عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث حلقة نقاشية في ملتقى النبأ الأسبوعي حول (مجالس المحافظات في العراق بين الإلغاء والتفعيل)، شارك في الملتقى عدد من الكتاب والباحثين ذوي التوجهات المختلفة.

نص الورقة التي نوقشت قدمها واعدها الباحث في المركز محمد علاء الصافي على الشكل التالي:

تعتبر المجالس البلدية أو المحلية أو ما اطلق عليها في العراق وفق دستور 2005 مجالس المحافظات غير المنتظمة بإقليم، أساس النظام الديمقراطي الذي تأسس عام 2003 بعد اسقاط النظام الديكتاتوري السابق اثر الغزو الأمريكي للبلاد، وهي من ضمن أدوات تسهيل المشاركة العامة وتحسين الخدمات وتقوية المجتمعات، ووضع حد للتهميش وتحسين نتائج التنمية.

وهذه التجربة مطبقة في جميع بلدان العالم، ربما باستثناء بعض الدول الصغيرة جداً، وهي من أشكال الديمقراطية المحلية، وتختلف في صلاحياتها وسلطتها بين بلد وآخر.

وينص القانون العراقي على إجراء انتخابات المجالس المحلية كل 4 سنوات، والتي بدورها تقوم بانتخاب الحكومات المحلية من المحافظين ونوابهم.

واجهت تجربة المجالس المحلية في العراق تحديات كبيرة بسبب الصراعات السياسية الكبيرة بين الأحزاب الحاكمة، على الموارد الاقتصادية وعقود المقاولات للمشاريع المختلفة، بسبب اعتماد النظام السياسي بشكل عام منهج المحاصصة المقيت الذي افرغ النظام الديمقراطي من محتواه وجعله مجرد قوانين شكلية لا قيمة عملية لها على ارض الواقع وبدل من ان يعزز المشاركة الشعبية في التنمية والاعمار والتمكين السياسي وجدنا في كثير من الأحيان نقمة ورفض شعبي كبير تجاه هذه المجالس بسبب عرقلتها اغلب مشاريع التنمية والاعمار وفقدان الجانب الرقابي لها على السلطة التنفيذية ودوائر الدولة كافة.

ونجد ان هناك ثمة اعتراف متزايد بأن ديمقراطية محلية فعالة هي شرط اساسي لضمان تنمية اجتماعية واقتصادية مستدامة وعادلة، ولتعزيز الحكم الرشيد وتشجيع القيم الديمقراطية. حيث يعتبر البعض محاسن الديمقراطية المحلية سمة متأصلة فيها: فبغض النظر عن تأثيرها على النتائج النهائية، فإن قيمتها تكمن في فرص زيادة المشاركة، ويمكن الناس من التصرف كمواطنين أكثر نشاطا. ولكن آخرين يتبنون وجهة نظر أكثر ذرائعية عن منافع الديمقراطية المحلية، مركزين على قدرتها على تحسين تقديم الخدمات ونتائج التنمية من خلال زيادة المسائلة الشعبية.

مستقبل مجالس المحافظات العراقية

يبدو أن مستقبل مجالس المحافظات العراقية بات مجهولاً، ولم يحسم أمرها بشكل نهائي حتى بعد إجراء انتخابات برلمانية جديدة ومبكرة في العاشر من تشرين الأول الماضي، وبالتالي أصبح مجلس النواب العراقي والكتل السياسية في موقف حرج، لا سيما بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا (وهي أكبر سلطة قضائية عراقية) بعدم دستورية استمرار عمل مجالس المحافظات.

حاولت الكتل السياسية وممثلوها في البرلمان المنتهية ولايته إيجاد مخرج لهذا الملف الحساس، الذي يُعد الأساس للنظام اللامركزي في العراق منذ 2003، لا سيما أن العقبة الأكبر التي تبرز أمام هذه الكتل هو الرفض الجماهيري الواسع لهذه المجالس وشخصياتها، بسبب الفساد وتحوّلها إلى واجهة لتمويل الأحزاب السياسية العراقية، وعجزها الواضح عن إيجاد تغييرات إيجابية في ملف الخدمات.

ولهذا فإن الدعوة إلى حل هذه المجالس وإنهاء وجودها كان من أبرز مطالب الاحتجاجات الشعبية التي حدثت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، والذي تجاوب البرلمان العراقي في حينها من خلال إصداره قراراً بوقف عمل تلك المجالس وجميع التشكيلات المحلية المتصلة بها، غير أن هذا لم يمنع أعضاءها من تقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية بهذا القرار، والمطالبة بتمديد عملها كما هو منصوص في التعديل الأول لقانون مجالس المحافظات.

وكانت المحكمة الاتحادية قضت في أول قرار لها بعد تعديل قانونها واختيار قضاة جدد لها، في الثاني من مايو (أيار) الماضي، بعدم دستورية استمرار عمل مجالس المحافظات.

وأقيمت آخر انتخابات محلية في العراق عام 2013 قبيل عام واحد من سقوط عدد من المدن العراقية بيد تنظيم "داعش" الإرهابي عام 2014، مما أدى إلى تأجيل الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها عام 2017، وتمديد عملها من قبل مجلس النواب العراقي في عام 2018 لحين إجراء انتخابات جديدة، قبل أن يوقف عملها في نهاية 2019 استجابة لمطالب المحتجين في المدن العراقية.

بينما يعتقد فريق أنها تؤدي إلى الفساد وتلكؤ المشاريع وابتعادها عن مهمتها الرقابية، يرى آخرون أن إلغاءها مساس باللامركزية ومصيرها سيكون بيد البرلمان المقبل.

ويبرز دور اللامركزية في التنمية المحلية من خلال عدة نقاط أهمها:

1- الحد من البيروقراطية الادارية وتسريع وتسهيل عملية صنع القرار الاداري والتنموي، ما يساهم في ايجاد توزيع عادل نسبياً لسلطة صنع القرار والاستثمارات والموارد داخل الدولة.

2- تنازل مؤسسات الحكم المركزي عن جزء من صلاحيتها لصالح مؤسسات الحكم المحلية، كون هذه المؤسسات تتعايش مع مشاكل السكان المحليين بشكل مستمر وتدرك الاسباب والابعاد، وهذا الوضع يمنح هذه المؤسسات القدرة على ربط برامج ومشاريع التنمية بمختلف احتياجات المناطق والاقاليم، اي انه يضمن تحقيق اهداف التنمية المحلية.

3- خلق الاتصال المباشر والمستمر بين مؤسسات التخطيط التنموي والسكان، وهذا يمكّن القائمين على التخطيط من الحصول على بيانات أكثر دقة حول أوضاع مناطقهم، ويساعد على اعداد وتنفيذ خطط تنموية واقعية وفاعلة في المجتمع.

4- ايجاد توزيع عادل لمكاسب التنمية، وتحسين المستوى التنموي والخدمي في جميع مناطق البلد، من خلال وصول الموارد والاستثمارات الى جميع مناطق وأقاليم الدولة، وهذا يقلل من فجوة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية الاقليمية.

5- تخفيف العبء الاداري والتنموي عن مؤسسات الحكومة المركزية، اذ ترفع الكاهل عن العديد من الصلاحيات والمهمات بإسنادها الى مؤسسات اقليمية ومحلية، وهذا الوضع يمكّن مؤسسات التخطيط المركزية من اخذ الوقت الكافي في الاشراف بشكل فعلي وعملي على متابعة خطط التنمية المحلية.

6- ترسيخ مبدأ الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار التنموي على المستوى المحلي، وذلك باعتبار ان اللامركزية هي شكل من أشكال العملية الديمقراطية.

ما هو الأفضل للعراق النظام المركزي أم اللامركزي؟

ان الاجابة على هذا السؤال تكمن في أن التحول الذي حصل في العراق بعد العام 2003، من نظام مركزي شمولي وشديد البيروقراطية، الى نظام لا مركزي بشكل فجائي وكان بارز بشكل كبير وسبب خللا وفوضى كبيرة، هو الذي أعاق نجاح اللامركزية في العراق، اذ كان الافضل ان يتم التحول بشكل تراكمي وعلى مراحل من أجل ان يتفهم المجتمع العراقي دوره في الحياة الاقتصادية والسياسية، بعد ان كان معزولا تماماً عن صناعة القرار قبل العام 2003، وبالتالي هذا التحول السريع وغير المخطط له جاء بنتائج عكسية سلبية على المجتمع العراقي.

وللخروج من هذه الأزمة لابد من احداث تغييرات تأخذ شكل سلسلة من القرارات والمراحل حتى لا يكون التغيير مفاجئا كما حصل في العام 2003، بل يكون تحولا تدريجيا وخبرة تراكمية نحو التحول الى النظام اللامركزي بشكل كبير حسب الحاجة والضرورة.

رؤساء بلدية منتخبون مباشرة: دروس من المانيا

كان رؤساء البلدية في المانيا قبل عام 1990 ينتخبون من قبل المجلس البلدي، باستثناء بافاريا وبادن-فورتمبرغ، اللتين كان لهما دائمًا رؤساء بلدية منتخبون مباشرة. وإثر إعادة توحيد المانيا بعد عام 1990 والحماس الجديد للديمقراطية على المستوى الشعبي، جرت انتخابات مباشرة لرؤساء البلدية في جميع الولايات الفيدرالية الكبيرة ولرؤساء المقاطعات أيضًا مع بعض الاستثناءات. ووفر ذلك للمواطنين فرصة ممارسة تأثير مباشر على قيادة السلطة المحلية. وكان الهدف من ذلك، إلى جانب تقوية المشاركة الديمقراطية للمواطنين، هو تأكيد أولوية الصالح العام على المصالح ّ الخاصة. والهدف الآخر، كان زيادة الكفاءة من خلال ترشيد القيادة. وبينت الأبحاث أن سلطة رؤساء البلدية ونفوذهم قد ازدادت وازداد معهم عدد الخبراء الإداريين، في حين تناقصت لدى المنتخبين من قبل المجالس الذين يعملون بصفة شرفية وليسوا متفرغين. كما تعزز نفوذ المواطنين.

ما مشكلة الديمقراطية المحلية في البلاد في الوقت الحاضر؟

هل هي: انها لا تمتلك صلاحيات وموارد وقدرات كافية لتنفيذ المهام المطلوبة من الديمقراطية المحلية في مجتمع ديمقراطي مزدهر؟ أم أن صلاحياتها لا تستخدم بشكل كفوء أو فعال، نتيجة للفساد والتهاون وتدني المهارات؟

غالباً ما تترافق المشكلتان معا، ومن الضروري أن يدرس البرلمان ولجنة التعديلات الدستورية كيفية تفويض سلطات وموارد أكبر للسلطات المحلية، وفي الوقت نفسه أيضا تفادي إساءة استخدام تلك الصلاحيات والموارد.

اقالة او استقالة الحكومات المحلية والازمة الحالية

شهدت محافظتي ذي قار والنجف الاشرف خلال الفترة الماضية، استقالة المحافظين نتيجة ضغوط سياسية سبقتها احتجاجات شعبية تقف وراءها جهات سياسية مستفيدة من تغيير الحكومات المحلية حسب مراقبون.

وقد تشهد محافظات أخرى في الفترة المقبلة استقالات مشابهة ضمن نفس السيناريو، هذه الاستقالات هي ترتيب سياسي جديد بشكل غير قانوني، خاصة ان الحكومة الحالية دخلت مرحلة تصريف الاعمال وسط انتهاء الدورة النيابية دون حسم موضوع مجالس المحافظات وانتخاب المحافظين.

دخلنا في إشكالية جديدة قد يكون حلها بتشريع قانون لانتخاب مباشر للمحافظ ونوابه او تفعيل مجالس المحافظات مرة أخرى عبر تحديد موعد انتخابات لها في أقرب موعد ممكن.

تم طرح السؤالين التاليين على المشاركين في الملتقى:

السؤال الأول: هل حقق تجميد مجالس المحافظات التنمية والاعمار وتقليل الفساد في العراق؟

السؤال الثاني: ما هي الآليات المطلوبة لإنجاح عمل المجالس المحلية في العراق خلال الفترة القادمة اذا ما تم اجراء الانتخابات المحلية عام 2022؟

المداخلات

عشوائيات مجالس المحافظات

جواد العطار كاتب وسياسي مستقل:

النظام السياسي في العراق بعد 2003، ركز على التحول من المركزية الشمولية نحو اللامركزية الإدارية في كتابة دستور عام 2005 للتخلص من تركز السلطة بجهة واحدة او فرد واحد والتخلص من الإرث الدكتاتوري، في رمزية لنظرية جديدة لحكم العراق المتنوع.

لكن للأسف الشديد لم يؤخذ بنظر الاعتبار البنى التحتية لهذا النظام اللامركزي وتطبيقه في العراق بصورة عملية، ونعني هنا التحول الديمقراطي والوعي المجتمعي، فقد تم التركيز والاهتمام بالأدوات الديمقراطية بعيدا عن المحتوى الديمقراطي والثقافة التي تحقق نجاح اللامركزية الإدارية.

في جميع دول العالم وحتى في العراق سابقا، كان يجري انشاء البنى التحتية لأي مشروع سكني ومن ثم يتم توزيع قطع الأراضي ولكن ما يحدث اليوم هو توزيع أراضي سكنية بلا بنى تحتية مما ولد لدينا مشكلة العشوائيات وهو ما ينطبق على مجالس المحافظات التي تحولت فعليا الى عشوائيات بعملها وصلاحياتها، وتم افراغ هذه المجالس من محتواها عندما تنافس عليها الطامعون من الشخصيات والأحزاب دون تنمية قدراتهم او حصرها بيد الكفاءات، لذلك كانت هذه المجالس فاشلة لان المحتوى فارغ غير منتج.

إعادة نموذج الحكم السابق

الشيخ مرتضى معاش:

هل حل او تجميد مجالس المحافظات أدى الى انهاء الفساد في العراق؟

لم يؤدي ذلك الى انهاء الفساد لان المشكلة أكبر منها بكثير، أي شيء لا يؤطر داخل اطار يصبح فوضويا والديمقراطية في العراق لم تؤطر بشكل صحيح لذلك أصبحت بلا حدود والصورة المميزة لها هي الفوضى.

القوى المسيطرة على الحكم هي من أراد جعل الديمقراطية بهذا الشكل، حتى يتم التلاعب كيفما يشائون، وإلغاء المجالس البلدية والمحافظات بدل تطويرها وتحسين اداءها سيتجه بالعراق نحو الاستبداد والمركزية وإعادة نموذج الحكم السابق شيئاً فشيئاً ويبعد سلطة المواطن ويوقف عملية تطور المسائلة الشعبية.

مشكلة مجالس المحافظات الحقيقة في العراق هي تحويلها من قبل الأحزاب الفاسدة الى اقطاعيات حزبية، وخرجت عن دورها الفعلي الرقابي التشريعي، وما رأيناه من التجربة السابقة انها كانت تتداخل مع السلطة التنفيذية وتشاركها وهذا خلل كبير جداً.

مع الغاء مجالس المحافظات ستكون السلطة بيد المحافظ فقط بدون رقابة ومتابعة للمشاريع وتفعيل أدوات الرقابة وان يكون القضاء حر وفعال ويستجيب لهذه الرقابة الشعبية.

حاجة الى وعي مجتمعي

احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

المشكلة ليست في أصل المجالس المحلية او البرلمان بل ان المشكلة تكمن بفكرة الانتخابات لدى الانسان العراقي، حيث ما لمسناه من التجارب الانتخابية السابقة أن الغالبية من الناس تفضل الشخصيات الانتهازية او حسب صلة القرابة او الأكثر مجاملة او حسب المصالح الشخصية على الشخصية الكفوءة للإدارة والعمل والتشريع أياً كان المنصب وهذا سبب خللا كبيرا في جميع مفاصل الدولة العراقية.

انعكس ذلك على مجالس المحافظات التي وصل عبرها الكثير من الشخصيات التي تجهل اساسيات العمل والمراقبة والتشريع وتفضيل المصالح الحزبية لأحزابهم على مصلحة المواطن والمحافظة التي يمثلوها وبالتالي أصبحت عبء ماليا واداريا كبيرا دون فائدة بل ضررها أكبر من نفعها، بينما المواطن تجاهل وصول شخصيات ربما كان من الممكن ان تنجح هذه التجربة الديمقراطية، وهذا يحتاج الى وعي مجتمعي كبير وتطور الأفكار لدى الناخب العراقي.

الحكومة الاتحادية بكامل الصلاحيات

الدكتور حسين السرحان، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

النظام السياسي في العراق منذ بداية التغيير بعد عام 2003 رافقه الكثير من التشوهات والتناقضات، فمثلا كيف يتم تشريع اللامركزية الإدارية من قبل قوى سياسية ويرافقه نظام قوائم انتخابية مغلقة؟!

العملية بالأساس مشوهة، حتى لو يتم مصادقة المشاريع من قبل هذه المجالس التي تخص كل محافظة والتي يقدمها المحافظ فالقضية تحتاج موافقة وزارة التخطيط الاتحادية، اين اللامركزية في الموضوع ؟!

بقيت الحكومة الاتحادية بكامل الصلاحيات، بناء مدرسة في محافظة كربلاء مثلا يحتاج موافقة الوزارة المعنية او وزارات أخرى متداخلة معها وهذا نعممه على جميع القطاعات في البلد وافقدت اللامركزية الإدارية روحها وصلاحياتها.

بالإمكان وضع البديل من خلال انتخاب المحافظ بصورة مباشرة من قبل الشعب ويكون البرلمان والهيئات الرقابية مثل النزاهة وديوان الرقابة المالية جهات رقابية على عمل السلطة التنفيذية وكل ذلك لا يتم دون تعديل دستور 2005 وهذا يحتاج الى إرادة وقرار سياسي من الجميع.

كبش فداء

الدكتور أيهاب النواب:

في البدء، لم تكن مجالس المحافظات والغاءها من المطالب الأساسية للتظاهرات في العراق لكنها كانت مطلب فرعي، المطلب الأساسي كان التغيير الشامل وما حدث هو ان القوى الحاكمة جعلت من هذه المجالس كبش فداء للاستمرار في السلطة وخلق صورة انها تستجيب لمطالب الاحتجاجات العراقية.

كذلك باستثناء محافظة كربلاء، لم تشهد بقية المحافظات تطور او طفرة بالعمل او اكمال المشاريع او التنمية الاقتصادية بعد تجميد عمل هذه المجالس واستمرار عمل السلطة التنفيذية فيها وهذا مؤشر ان هذه المجالس لم تكن هي العائق او المسبب للفشل لوحدها.

لذلك مجالس المحافظات تحتاج الى تطوير في عملها لصعوبة تعديل الدستور، وان يكون الوعي المجتمعي اعلى حتى يضع الشخص المناسب في المكان المناسب وكآلية مقترحة ينتخب المجلس أحد اعضاءه ليكون محافظ دون انتخاب رئيس مجلس ويبقى دورهم رقابي على جميع مفاصل السلطة التنفيذية لأنهم الأقرب للمواطن من غيرهم.

التجربة بعد الغاءها كانت افضل

الدكتور قحطان حسين طاهر، باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

تجربة مجالس المحافظات في العراق تحتاج الى تقييم موضوعي من مختصين لمعرفة أماكن الإخفاق وكيفية التطوير لعملها، بعيدا عن المشاكل الواضحة من صراعات سياسية بين الأحزاب، لكن المؤشرات التي اطلعنا عليها جميعها تشير الى فشل هذه المجالس وان دورها كان سلبيا بامتياز.

فشلت هذه المجالس لأنها تسببت بصراعات بينها وبين المحافظ ممثل السلطة التنفيذية وهذا الصراع انعكس على الواقع الخدمي للمدن بشكل واضح، باستثناء مشاريع بسيطة لا تلبي طموح المواطنين.

كذلك سببت هذه المجالس فساد كبير جدا وهدر للمال العام في الغالبية من أعضاءها وتدخلهم في الكثير من الشبهات في المشاريع الاستثمارية والتعيينات في مؤسسات الدولة ودعم احزابهم بطرق غير مشروعة ومساومة المقاولين او دفع المشاريع لمقاولين تابعين لهم وهكذا..

أرى ليس من مصلحة المحافظات العراقية إعادة احياء هذه المجالس وترك الامر بيد المحافظين بوجود دوائر الرقابة والمسائلة الشعبية والتجربة بعد الغاءها كانت افضل من بقائها حسب ما شاهدنا.

افضل أنواع الديمقراطيات

عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية:

المحكمة الاتحادية لم تجمد عمل مجالس المحافظات بل الغت قرار التمديد لها، انتهت صلاحية المجالس عام 2018 ومدد لها عام إضافي بقرار نيابي وفق اتفاقات سياسية دون إشارة واضحة للدستور العراقي، وعند تمديد عمل هذه المجالس لا اعلم اين كان دور الادعاء العام من كل ذلك؟!

خلال هذه الفترة هناك قرارات اتخذت من قبل هذه المجالس وتنصيب محافظين والكثير من الأمور التي ترتبت بسبب تمديد العمل بالمجالس بعد انتهاء مدة اربع سنوات من العمل.

مجالس المحافظات والبرلمان تعتبر من أفضل أنواع الديمقراطيات في العالم دستورا وقانونا ونصوصا، لكن الأداء السياسي من هذه المجالس هو من شوّه دورها الحقيقي وما يجب أن تقدم بشكل غريب جدا.

لا يوجد خلاف على ان من اداروا تلك العملية انهم كانوا يتعاملون وفق مبدأ المصلحة الخاصة لهم ولأحزابهم دون المصلحة الوطنية العامة، وهذا لا يخص فئة دون أخرى بل يشمل ذلك جميع المكونات في العراق سنة وشيعة واكراد، ركزوا على اختيار المطيعين لزعماء الكتل والأحزاب لا الكفوئين والنزيهين وبالنتيجة هذه العقلية شوهت كل العملية السياسية وليس فقط تجربة مجالس المحافظات.

وهذا لا ينتج دولة او نظام سياسي مستقر او مجالس محافظات وبرلمان ناجح ولا يحقق تنمية ولا تطوير للفكر السياسي للشعب والأحزاب على حد سواء، والمشكلة تبدأ من الرؤوس لا الاتباع، فالصفقات السياسية توزع على جميع هذه السلطات ومن يخسر البرلمان او الحكومة او الوزارة تلك يتم تعويضه بمجالس المحافظات او المحافظة تلك وما شابه وهذا ما شوّه كل العملية السياسية وليس فقط مجالس المحافظات ودورها.

شكل الدولة الفعلي

وليد سلام جميل، كاتب ومدون:

هناك تحسن بسيط مقارنة بالسابق وليس بما نطمح أو يجب أن يكون، لكن الإشكالية ليست في مجالس المحافظات كجزء من كيان الدولة، إنما المشكلة تتمثل بفقدان شكل الدولة الفعلي في العراق.

كما أن الآليات المطلوبة تبدأ من الدولة ككيان متكامل، بدء بتعديلات دستورية بخصوص الموضوع وإنتهاء بتفعيل المجالس البلدية بشكل صحيح، والأخيرة، وهي المجالس البلدية، تمثل ركيزة مهمة في الدولة، لأنها ستعكس أداء الأحزاب على المستوى الصغير من خلال ممثليها، ثم تنطلق لتؤثر على خيارات الناس في انتخاب الأحزاب السياسية بناء على هذه التجربة الصغيرة.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق