عادت إلى كردستان العراق يوم الأحد جثث ما لا يقل عن 16 مهاجرا من أكراد العراق كانوا قد غرقوا في نوفمبر تشرين الثاني عندما فرغ هواء قاربهم المطاطي عندما حاولوا عبور القنال الانجليزي به.

كانت الكارثة التي وقعت في 24 نوفمبر تشرين الثاني وراح ضحيتها 27 مهاجرا أسوأ كارثة تحل بمهاجرين يحاولون عبور القنال إلى بريطانيا قادمين من فرنسا.

وهبطت الطائرة التي تقل الجثامين في مطار أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي في ساعة مبكرة يوم الأحد. ونقلت سيارات إسعاف النعوش إلى قرى الغارقين وبلداتهم. بحسب رويترز.

وقالت شكرية بكير التي كان ابنها أحد الغارقين "آخر مرة سمعت صوت ابني عندما ركب المركب. قال ’لا تقلقي يا أمي، سأصل إلى انجلترا قريبا’. والآن رجع لي في نعش".

وخلال السنوات العشر الأخيرة تسلل مئات الآلاف إلى دول غرب أوروبا الغنية بمساعدة مهربين للفرار من الصراعات ومن الاضطهاد والفقر في رحلات طويلة من العراق وسوريا وأفغانستان واليمن والسودان وغيرها.

ولم يعد العراق في حالة حرب منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في 2017 غير أن كثيرين لا يرون أملا في الحياة الكريمة بالبلاد لنقص الفرص والخدمات الأساسية وكذلك بسبب النظام السياسي الذي يعتبره أغلب العراقيين فاسدا وقائما على المحاباة.

ووصلت الطائرة تقلّ الجثامين الستة عشر فجراً إلى مطار أربيل، عاصمة الإقليم ذي الحكم الذاتي، وسط حالة من الصمت والحزن والغضب التي خيّمت على ذويهم فيما انتظروا استقبال أحبابهم محمّلين في توابيت خشبية.

داخل المطار، تجمع عشرات الرجال والنساء والأطفال يواسي بعضهم بعضًا. النساء المتشحات بالأسود ذرفن الدموع، وإحداهن حملت صورة شاب في مقتبل العمر، كما شاهد مصور في فرانس برس.

وضمّ عجوز بلحية بيضاء عصاه إلى صدره فيما رفع على هاتفه صورة ابنه البالغ من العمر 24 عاماً فقط.

قضى 27 شخصاً على الأقلّ في الحادث المأساوي الذي وقع في 24 تشرين الثاني/نوفمبر ويعد الأكثر دموية في بحر المانش الذي يتدفق اليه المهاجرون في محاولة للوصول الى أراضي المملكة المتحدة على متن قوارب غير آمنة.

وضعت التوابيت الخشبية في سيارات الاسعاف، وغادرت المطار لتقلّ الضحايا إلى القرى والمدن التي يتحدرون منها، إلى داربنديخان ورانية وايضا سوران او قادراوا، حيث التقت فرانس برس في تشرين الثاني/نوفمبر بعائلات الضحايا التي كانت تنتظر بحرقة وصول أنباء عن ابن أو قريب كان على متن القارب.

فيما ألصقت وجهها بسيارة الإسعاف، أجهشت امرأة بالبكاء. جلس شابان داخل إحدى سيارات الإسعاف، وأمارات الحزن تغمر وجهيهما، فيما ضمّ أحدهما التابوت الخشبي في وداع أخير.

بطالة وغياب فرص العمل

على بعد نحو 100 كلم من المطار، انتظر أهالي بلدة رانية وصول الجثامين الثلاثة للضحايا الذين سقطوا من أبنائها في المأساة. وبعد غسل الجثامين وقراءة الفاتحة عليها في المسجد، توجه الرجال إلى مقبرة البلدة في أجواء من الألم، لدفن الضحايا.

وعلى الرغم من حالة الصمت السائدة، لم يتمكّن كثر من رد دموعهم، عندما رفعت الأكفان على الأكفّ. وتجمّع المئات حول الحفرة التي رقدت الجثامين قبل أن توارى الثرى.

يروي شمال علي البالغ من العمر 36 عاماً معاناة شقيقه شاكار البالغ من العمر 30 عاماً الذي غادر بيته قبل شهرين. من تركيا ثم اليونان وإيطاليا، وصل أخيراً إلى فرنسا.

ويقول الشاب الذي يعمل مدرساً "حاول العبور إلى بريطانيا سبع مرات مع أصدقاء له، لكنه فشل".

ويروي التفاصيل الأخيرة لحياة شقيقه قائلاً "كان آخر اتصال منهم عند الساعة 2,42 بتوقيت غرينتش، ليقولوا لنا إنهم عبروا المياه الإقليمية الفرنسية ووصلوا إلى المياه البريطانية".

كان شاكار خريج الجيولوجيا يبحث عن عمل منذ 3 سنوات، دون جدوى. ويقول شقيقه "كان عاطلاً عن العمل حتى لحظة مغادرته". ويضيف أن أخاه غادر بسبب "عدم وجود فرص عمل ... هذه الأسباب نفسها هي خلف هجرة آلاف الشباب الآخرين ... وهذه الأسباب أدت إلى فقدان مئات العائلات أبناءها".

يتذكّر الشقيق الأصغر راميار البالغ من العمر 20 عاماً، المحادثة الأخيرة مع شاكار. ويروي "قال لنا: بدأنا بالعبور. إذا اتصلنا يعني أن خفر السواحل أمسكوا بنا، وما لم نتصل، يعني أننا وصلنا".

كان مقرراً إعادة الجثامين الجمعة، لكن العملية أرجئت مرتين. وانتظر السبت قبيل الفجر أٌقرباء الضحايا لساعات في المطار قبل أن يبلغوا في اللحظة الأخيرة أن الطائرة لن تحط.

عروسة البحر

جرى التعرف على هويات 26 من الضحايا في فرنسا، من بينهم 17 رجلاً و7 نساء تراوح أعمارهم بين 19 إلى 46 عاماً، وطفل يبلغ من العمر 7 سنوات.

ومن بين الضحايا أيضاً كردي إيراني و3 أثيوبيين وصومالي و4 أفغان ومصري.

غادر المهاجرون "في نهاية الليل" من لون بلاج قرب غراند سينث، حيث يخيم العديد من المهاجرين على الساحل الشمالي لفرنسا، على متن قارب مطاطي قابل للنفخ، ليعبروا إلى السواحل الإنكليزية.

لم ينجُ من الغرق سوى كردي عراقي وسوداني، وفق وزارة الداخلية الفرنسية. وبحسب أحدهما، أحصى المهربون 33 شخصاً على متن القارب.

وتثار تساؤلات حول النداءات التي يفترض أن المهاجرين قد أطلقوها للسلطات الفرنسية والبريطانية حينما بدأ مركبهم بالغرق كما أفاد أحد الناجيَين.

لكن الشرطة البحرية الفرنسية قالت إنه في حال الاتصال بها، لا يمكنها عدم التدخل.

رفعت على إحدى سيارات الإسعاف صورة الشابة مريم نوري حمه أمين المعروفة باسم "باران" والبالغة من العمر نحو 20 عاماً، وكتبت إلى جانبها عبارة "عروسة البحر" باللغة الكردية، فيما تحرّكت من مطار أربيل لنقلها إلى سوران.

أرادت الشابة اللحاق بخطيبها كرزان المقيم في بريطانيا بحثاً عن حياة أفضل كما روى والدها لفرانس برس.

على الرغم من كل تلك المآسي، ما زالت الحوادث المماثلة تتكرر. فقد وقعت هذا الأسبوع ثلاثة حوادث غرق قبالة الجزر اليونانية، ما أدى إلى مصرع 30 شخصاً على الأقل، من بينهم سوريون ومصريون وعراقيون.

مأساة مرعبة

يقول المحققون إن المعروف حتى الآن هو أن جزءا كبيرا من الضحايا هم أكراد عراقيون.

في مقابلات أجرتها قناة "روداو" الكردية العراقية، تحدث الناجيان من الحادث وهما كردي وصومالي، عن وجود إثيوبيين وإيرانيين ومصريين وفيتناميين على متن القارب. كما اتصلت عائلات أفغانية بالسلطات الفرنسية بحثا عن أقاربها.

وبحسب التحقيق، غادر المهاجرون "في نهاية الليل" من لون بلاج قرب غراند سينث، حيث يخيم العديد من المهاجرين على الساحل الشمالي لفرنسا.

واستعملوا قاربا مطاطا قابلا للنفخ متوسط المستوى له أرضية مرنة، مخصصا لعملية عبور واحدة. وبحسب تصريحات الناجي الكردي الذي أكدت المحافظة البحرية الفرنسية أنه ناجٍ بالفعل، كان مهاجر مصري أكبر سنا منه يتولى قيادة القارب.

استقل القارب ما لا يقل عن 19 رجلا وسبع نساء وشابان صغيران وطفل، معظمهم كان يضع سترات نجاة برتقالية. وقال الناجي الكردي إن المهربين أحصوا 33 راكبا.

ظروف الملاحة جيدة في هذا الوقت من الموسم. وبسبب التيارات، يستغرق الوصول إلى السواحل الإنكليزية ما معدله عشر ساعات.

كان القارب في منتصف "القناة" عندما بدأت المياه تتسرب إليه، ثم أخذ في الانكماش، بحسب رواية الناجي الكردي.

حاول ركاب نفخه بمضخة هواء، بينما عمل آخرون على إفراغ المياه وطلب المساعدة من السلطات البريطانية والفرنسية عبر الهاتف.

وأكد الناجي العراقي محمد إبراهيم زادة (21 عاما) أن "الشرطة البريطانية لم تساعدنا وقالت الشرطة الفرنسية أنت في المياه البريطانية، لا يمكننا القدوم"، وفق ما نقل عنه موقع "روداو" بالعربية. لكن المحافظة البحرية الفرنسية قالت إنه في حال الاتصال بها، لا يمكنها عدم التدخل.

ومن بين الركاب مريم نوري حمه أمين، وهي كردية عراقية في العشرينيات من عمرها. وقد اتصلت بخطيبها كرزان الذي كانت تأمل الانضمام إليه في المملكة المتحدة.

غرق القارب، وتشبث به المهاجرون إلى أن اضطروا لتركه.

على سفينة "سان جاك2"، وهي سفينة صيد من ميناء بولوني سور مير الفرنسي، كان كارل ماكوينغن في غرفة القيادة قرابة الساعة الثانية بعد الظهر. السماء غائمة والبحر هادئ ورمادي وبارد.

رأى فجأة كتلة عائمة: رجل يرتدي قميصا ورأسه في الماء "مر قرب القارب بمترين أو أقل"، وفق الصياد.

وظهرت نحو 15 جثة أخرى تطفو حوله، في دائرة نصف قطرها حوالى 100 متر. في مؤخر القارب رأى الصيادون "جثة طفل تمر" في ما يشبه "فيلم رعب"، وفق عبارات كارل ماكوينغن الذي يمارس المهنة منذ 21 عاما.

تعذّر انتشال الجثث، فسفينة الصيد مرتفعة للغاية، فأعلم الطاقم خفر السواحل الفرنسيين بالموقع.

تم على عجل إرسال سفينة الدورية البحرية الفرنسية "فلامان" التي كانت على بعد أربعة كيلومترات. وأنزلت بدورها قاربا بطول ثمانية أمتار على متنه أربعة رجال بينهم غواص، ثم أرسل غواص ثان.

أعطيت الأولوية للأشخاص الذين كانت رؤوسهم فوق الماء. في هذه الدقائق الأولى أنقذ اثنان من المهاجرين، وقالت المحافظة البحرية إن الكردي العراقي كان "شديد البرودة ولكنه واع" والصومالي كانت "مؤشراته الحيوية ضعيفة للغاية". حددت مروحيتان فرنسية وبريطانية مكان الضحايا عبر قنابل دخان.

نقل المهاجرون إلى السفينة الأم، حيث تم استدعاء فريق طبي. أجري إنعاش قلبي للمهاجرين الذين لا يزالون يتنفسون، لكن الأمر لم ينجح.

بالإضافة إلى الناجيين، أعيدت 19 جثة، إحداها لفتاة. وضعت الجثث على السطح الخلفي، في أكياس جثث أو تحت ملاءات. وقد استمر التدخل أقل من ساعتين.

بدورها، أرسلت الجمعية الوطنية للإنقاذ البحري سفينتها "نوتردام دو ريسبان" من كاليه، ومرت بجوار القارب المنكمش. وقال القبطان تشارل ديفو إن "الهواء القليل المتبقي ساعدها على الطفو". استعادت سفينة الجمعية ستّ جثث لأربعة رجال وشاب وامرأة حامل.

عدد المهاجرين الوافدين عبر المانش ازداد ثلاث مرات

تحت سماء ملبدّة بالغيوم في أحد أيّام أيار/مايو، خطا أراش خطواته الأولى على الأراضي البريطانية، وهو من بين نحو 27 ألف مهاجر خاضوا من فرنسا رحلة عبور المانش المحفوفة بالمخاطر وقد ارتفع عددهم ثلاث مرات مقارنة بسنة 2020.

طوال خمس ساعات، واجه الزورق المطاطي الذي كان فيه هذا الشاب الإيراني البالغ 28 عاما أمواجا قويّة تقاذفته وسفن شحن ضخمة في أحد المسالك البحرية الأكثر حركة في العالم، قبل أن تعترضه قوّات خفر السواحل البريطانية.

وبات أراش يطلب اللجوء في بريطانيا، مثل أغلبية المهاجرين بلا أوراق رسمية الذين وصلوا إلى البلد منذ مطلع العام.

وقد زاد عددهم ثلاث مرات مقارنة بالعام 2020 عندما أحصي عدد الوافدين بواسطة مراكب بائسة بحوالى 8400. وتتّسع هذه الظاهرة منذ 2018، إثر تشديد عمليات التدقيق في مرفأ كاليه والنفق عبر المانش اللذين كان المهاجرون يستخدمونهما للعبور، مختبئين في سيارات للشحن.

وقد لقي 36 مهاجرا حتفه هذه السنة في رحلة عبور المانش، من بينهم 27 في حادثة غرق هزّت مشاعر العالم في تشرين الثاني/نوفمبر.

لكن بالنسبة إلى أراش الذي يفضّل عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، يستحقّ الأمر عناء التجربة. وهو يقول لوكالة فرانس برس "عندما يضمحلّ الأمل في بلدكم وتكون حياتكم في خطر، تجربّون حظّكم وتقدمون على المجازفة".

وقد غادر طالب الهندسة هذا سابقا بلده في 2018 ووصل إلى شمال فرنسا عبر صربيا واليونان وألمانيا. وهو دفع آلاف اليوروهات لمهرّبين واستخدم جوازات سفر مزيّفة في رحلته تلك.

ودفع 2500 يورو ليصل إلى بريطانيا على متن زورق مكتظّ فيه 27 شخصا آخر، بينهم طفلان. وكان السواد الأعظم منهم من إيريتريا وإيران وأفغانستان.

يقول أراش الذي ركب الزورق وتخالجه "مشاعر من الخوف والأمل" إن القارب "كان مثقلا بالركاب من دون أيّ شكّ".

وتشكّل رحلات عبور المانش إلى بريطانيا معضلة سياسية بالنسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ووزيرته للداخلية بريتي باتيل.

وكانت حملة بريكست في 2016 التي وصل بوريس جونسون بفضلها إلى سدّة رئاسة الوزراء تعد البريطانيين بـ "استعادة السيطرة" على حدودهم. لكن عدد طالبي اللجوء المرحلّين إلى الاتحاد الأوروبي تراجع، بعد استبعاد لندن من اتفاقات الإعادة المبرمة بين الدول الأعضاء.

كما فاقم الوصول الكثيف للمهاجرين العلاقات المتوتّرة مع فرنسا التي تتّهمها الحكومة البريطانية بعدم بذل ما يكفي من الجهود لمنع انطلاق الرحلات من أراضيها، بالرغم من الأموال المرسلة لهذا الغرض.

وهو "هدر كبير للأموال"، على حدّ قول المدير العام لمنظمة "ريفودجي أكشن" تيم ناور هيلتون الذي يلوم الحكومة على "سنوات من سوء الإدارة" ونظام "لا يرقى إلى المستوى المطلوب".

ويشير هيلتون إلى أن "وزارة الداخلية تأخذ وقتا أطول من السابق للبتّ في طلبات" اللجوء وأن "هذا التأخير غير المقبول يؤدي إلى بقاء اللاجئين لفترة أطول ضمن نظام اللجوء ويصعّب إيجاد مساكن لهم".

مشروع قانون مثير للجدل

وينظر البرلمان في مشروع قانون مثير للجدل قدّمته الحكومة لتشديد التدابير المتّخذة بحقّ المهرّبين والمهاجرين على حدّ سواء.

وفي حال اعتماده، سيرحّل طالبو اللجوء الذين يصلون إلى البلد بلا أوراق رسمية، مثل حال أراش، إلى "بلدان آمنة" عبروا فيها مسبقا.

وتندّد جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان بقساوة هذا النصّ التشريعي، غير أن الحكومة ترى أنه يرسي أسس "نظام هجرة منصف لكن صارم ويحمي الأكثر هشاشة ويقمع الهجرة غير القانونية والمجموعات الإجرامية التي تيسّر توافد المهاجرين".

وكان أراش ينتظر "معاملة أفضل" في بريطانيا. وهو يقبع راهنا في فندق في محيط مطار هيثرو في لندن ريثما يتمّ البتّ في طلبه.

وازداد عدد طالبي اللجوء ازديادا شديدا خلال السنتين الماضيتين، مع ارتفاع الطلبات من 2738 في كانون الأول/ديسمبر 2019 إلى 16794 في أيلول/سبتمبر 2021. وتدهورت الظروف التي يعيشها أصحاب الطلبات وهم ينتظرون الردّ النهائي، لدرجة بات أراش يتساءل عمّا يفعله "في هذا المكان الذي يشبه السجن إلى حدّ ما".

اضف تعليق