكية قد انتقلت من مرحلة "الانعزالية" التقليدية إلى مرحلة "التدخل الأحادي الخشن"، حيث يتم تفكيك المؤسسات الدولية واستبدال التحالفات التقليدية بنهج قائم على "الواقعية البراغماتية" البحتة، التي تعلي من شأن القوة والمصالح الاقتصادية المباشرة فوق أي اعتبارات قانونية أو قيمية.

فقد شهد مطلع العام 2026 تصعيداً غير مسبوق في استخدام القوة الصلبة، تمثل أبرزها في العملية العسكرية الأمريكية المباشرة في فنزويلا (3 يناير)، والتي أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وتنصيب قيادة بديلة تحت إشراف أمريكي مباشر، مع إعلان صريح عن نية السيطرة على الموارد النفطية. يتزامن ذلك مع ضغوط أمريكية متصاعدة لضم جزيرة "غرينلاند"، مما تسبب في أزمة دبلوماسية حادة مع الدنمارك وهدد تماسك حلف الناتو. هذه التحركات، بالإضافة إلى مقترحات إدارة قطاع غزة عبر "مجلس سلام" برئاسة ترامب، دفعت خبراء القانون الدولي لوصف السياسة الأمريكية الحالية بأنها "إمبريالية جديدة" تعيد إحياء ممارسات القرن التاسع عشر الاستعمارية.

تفكيك البنية المؤسسية الدولية

على الصعيد الدبلوماسي، نفذت واشنطن انسحاباً ممنهجاً من الهياكل الدولية، شمل الخروج من 66 منظمة ومعاهدة (نصفها تابعة للأمم المتحدة)، بما فيها اتفاقيات المناخ، ومنظمة الصحة العالمية، واليونسكو. يبرر مسؤولو الإدارة (مثل ماركو روبيو وستيفن ميلر) هذه الخطوات بأن المؤسسات الدولية باتت تخدم "أوهام العولمة" وأيديولوجيات تتعارض مع المصلحة الوطنية الأمريكية، معلنين نهاية مرحلة "المجاملات الدولية".

وأثارت هذه السياسات قلقاً عميقاً لدى الحلفاء الأوروبيين؛ حيث حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من "تخلي واشنطن عن حلفائها" داعياً لاستقلال استراتيجي أوروبي، بينما وصف الرئيس الألماني النظام العالمي الجديد بأنه ينحدر ليصبح "وكراً للصوص". تتنامى المخاوف الدولية من أن يؤدي تجاوز واشنطن للقانون الدولي إلى شرعنة سياسة "الأمر الواقع"، مما قد يشجع قوى أخرى (مثل روسيا والصين) على اتخاذ خطوات توسعية مماثلة، مما ينذر بانهيار منظومة الضوابط الدولية ودخول العالم في حقبة من الفوضى وغياب المعايير الناظمة.

يخلص التقرير إلى أن العالم لا يواجه مجرد تغيير في الإدارة الأمريكية، بل تغييراً "مستديماً" في شكل العلاقات الدولية. الولايات المتحدة لم تعد تلعب دور "الضامن" للنظام العالمي، بل أصبحت قوة فاعلة تسعى لتحقيق مصالحها بمنطق القوة المجردة، مما يضع المجتمع الدولي أمام واقع جديد يتسم بعدم اليقين وانهيار الآليات التقليدية لفض النزاعات.

2. التحول في العقيدة السياسية

السياسة الخارجية الأمريكية في ولاية ترامب الثانية لم تعد تعتمد على مجرد تعديلات تكتيكية، بل تستند إلى قطيعة فلسفية كاملة مع "النظام الليبرالي الدولي" الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. هذه العقيدة الجديدة، التي يصفها منظرو الإدارة بـ"الواقعية البراغماتية"، تقوم على نسف الفرضية التي هيمنت لعقود، وهي وهم "نهاية التاريخ" (حسب تعبير وزير الخارجية ماركو روبيو). ترى الإدارة الحالية أن فكرة العولمة القائمة على نشر الديمقراطية والاستقرار عبر التوافق الدولي قد سقطت مصداقيتها، وأن المؤسسات الدولية لم تعد سوى أدوات تعيق المصالح الوطنية الأمريكية لخدمة أجندات "تقدمية".

أعمدة العقيدة الجديدة: القوة والمصلحة

تستند العقيدة السياسية الجديدة إلى ركيزتين أساسيتين صاغهما كبار مستشاري البيت الأبيض:

1. أولوية القوة على القانون: يُعبر ستيفن ميلر، مهندس السياسات المتشددة، بوضوح عن هذا التوجه قائلاً إن العالم الحقيقي "تحكمه القوة والنفوذ والسلطة"، معلناً نهاية عصر "المجاملات الدولية". هذا يعني أن الشرعية الدولية المستمدة من الأمم المتحدة لم تعد ضرورية لتبرير التحركات الأمريكية، كما ظهر في تجاوز مجلس الأمن لشن عملية عسكرية في فنزويلا.

2. تغليب المصالح على القيم: وفقاً لجاريد كوشنر، فإن الواقعية تتطلب "تغليب المصالح على القيم". يمثل هذا تحولاً جذرياً عن السياسة الأمريكية التقليدية التي كانت تغلف أطماعها بشعارات "نشر الديمقراطية" أو "حقوق الإنسان". في العقيدة الترامبية الجديدة، يتم التعامل مع الدول (سواء كانت حليفة مثل الدنمارك أو خصماً مثل فنزويلا) بمنظور نفعي بحت (Transactional)، حيث الهدف هو الاستحواذ المباشر على الموارد (النفط الفنزويلي) أو المواقع الاستراتيجية (غرينلاند) دون الحاجة لغطاء أخلاقي.

تفكيك التعددية لصالح الأحادية الصارمة

تُرجمت هذه العقيدة عملياً إلى سياسة "تفكيك ممنهج" للهياكل الدولية. الانسحاب من 66 منظمة ومعاهدة لا يُقرأ كخطوة انعزالية (Isolationism) بالمعنى التقليدي، بل كخطوة نحو "أحادية قطبية عدوانية" (Aggressive Unilateralism). ترى الإدارة أن الالتزام بالمعاهدات المناخية أو العلمية يمثل تنازلاً عن السيادة الوطنية. وبحسب الخبراء، فإن هذا النهج يختلف عن حقبة بوش الابن (الذي تجاوز الأمم المتحدة ولكنه تظاهر باعتناق مبادئ سامية)، حيث أن ترامب يمارس ما وصفه بعض المحللين بـ"الإمبريالية الصريحة" التي لا تسعى لتغيير الأنظمة من أجل الديمقراطية، بل من أجل الإدارة المباشرة والمكاسب الاقتصادية.

وتشير العقيدة السياسية الحالية إلى رغبة في إحداث تغيير "مستديم" في بنية العلاقات الدولية، كما ترى ميلاني سيسّون وهي باحثة في معهد "بروكينغز". الهدف ليس مجرد تعليق المشاركة في النظام الدولي، بل إعادة تشكيله بحيث لا تعود الولايات المتحدة "شرطياً للعالم" أو "راعياً للتحالفات"، بل قوة عظمى متحللة من القيود، تعمل في بيئة فوضوية تضمن لها البقاء للأقوى، وهو ما اعتبره الرئيس الألماني انحداراً بالنظام العالمي إلى "وكر لصوص".

3. التطبيقات الميدانية: الجيوسياسية والعسكرية

شهد العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب انتقالاً سريعاً من "الدبلوماسية القسرية" والحروب التجارية إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة وسياسة "فرض الأمر الواقع". لم تعد التحركات الأمريكية تهدف إلى ضبط توازنات القوى التقليدية، بل باتت تعكس نمطاً هجومياً يسعى لتحقيق مكاسب استراتيجية ومادية فورية، متجاوزةً بذلك الخطوط الحمراء التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.

نموذج فنزويلا: عودة "دبلوماسية البوارج"

يُمثل التدخل العسكري في فنزويلا (3 يناير/كانون الثاني) التطبيق الأكثر جذرية لهذه السياسة. وفقاً للنص، لم تكتفِ واشنطن بالعقوبات الاقتصادية، بل نفذت قوات خاصة أمريكية عملية إنزال أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله للمحاكمة في الولايات المتحدة، وتنصيب نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لإدارة البلاد تحت إشراف أمريكي.

تكمن خطورة هذا الحدث في تحول الأهداف؛ حيث صرح ترامب علانية بأن الهدف هو "السيطرة على النفط" وتشغيل الشركات الأمريكية، متجاوزاً مبررات "نشر الديمقراطية" التي استخدمت في حقب سابقة. وقد وصف خبراء القانون الدولي هذا التحرك بأنه "عدوان مسلح" وخرق لميثاق الأمم المتحدة، بينما اعتبره البيت الأبيض إجراءً ضرورياً لمكافحة "الإرهاب المخدراتي".

الأطماع الجيوسياسية: قضية غرينلاند

على صعيد التنافس الاستراتيجي مع القوى العظمى (روسيا والصين)، تبنت الإدارة نهجاً توسعياً مباشراً تجاه جزيرة "غرينلاند". تجاوز الموقف الأمريكي مجرد الرغبة في الشراء إلى التلويح باستخدام القوة لضم الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي في القطب الشمالي، وهو ما أحدث صدمة غير مسبوقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لكون التهديد موجهاً ضد دولة حليفة (الدنمارك). يعكس هذا السلوك تحولاً في النظر إلى الحلفاء؛ فالعلاقة لم تعد تشاركية بل قائمة على الإخضاع للمصالح الأمنية الأمريكية، مما دفع كوبنهاغن للتحذير من "نهاية حلف الناتو".

إعادة هندسة مناطق النزاع: نموذج غزة

في الشرق الأوسط، طرحت الإدارة نموذجاً جديداً لإدارة المناطق المضطربة يتجاوز دور الوساطة. يشير النص إلى مقترح أمريكي بإنشاء "مجلس سلام" في غزة برئاسة ترامب شخصياً للإشراف على الفترة الانتقالية. هذا المقترح، الذي وصفه خبراء الأمم المتحدة بأنه "هيكل استعماري" و"إمبريالية تتنكر في شكل عملية سلام"، يكرس فكرة الإدارة المباشرة للأراضي الأجنبية من قبل قوى خارجية، مما يعيد للأذهان صيغ الانتداب التي سادت في القرن العشرين.

وتُظهر هذه التطبيقات (غزو فنزويلا، تهديد غرينلاند، إدارة غزة، والتلويح بضرب إيران والمكسيك) أن العقيدة العسكرية الأمريكية قد تحررت من ضوابط القانون الدولي. باتت القوة العسكرية تُستخدم كأداة أولية وليست ملاذاً أخيراً، بهدف إعادة رسم الخرائط وتأمين الموارد، مما يخلق بيئة دولية سائلة تتسم بغياب الردع التقليدي واحتمالية عالية لتوسع رقعة النزاعات المسلحة.

4. إعادة هندسة الالتزامات الدولية

لم تكتفِ السياسة الأمريكية في العام الثاني من ولاية ترامب بتجميد التعاون الدولي، بل انتقلت إلى مرحلة "التفكيك الهيكلي" للعلاقة مع المنظومة الأممية. فهذا التحول تطبيق جذري لشعار "أمريكا أولاً"، حيث تم استبدال الانخراط في المؤسسات متعددة الأطراف بانسحابات واسعة النطاق، شملت إصدار أمر تنفيذي يقضي بخروج الولايات المتحدة من 66 منظمة ومعاهدة دولية، نصفها تقريباً يتبع للأمم المتحدة. هذا الإجراء لا يمثل مجرد موقف سياسي عابر، بل محاولة لإعادة صياغة القواعد الناظمة للعلاقات الدولية عبر تفريغ المؤسسات القائمة من محتواها وتجفيف مواردها.

تفكيك المنظومة البيئية والعلمية

نال ملف المناخ والتعاون العلمي النصيب الأكبر من هذه السياسة التفكيكية. ففي خطوة تتجاوز ما حدث في الولاية الأولى (الانسحاب من اتفاقية باريس)، قرر الرئيس ترامب الانسحاب من "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" (UNFCCC) لعام 1992، وهي المظلة القانونية الأساسية لكل الجهود المناخية العالمية. كما شملت القرارات الانسحاب من "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" (IPCC) وهي المرجعية العلمية الأولى عالمياً، إضافة إلى منظمات أخرى مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA).

يعكس هذا الإجراء تبنياً رسمياً لموقف "إنكار التغير المناخي"، حيث وصف الرئيس الاحترار العالمي بأنه "أكبر خدعة"، مروجاً للعودة إلى الفحم كمصدر للطاقة. ويرى المحللون أن هذا الانسحاب يضرب "التوافق العالمي" في مقتل، ويجعل الولايات المتحدة، بصفتها ثاني أكبر مسبب للانبعاثات، خارج إطار المساءلة الدولية، مما يهدد بانهيار العمل المناخي برمته.

سلاح التمويل والقطيعة الأيديولوجية

بالموازاة مع الانسحابات القانونية، استخدمت الإدارة الأمريكية "سلاح التمويل" لتقويض المؤسسات التي لم تنسحب منها بالكامل أو تلك التي تعتمد على المساعدات الطوعية. يشير النص إلى خفض كبير في المساعدات الخارجية وتقليص ميزانيات وكالات حيوية مثل "مفوضية شؤون اللاجئين" (UNHCR) و"برنامج الأغذية العالمي" (WFP)، مما أجبرها على تقليص عملياتها الميدانية في وقت تتزايد فيه الأزمات. كما شملت قرارات الانسحاب منظمات ذات طابع اجتماعي وثقافي مثل "اليونسكو" و"منظمة الصحة العالمية"، وصندوق الأمم المتحدة للسكان.

المبرر الأيديولوجي: محاربة "التقدمية العالمية"

ودوافع هذا التفكيك جاء على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي برر هذه الخطوات بأن المنظمات الدولية باتت تخدم "أيديولوجية تقدمية" تتعارض مع القيم والمصالح الأمريكية. حددت الإدارة أهدافها بوضوح: رفض "حملات المساواة بين الجنسين" والنهج التقليدي للمناخ، واعتبار أن التعددية القطبية مبنية على "وهم نهاية التاريخ". هذا الطرح يحول الخلاف مع الأمم المتحدة من خلاف إجرائي إلى "حرب ثقافية وقيمية" شاملة.

وأثار هذا الانسحاب الأحادي جدلاً قانونياً داخل الولايات المتحدة؛ حيث يشير خبراء قانونيون إلى احتمالية عدم دستورية انسحاب الرئيس من معاهدات صادق عليها مجلس الشيوخ (التي تتطلب ثلثي الأصوات للانضمام) دون موافقة المجلس نفسه. إلا أن سياسة "الأمر الواقع" التي تفرضها الإدارة تجعل من هذه الاعتراضات القانونية مجرد عقبات نظرية أمام واقع جيوسياسي جديد، تتخلى فيه واشنطن طوعاً عن مقعد القيادة في النظام الدولي الذي ساهمت في تأسيسه.

5. ردود الفعل الدولية وتصدع التحالفات

أحدثت التحركات الأمريكية "الهجومية" في مطلع العام 2026، ولا سيما التدخل العسكري في فنزويلا والتهديدات الموجهة للحلفاء، زلزالاً دبلوماسياً في العلاقات عبر الأطلسي. لم تعد أوروبا تنظر إلى واشنطن كـ"ضامن للأمن"، بل باتت تعتبرها مصدراً لعدم الاستقرار، مما دفع القارة العجوز إلى إعادة تقييم شاملة لعقيدتها الأمنية والسياسية. يشير التقرير إلى أن الفجوة بين ضفتي الأطلسي لم تعد خلافاً في وجهات النظر، بل تحولت إلى "قطيعة قيمية" تهدد بنية التحالفات الغربية التي استمرت لثمانية عقود.

* الموقف الألماني: في سابقة دبلوماسية نادرة، وجه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير انتقاداً لاذعاً لواشنطن، واصفاً النظام العالمي تحت قيادة ترامب بأنه ينحدر ليتحول إلى "وكر لصوص" حيث يأخذ الأقوياء ما يريدون بلا رادع. واعتبر شتاينماير أن السلوك الأمريكي يمثل "صدعاً تاريخياً ثانياً" بعد الحرب الروسية الأوكرانية، مؤكداً أن انهيار القيم يأتي هذه المرة من "الشريك الأهم".

* الموقف الفرنسي: تبنى الرئيس إيمانويل ماكرون خطاباً تحذيرياً صريحاً، واصفاً السياسة الأمريكية بـ"الاستعمار الجديد" و"الإمبريالية الجديدة". ودعا ماكرون الدبلوماسيين الأوروبيين إلى عدم الاكتفاء بالمشاهدة، مشدداً على ضرورة تحقيق "الاستقلال الاستراتيجي" وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين، في إشارة واضحة إلى أن أوروبا لم يعد بإمكانها الرهان على المظلة الأمريكية.

وتجاوز التوتر البيانات السياسية ليمس العصب الأمني لحلف شمال الأطلسي (الناتو). تسبب إصرار ترامب على ضم جزيرة "غرينلاند" والتلويح باستخدام القوة ضدها في صدمة لدى الدنمارك والحلفاء الشماليين. حذرت كوبنهاغن من أن أي هجوم عسكري على أراضيها سيعني فعلياً "نهاية حلف الناتو"، مما يضع الحلف أمام مفارقة تاريخية: التهديد الوجودي لأعضائه لم يعد قادماً من الشرق فقط، بل من الدولة القائدة للحلف نفسه.

على الصعيد الأممي، حذر مسؤولو الأمم المتحدة وخبراء القانون الدولي من التبعات الكارثية لهذه السياسات.

* أشار المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى أن التدخل في فنزويلا جعل "جميع البلدان أقل أماناً" وأضعف الآليات المانعة لحرب عالمية ثالثة.

* وصف مستشار الأمم المتحدة جيفري ساكس مقترحات إدارة غزة بأنها "إمبريالية تتنكر في شكل عملية سلام".

* اعتبر خبراء القانون في جنيف أن واشنطن تطبق نسخة محدثة وأكثر عدوانية من "مبدأ مونرو" (أطلقوا عليها اسم "مبدأ دونرو")، مما يشرعن التدخل في شؤون أمريكا اللاتينية.

ورغم حدة التصريحات الفردية، كشف التقرير عن "خجل" وضعف في الرد الجماعي الأوروبي، حيث اكتفى الاتحاد الأوروبي ببيانات تدعو لاحترام القانون الدولي دون إدانة صريحة للتدخل الأمريكي في فنزويلا. يرى المحللون أن هذا التردد يعكس معضلة الدول التي تكافح لتقبل فكرة فقدان حليفها التاريخي، ويخشى الخبراء أن هذا الضعف قد يفسر من قبل قوى أخرى (روسيا والصين) كضوء أخضر لانتهاج سياسات مماثلة، مما يسرع من وتيرة تفكك النظام الدولي القائم.

6. التحليل الاستشرافي: مستقبل النظام العالمي

لا يمثل المشهد الدولي في مطلع العام 2026 مجرد "انحراف مؤقت" في مسار العلاقات الدولية، بل يؤشر، وفقاً للمعطيات الواردة في التقرير، إلى لحظة مفصلية تاريخية تماثل في أهميتها لحظة سقوط جدار برلين، ولكن في الاتجاه المعاكس. إن تفكيك الولايات المتحدة للنظام الذي بنته بنفسها (Pax Americana) يضع العالم أمام سيناريوهات مفتوحة تتسم بالسيولة الشديدة والخطورة العالية. فيما يلي تحليل لأبرز المآلات المتوقعة لهذا التحول الجذري:

أولاً: نهاية "المعيارية الدولية" وشرعنة "عالم الغاب"

التأثير الأخطر لما وصفه الرئيس الألماني بتحول العالم إلى "وكر لصوص" يكمن في انهيار القوة الردعية للقانون الدولي. لقد كسرت الولايات المتحدة، بغزوها المباشر لفنزويلا وتهديدها لسيادة الدنمارك، "التابو" الذي منع الدول الكبرى من ضم أراضي الدول الأخرى بالقوة الصريحة منذ الحرب العالمية الثانية.

* المآلات: يؤسس السلوك الأمريكي لسابقة خطيرة تمنح شرعية ضمنية لقوى مراجعة أخرى (Revisionist Powers). من المتوقع أن تقرأ روسيا والصين هذه التحركات كضوء أخضر لتسوية ملفاتها العالقة بالقوة الصلبة (مثل ملف تايوان، أو التمدد الروسي في دول الاتحاد السوفيتي السابق)، تحت ذريعة: "إذا كانت واشنطن تفعل ذلك لحماية أمنها القومي ومصالحها، فلنا الحق ذاته". هذا ينذر بنهاية مبدأ "سيادة الدول" كحق مطلق، واستبداله بمبدأ "المجالات الحيوية" حيث تبتلع القوى العظمى جيرانها الأصغر.

ثانياً: الانتقال من "الأمن الجماعي" إلى "التحالفات القائمة على الإتاوة"

يشير تهديد ترامب لغرينلاند (عضو الناتو عبر الدنمارك) إلى موت سريري للمادة الخامسة من ميثاق الحلف الأطلسي (الدفاع المشترك). لم يعد التحالف الغربي مبنياً على قيم ديمقراطية مشتركة، بل تحول إلى علاقة تعاقدية نفعية (Transactional).

* المآلات: سيشهد العالم تفككاً تدريجياً لمنظومة "الناتو" بشكلها الحالي. ستضطر أوروبا، استجابةً لدعوات ماكرون، إلى تسريع خطوات "العسكرة" وبناء منظومة دفاعية قارية مستقلة. ومع ذلك، فإن الفراغ الأمني قد يدفع دولاً في أوروبا الشرقية أو آسيا إلى السعي لامتلاك رادع نووي مستقل، أو الدخول في اتفاقيات ثنائية مباشرة مع واشنطن تدفع بموجبها "أثماناً اقتصادية" مقابل الحماية، مما يعيد العالم إلى نظام شبيه بتحالفات القرن التاسع عشر الهشة والمتقلبة.

ثالثاً: عودة "الاستعمار الجديد" والصراع المباشر على الموارد

يكشف تركيز ترامب الصريح على "النفط الفنزويلي" و"معادن غرينلاند" عن تحول في طبيعة الصراعات الدولية من صراعات أيديولوجية أو جيوسياسية إلى حروب موارد كلاسيكية (Resource Wars). لقد أسقطت الإدارة الأمريكية القناع الأخلاقي، متبنيةً نهجاً "ميركانتيلياً" (تجارياً) متوحشاً.

* المآلات: ستصبح المناطق الغنية بالموارد (أفريقيا، القطب الشمالي، أمريكا اللاتينية) ساحات صراع مكشوفة بين القوى العظمى، ليس عبر الوكلاء كما كان في الحرب الباردة، بل عبر التدخل المباشر والشركات الأمنية الخاصة. هذا النهج يهدد الدول النامية بفقدان سيطرتها على ثرواتها الطبيعية ويعيد إحياء أنماط الانتداب والوصاية، كما يظهر بوضوح في مقترح "مجلس السلام" لإدارة غزة.

رابعاً: الفراغ المؤسسي وصعود "النظم الموازية"

يمثل انسحاب واشنطن من 66 منظمة دولية ضربة قاصمة لنظام "بريتون وودز" والأمم المتحدة. هذه المؤسسات لا تستطيع العمل بفعالية دون التمويل والثقل السياسي الأمريكي.

* المآلات: نحن نتجه نحو عالم "متعدد الأنظمة" بدلاً من عالم "متعدد الأقطاب" داخل نظام واحد. ستسعى الصين وتكتل "البريكس" لملء الفراغ عبر إنشاء أو تعزيز مؤسسات بديلة للتجارة، والتنمية، وفض النزاعات، تعمل بمعايير مختلفة عن المعايير الغربية. هذا سيؤدي إلى "بلقنة" الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا (Splinternet)، حيث تنقسم الكرة الأرضية إلى معسكرات تقنية ومالية منفصلة لا تتواصل فيما بينها، مما يعيق أي جهد جماعي لمواجهة تحديات عابرة للحدود مثل الأوبئة.

خامساً: الكارثة المناخية كـ"مضاعف للتهديدات"

انسحاب الولايات المتحدة (ثاني أكبر ملوث) من كافة اتفاقيات المناخ وإنكارها العلمي للأزمة، بالتزامن مع تشجيع الوقود الأحفوري، يعني عملياً انهيار "اتفاق باريس".

* المآلات: لن يقتصر الأثر على البيئة فحسب، بل سيصبح المناخ محركاً رئيسياً للنزاعات المستقبلية. غياب التنسيق الدولي سيؤدي إلى تفاقم الكوارث الطبيعية، مما سيولد موجات نزوح هائلة (لاجئو المناخ) لن تجد أي وكالة أممية (بعد تقليص ميزانياتها) قادرة على التعامل معها. هذا سيشعل توترات حدودية وعنصرية، خاصة في أوروبا والجنوب العالمي، مما يعزز صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي تتبنى سياسات الانغلاق القومي، في حلقة مفرغة من الفوضى.

الخلاصة:

يُستشف من مسار الأحداث في العام 2026 أن العالم لا يتجه نحو "نظام" جديد، بل نحو حقبة من "اللا-نظام" (Disorder). لقد قررت القوة العظمى الوحيدة الاستقالة من دور "الراعي" لتلعب دور "المفترس"، وهو تحول يترك العالم بلا ضوابط. السيناريو المرجح هو أن العقد القادم سيكون عقد "البقاء للأقوى"، حيث تتآكل سيادة الدول الضعيفة، وتتحول الدبلوماسية إلى أداة لشرعنة الغنيمة، في ظل غياب أي سلطة أخلاقية أو قانونية عليا يمكن الاحتكام إليها.

اضف تعليق