قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إنه واثق من شرعية خطة حكومته لإرسال بعض طالبي اللجوء إلى رواندا بعد أن منعت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية أول رحلة جوية في آخر دقيقة.

وأصدرت المحكمة أمرا بوقف الترحيل المقرر لمجموعة من المهاجرين كانوا على متن الطائرة وهو ما وصفه جونسون بأنه “عقبة غريبة في اللحظة الأخيرة”.

وقال جونسون للصحفيين “كل محاكم هذا البلد رأت عدم وجود عقبة ولم تحكم أي محكمة في هذا البلد بعدم دستورية هذه السياسة وهو أمر مشجع للغاية.

“نحن علي ثقة جدا من شرعية ودستورية ما نقوم به وسنواصل هذه السياسة”.

وانتقد معارضون ومؤسسات خيرية وزعماء دينيون خطة الحكومة البريطانية لإرسال بعض المهاجرين إلى تلك الدولة الواقعة في شرق إفريقيا بوصفها غير إنسانية. واضطرت الحكومة للتصدي لسلسلة من الطعون القانونية في محاكم لندن بهدف منعها من المضي قدما.

وتقول بريطانيا إن الاتفاق المبرم مع رواندا والذي تبلغ تكلفته 120 مليون جنيه إسترليني (147 مليون دولار) سيوقف تدفق الرحلات الخطرة عبر القنال الانجليزي ويقوض نشاط شبكات تهريب البشر.

وكان من المقرر أن تكون الرحلة الأولى رمزية وتؤكد تصميم حكومة رئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون على ثني الهجرة غير القانونية إلى المملكة المتحدة عن طريق إرسال مهاجرين إلى شرق إفريقيا، على بعد أكثر من 6000 كيلومتر من لندن.

تراجع عدد الأشخاص المقرر ترحيلهم إلى سبعة فقط بعد التماسات فردية في المملكة المتحدة بعد أن كان أصلا يصل إلى 130 شخصًا. لكنها المسألة كانت "مبدئية" وكانت الطائرة المستأجرة خصيصا لذلك لقاء آلاف اليوروهات جاهزة للإقلاع من قاعدة عسكرية إنكليزية عندما منعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنفيذ عمليات الإبعاد فبقيت الطائرة على مدرج مطار القاعدة.

وأثار القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الهيئة التابعة لمجلس أوروبا المكلفة ضمان الامتثال للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، انتقادات شديدة من الحكومة البريطانية من دون أن يردعها عن مواصلة مشروعها الذي لاقى تأييدا في صفوف ناخبيها، لكنها اصطدم بانتقادات شديدة من الأمم المتحدة والكنيسة الأنغليكانية وحتى من قبل ولي العهد الأمير تشارلز في الكواليس، وفقًا للصحافة.

لننسحب من المحكمة الاوروبية

وأعلنت وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل في البرلمان أن "قرار محكمة ستراسبورغ بالتدخل كان مخيبا ومفاجئا" مشيرة إلى أن القضاء البريطاني رفض الطعن الذي قدمته جمعيات ضد هذا الإجراء.

وأضافت "لن تثبط عزيمتنا التماسات في اللحظة الأخيرة لا مفر منها" مشددة على أن "التحضيرات للرحلات الجوية القادمة بدأت".

وأشار المتحدث باسم بوريس جونسون إلى أنه قبل اتخاذ قرار بشأن الخطوات المقبلة، فإن الحكومة "ستدرس بعناية هذا الحكم" الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي اعتبرت بشكل خاص أنه يجب تأجيل قرار طرد عراقي إلى أن ينظر القضاء البريطاني في شرعية هذه الخطوة في تموز/يوليو المقبل.

يتعلق الامر خصوصا بالتحقق من أن المهاجرين قادرون على الخضوع لإجراءات عادلة في رواندا في وقت تتهم الحكومة الرواندية بانتظام من قبل المنظمات غير الحكومية بقمع حرية التعبير والانتقادات والمعارضة السياسية.

ولم تعتبر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا الاجراء "غير قانوني" وقرارها لا يشكل "حظرًا مطلقًا" لترحيل المهاجرين إلى رواندا التي هي "بلد آمن"، كما ذكرت بريتي باتيل ردا على المعارضة العمالية التي نددت بسياسة تجلب "العار".

واعتبر نواب الأغلبية المحافظة الغاضبون أن ذلك يشكل مساسًا بسيادة المملكة المتحدة ودعوا إلى التخلي عن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي ساهمت البلاد في إنشائها في عام 1950 وحولتها الى قانون.

لا علاقة للهيئة بالاتحاد الأوروبي الذي غادره البريطانيون مع بريكست في كانون الثاني/يناير 2020.

وكتبت النائبة المحافظة اندريا جينكينز في تغريدة "نعم لننسحب من المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان ولنوقف تدخلاتها في القانون البريطاني".

ألمح بوريس جونسون الى هكذا احتمال مبديا استياءه لتصدي القضاء لسياسة الهجرة الحكومية. وقال "هل سيكون من الضروري تغيير بعض القوانين للمضي قدمًا؟ قد يكون هذا هو الحال وتتم دراسة كل هذه الخيارات بانتظام".

وتسعى لندن من خلال ابعاد المهاجرين الى رواندا، الى لجم عمليات عبور القناة غير المشروعة التي تزداد بانتظام رغم وعوده المتكررة بضبط الهجرة منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

ومنذ مطلع العام قام اكثر من 10 آلاف مهاجر بالرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر على متن قوارب صغيرة، في ارتفاع مقارنة مع العامين الماضيين اللذين سجلا اصلا ارقاما قياسية. ووصل عددهم الى 444 في يوم واحد على السواحل البريطانية، كما افاد مصور فرانس برس.

في كيغالي اكدت الحكومة الرواندية التزامها استقبال المهاجرين على الرغم من إلغاء رحلة لنقل عدد من هؤلاء من بريطانيا بسبب طعون قضائية.

وقالت الناطقة باسم الحكومة يولاند ماكولو لوكالة فرانس برس إن "هذه التطورات لن تثبط عزيمتنا ورواندا ما زالت ملتزمة بالكامل العمل على إنجاح هذه الشراكة".

وأضافت ماكولو أن "الوضع الحالي الذي يتمثل بقيام أشخاص برحلات خطيرة لا يمكن أن يستمر لأنه يسبب آلام لا توصف لعدد كبير من الأشخاص"، مؤكدة أن "رواندا مستعدة لاستقبال المهاجرين عند وصولهم وتأمين الأمن والفرص لهم".

نكسة لحكومة جونسون

وكانت السلطات تنوي ترحيل عدد من المهاجرين يصل إلى 130 من إيرانيين وعراقيين وألبان وسوريين في هذه الرحلة الأولى. وانخفض العدد بعد دعاوى فردية قدمها عدد منهم.

وفي تطور في اللحظة الأخيرة، أوقفت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ترحيل طالب لجوء عراقي، مستندة إلى إجراء طارئ مؤقت. وأثارت هذه الخطوة ارتياح منظمات مدافعة عن حقوق المهاجرين تعتبر خطة الحكومة قاسية وغير إنسانية.

واعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومقرها ستراسبورغ أنه يجب تأجيل إبعاد هذا العراقي إلى أن يدرس القضاء البريطاني شرعية القانون في تموز/يوليو المقبل. ويتعلق الأمر خصوصا بالتأكد من حصول المهاجرين على إجراءات عادلة في رواندا ومن أن رواندا تعتبر دولة آمنة.

وتتهم المنظمات غير الحكومية باستمرار الحكومة الرواندية بقمع حرية التعبير والنقد والمعارضة السياسية.

رحبت جمعيات ومنظمات داعمة للاجئين بهذه النتيجة ومن بينها "مجلس اللاجئين" (ريفوجي كاونسل) الذي عبر في تغريدة على تويتر عن "ارتياحه الشديد".

وكتبت صحيفة "تلغراف" اليومية المحافظة أن الحكومة البريطانية قد تعيد النظر في تبنيها المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان لتتمكن من تنفيذ استراتيجيتها على الرغم من الانتقادات، من الكنيسة الأنغليكانية إلى الأمير تشارلز الذي وصف الخطة ب"المروعة" حسب صحيفة "ذي تايمز".

مع ذلك تبدو النكسة التي واجهتها الحكومة خطيرة. وتحدثت صحيفتا "مترو" و"ديلي ميرور" عن "مهزلة قاسية" بينما تحدثت صحيفة "ذي غارديان" اليسارية عن "الفوضى" التي أحدثتها.

في كاليه بشمال فرنسا التي ينطلق منها الكثير من المهاجرين الراغبين في الوصول إلى إنكلترا، لا يبدو أن الخطة تردع مرشحين للهجرة. وقال موسى (21 عاما) القادم من دارفور، لوكالة فرانس برس أنه يريد التوجه إلى إنكلترا "للحصول على وثائق شخصية" ومن أجل اللغة الانكليزية التي يتقنها.

ومنذ بداية العام، عبر أكثر من عشرة آلاف مهاجر غير قانوني بحر المانش للوصول إلى الشواطئ البريطانية في قوارب صغيرة. ويشكل ذلك ارتفاعا قياسيا بالمقارنة مع السنوات السابقة. وقد وصل مئات في الأيام الأخيرة.

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس إنها لا تستطيع تحديد رقم كلفة رحلات التشارتر - تقدر بأكثر من 288 ألف يورو -، لكنها أصرت على أن ذلك يعد "سعرا جيدا" لخفض كلفة الهجرة غير النظامية على الأمد الطويل.

وبينما يعد مشروع الحكومة مثيرا للجدل إلا أنه يحظى بشعبية لدى القاعدة الناخبة المحافظة. وأقره القضاء البريطاني بعد رفض طعن تم النظر به بشكل عاجل.

من جهته أكد رئيس الوزراء بوريس جونسون "لن يتم ردعنا بأي شكل من الأشكال او ثنينا من خلال بعض الانتقادات".

عبر إرسال طالبي اللجوء الى مسافة أبعد من ستة آلاف كلم عن لندن، ما يذكر بالسياسة التي تعتمدها استراليا، تعتزم الحكومة ثني الوافدين بشكل غير قانوني عن الوصول الى البلاد.

طالبو لجوء يقولون رواندا أفضل من ليبيا

يقول طالبو لجوء كانوا قد أُرسلوا من مراكز احتجاز قذرة وخطيرة في ليبيا إلى رواندا إن أماكن إقامتهم الجديدة تمثل تحسنا كبيرا لكنهم ما زالوا يريدون الوصول إلى أوروبا – مما يثير تساؤلات حول التأثير الرادع لخطة بريطانيا لنقل مهاجرين إلى الدولة الواقعة في شرق أفريقيا.

قالت بريطانيا إنها تخطط لإرسال أي شخص يُقبض عليه وهو يحاول دخول البلاد بشكل غير قانوني، وهو موقف متشدد تأمل في أن يحد من الهجرة. لكن منتقدي الخطة أثاروا تساؤلات حول تكلفتها ومدى أخلاقياتها. ومن المتوقع أن تجبر الحروب والكوارث المناخية هذا العام عددا قياسيا من الأشخاص على الفرار من ديارهم.

وهذه ليست هي المرة الأولى التي تستقبل فيها رواندا طالبي لجوء من دولة ثالثة.

اتفقت كيجالي والاتحاد الأفريقي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في عام 2019 على أنه يمكن إجلاء المهاجرين في مراكز الاحتجاز الليبية المزرية طواعية إلى رواندا على متن رحلات جوية تديرها الأمم المتحدة.

وكان من بينهم بيتر نيون الذي فر من موطنه جنوب السودان بعد مقتل والده وجده في قتال. وأثناء محاولته الوصول إلى أوروبا، علق في مركز احتجاز ليبي لمدة عام قبل أن تنقله الأمم المتحدة إلى مخيم جاشورا في رواندا.

قال نيون إن الظروف أفضل بكثير في رواندا، لكنه والعديد من المهاجرين الآخرين المرسلين من ليبيا عازمون على الوصول إلى أوروبا.

وشهد بالفعل إعادة توطين العديد من الأشخاص رسميا من جاشورا، وبلغ عددهم أكثر من 600 من إجمالي ألف، وفقا لمسؤولين.

واتفق معه الإريتري تيمي جويتوم قائلا “لا أستطيع العيش هنا إلى الأبد. عندما أصل إلى أوروبا أو كندا سأدرس وأعمل. تركت إريتريا لأن هناك استبداد. أريد أن أذهب إلى أوروبا لأن هناك حرية”.

قال طالبو اللجوء العشرة الذين تحدثوا إلى رويترز إنهم ينتظرون إعادة توطينهم بشكل رسمي وقانوني.

لا تتاح خيارات أمام طالبي اللجوء فيما يتعلق بالبلد الذي يمكنهم الذهاب إليه ولا يعرف نيون إلى أين قد يذهب.

وتمت إعادة توطين أشخاص من جاشورا في كندا والسويد والنرويج وفرنسا وفنلندا وبلجيكا.

حاولت إسرائيل تنفيذ برنامج مماثل لنقل المهاجرين على غرار بريطانيا بدأ عام 2014، حين أرسلت طالبي لجوء أغلبهم من السودان وإريتريا إلى رواندا وأوغندا. لكن معظمهم غادروا بعد فترة وجيزة واتجهوا شمالا مرة أخرى، بالاستعانة بمهربين في بعض الأحيان، بحسب المبادرة الدولية لحقوق اللاجئين في عام 2015.

وقالت الأمم المتحدة إن قرار بريطانيا بنقل طالبي اللجوء إلى رواندا “خطأ بالكامل”. بينما قال مسؤولون إن الاتفاق الليبي كان معقولا لأنه يحمي المهاجرين من التعذيب والعنف الجنسي والاحتجاز لأجل غير مسمى.

قال فيليبو جراندي المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يوم الاثنين إن بريطانيا “تصدر مسؤوليتها إلى دولة أخرى”.

سيتم إيواء المجموعة الأولى من المهاجرين من بريطانيا بالقرب من عاصمة رواندا في نزل الأمل الذي يمكنه استيعاب مئة شخص.

والنزل المكون من 50 غرفة نظيف وجرى تجديده مؤخرا. والغرف المطلية باللون الأصفر كانت تؤوي ناجين من الإبادة الجماعية في رواندا حتى وقت قريب.

وقال إسماعيل باكينا مدير المبنى “المهاجرون سيكونون أحرارا. هذا ليس سجنا. إنه مثل المنزل”.

اضف تعليق