قُتل ستة أشخاص على الأقل بالرصاص في بيروت يوم الخميس في مظاهرات مرتبطة بالتحقيق في انفجار مرفأ بيروت الكارثي العام الماضي في أسوأ عنف أهلي بالمدينة منذ سنوات.

وتزيد الأحداث الدامية الأخيرة من آلام دولة تعاني من أسوأ انهيار اقتصادي في العالم إلى الآن.

اندلع إطلاق النار يوم الخميس عندما توجه محتجون إلى مظاهرة دعت إليها جماعة حزب الله وحليفتها حركة أمل للمطالبة بعزل القاضي الذي يحقق في انفجار المرفأ.

وتتزايد التوترات السياسية بسبب التحقيق في الانفجار الذي تسبب في مقتل أكثر من 200 شخص ودمر أجزاء كبيرة من العاصمة.

وحاول القاضي استجواب عدد من كبار السياسيين والمسؤولين الأمنيين الذين يشتبه بأنهم أهملوا في أداء واجباتهم مما تسبب في الانفجار الذي نتج عن كمية ضخمة من نيترات الأمونيوم. ونفوا جميعا ارتكاب أي أخطاء.

وترجع الأزمة التي تسبب فيها التحقيق إلى واحدة من مشكلات لبنان الأساسية وهي السياسات الطائفية التي قسمت لبنان وتسببت في الصراع الأهلي فيه منذ الاستقلال. ويقف الشيعة والمسيحيون في جانبين متقابلين على خط المواجهة.

بعض أبرز المشتبه بهم المطلوب استجوابهم حلفاء من الشيعة لجماعة حزب الله المدججة بالسلاح والمدعومة من إيران. بحسب رويترز.

وأصدر قاضي التحقيق طارق بيطار أمرا بتوقيف أحدهم هذا الأسبوع وهو علي حسن خليل وزير المالية السابق واليد اليمني للسياسي الشيعي رئيس مجلس النواب نبيه بري والحليف الوثيق لجماعة حزب الله.

وأراد بيطار أيضا استجواب مسؤولين من غير الشيعة. ومن بين هؤلاء المسؤولين رئيس الوزراء السابق حسان دياب وهو سني، وضابط مسيحي كبير، وسياسي مسيحي بارز هو يوسف فينيانوس وهو حليف لحزب الله.

في حين أن التحقيق يمثل ضربة قوية للشيعة فقد قوبل بتأييد واسع من المسيحيين حتى من حليف حزب الله الرئيس ميشال عون. وتسبب ذلك في انقسام بين حزب عون وجماعة حزب الله.

الموضوع حساس بالنسبة للأحزاب المسيحية لأسباب من بينها أن أغلب أضرار الانفجار وقعت في الأحياء التي يغلب عليها المسيحيون على الرغم من أن الانفجار أودي بحياة كثير من المسلمين.

وتأتي الأحداث الدامية الأخيرة في لبنان على خلفية أحد أشد حالات الكساد الاقتصادي في العالم، والتي نجمت عن انهيار نظامه المالي عام 2019.

هذا الانهيار، الذي ألقى بنحو ثلاثة أرباع اللبنانيين إلى هاوية الفقر وأطاح بنحو 90 بالمئة من قيمة العملة، نجم عن عقود من سوء الادارة المالية والفساد من جانب النخبة الطائفية.

وتعهدت الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي بإحياء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتأمين الحصول على حزمة انقاذ.

لكن يتعين على لبنان الاتفاق أولا على حجم الخسائر الفادحة التي مني بها النظام المالي وكيفية تقاسمها، وهو الأمر الذي فشلت في القيام به الحكومة والبنوك والمصرف المركزي العام الماضي.

في الوقت نفسه يدفع الانهيار في لبنان بمزيد من اللبنانيين إلى الهجرة في تجريف للعقول على مستوى كل الطوائف، الأمر الذي يقول اقتصاديون إنه سيؤخر لبنان لسنوات.

وتزيد المصالح الخارجية من تعقيدات شبكة التجاذبات الطائفية في لبنان.

على مدى سنوات كان ميزان القوى في لبنان يميل لصالح حزب الله وحلفائه على حساب الفصائل التي ربطت نفسها بحكومات غربية ودول الخليج العربية التي يقودها السنة والتي تخلت إلى حد كبير عن حلفائها اللبنانيين.

وهذا الأسبوع نددت واشنطن التي تصنف حزب الله جماعة إرهابية بما وصفته بإقدام الجماعة على ترهيب القضاء. وساندت فرنسا أيضا التحقيق قائلة إنه لا بد أن يتم بشكل مستقل وغير منحاز.

وبينما نأت السعودية بنفسها عن حليفها اللبناني السني القديم سعد الحريري، أصبح لها علاقة جيدة مع سمير جعجع زعيم حزب القوات اللبنانية.

عودة الى سنوات الحرب الأهلية

وقد شيع حزب الله وحليفته حركة أمل الجمعة سبعة قتلى، غالبيتهم من عناصرهما، سقطوا خلال اشتباكات عنيفة ذكرت بسنوات الحرب الأهلية وأتت على وقع توتر سياسي مرتبط بمسار التحقيق في انفجار مرفأ بيروت.

وأسفرت الاشتباكات التي لم تتضح ملابساتها حتى الآن عن مقتل سبعة أشخاص، هم ثلاثة عناصر من حزب الله توفي أحدهم الجمعة متأثراً بإصابته، وثلاثة عناصر من حركة أمل، بالإضافة إلى امرأة أصيبت بطلق ناري في رأسها أثناء تواجدها في منزلها. وأصيب كذلك 32 شخصاً آخرين بجروح. بحسب فرانس برس.

ويسيطر منذ مساء الخميس هدوء على منطقة الاشتباكات وسط انتشار كثيف للجيش اللبناني، ونصبه حواجز تفتيش للسيارات والآليات العابرة. وانهمك سكان بتفقد الأضرار التي طالت ممتلكاتهم، فيما عمل آخرون على إزالة الزجاج المتناثر في الشارع.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، شيع المئات عنصرين من حزب الله، القوة العسكرية والسياسية الأبرز في البلاد، بالإضافة إلى المرأة. ولفت الجثامين براية حزب الله الصفراء اللون، وأحاط بها عناصر من الحزب بلباس عسكري.

وشيعت حركة أمل ثلاثة من عناصرها في مناطق مختلفة. وفي قرية النيميرية جنوباً، أطلق مشيعون النار في الهواء فيما نثرت النساء الورود فوق جثمان قتيل لم يتجاوز 26 عاماً.

والخميس تحولت مستديرة الطيّونة، على بعد عشرات الأمتار من قصر العدل، حيث مكتب المحقق العدلي طارق بيطار المكلف التحقيق في انفجار المرفأ، الى ساحة حرب شهدت اطلاق رصاص كثيف وقذائف ثقيلة وانتشار قناصة على أسطح ابنية، رغم تواجد وحدات الجيش وتنفيذها انتشارا سريعاً في المنطقة، التي تعد من خطوط التماس السابقة خلال الحرب الأهلية (1975-1990).

حين بدأت الاشتباكات، هرعت جومانا زباني (45 عاماً) إلى الشارع لتأتي بطفلتيها (8 و6 سنوات) من المدرسة. وقالت "الطلقات كانت قريبة جداً، اختبأنا خلف السيارات وفي مداخل الأبنية حتى وصلنا إلى المنزل".

وأضافت لوكالة فرانس برس "حين وصلنا إلى المنزل، قالت لي ابنتي: ماما، قلت لي أن ذلك لن يحدث مجدداً" إذ إن ابنتها تلقت لعام كامل علاجاً نفسياً بعد صدمة انفجار مرفأ بيروت المروع في الرابع من آب/أغسطس 2020. وتابعت جومانا "هذا أيضاً ما كان يحصل أسبوعياً خلال 15 عاماً في الحرب الأهلية".

وبعد انتهاء الاشتباكات، أعلن الجيش أنه "أثناء توجّه عدد من المحتجين إلى منطقة العدلية للاعتصام، حصل اشكال وتبادل لإطلاق النار في منطقة الطيّونة- بدارو"، بعدما كان أعلن في وقت سابق عن تعرض محتجين لرشقات نارية أثناء توجههم إلى قصر العدل.

وأعلن وزير الداخلية بسام مولوي بدوره أن "الإشكال بدأ باطلاق النار من خلال القنص"، الذي طبع مرحلة الحرب الأهلية خصوصاً خطوط التماس.

واتهم حزب الله وحركة أمل "مجموعات من حزب القوات اللبنانية"، أبرز الأحزاب المسيحية التي شاركت في الحرب الأهلية ويعد اليوم معارضاً شرساً لحزب الله، بـ"الاعتداء المسلح" على مناصريهما.

وخلال التشييع، قال رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله هاشم صفي الدين إن "كل هذا القتل وكل هذه المجزرة الذي قام به هو حزب القوات اللبنانية"، متهماً إياه بالسعي لـ"إحداث حرب أهلية".

واعتبر حزب القوات اتهامه "مرفوضاً جملة وتفصيلاً"، متهماً حزب الله بـ"اجتياح" المنطقة و"الدخول إلى الأحياء الآمنة". وقال رئيسه سمير جعجع، الذي دائماً ما يطالب بنزع سلاح حزب الله، إن "السبب الرئيسي لهذه الأحداث هو السلاح المتفلِّت والمنتشر".

ومنذ ادعائه على رئيس الحكومة السابق حسان دياب ونواب ووزراء سابقين، بينهم نائبان عن حركة أمل، ومسؤولون أمنيون، يخشى كثيرون أن تؤدي الضغوط السياسية إلى عزل بيطار على غرار سلفه فادي صوان الذي نُحي في شباط/فبراير بعد ادعائه على مسؤولين سياسيين.

وتنتقد قوى سياسية عدة مسار التحقيق العدلي، لكن حزب الله وحليفته حركة أمل يشكلان رأس حربة هذا الموقف الرافض لعمل المحقق العدلي في قضية انفجار عزته السلطات الى تخزين كميات كبيرة من نيترات الأمونيوم بلا تدابير وقاية. وتبين أن مسؤولين على مستويات عدة كانوا على دراية بمخاطر تخزينها.

واندلع خلاف داخل الحكومة الثلاثاء مع إصرار نواب حركة أمل وحزب الله على تغيير المحقق العدلي مهددين باللجوء إلى الشارع، وجاء ذلك بعد إصداره مذكرة توقيف غيابية في حق وزير المال السابق والنائب الحالي عن حركة أمل علي حسن خليل.

ويرفض الحزبان أن تعقد الحكومة أي جلسة ما لم تكن مخصصة للبحث في الموقف من المحقق العدلي في الانفجار الذي أودى بنحو 215 شخصاً وإصابة 6500 آخرين.

وقال نائب رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش الجمعة إن "المسار الذي بدأناه لتنحية المحقق العدلي (...) سيتواصل ولن نتراجع".

وتُعد هذه أول أزمة سياسية تواجهها حكومة نجيب ميقاتي منذ تشكيلها في 10 أيلول/سبتمبر في وقت يفترض أن تنكب على إيجاد حلول للانهيار الاقتصادي المستمر في البلاد منذ أكثر من عامين. ويقع على عاتقها استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والتحضير للانتخابات النيابية المزمع اجراؤها في أيار/مايو.

ومن واشنطن، اعتبر وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان الجمعة أن "أحداث اليومين الماضيين تظهر لنا أن لبنان بحاجة إلى تغيير حقيقي وجاد".

وأضاف الوزير أن لبنان بحاجة إلى "معالجة المشاكل البنيوية الاقتصادية وأيضا السياسية" بدل الاعتماد على "الحلول القصيرة المدى".

واكد أن "المسؤولية عن ذلك تقع مباشرة على كاهل القيادة اللبنانية".

ومع اعلان الحكومة الجمعة يوم حداد رسمي قبل عطلة نهاية الأسبوع التي يعقبها الاثنين إغلاق لمناسبة عيد المولد النبوي الشريف، لن يكون بمقدور بيطار تحديد مواعيد لاستجواب المسؤولين قبل الثلاثاء.

وعلق وليم نون الذي خسر شقيقه في انفجار المرفأ ان على عائلات الضحايا "توحيد صفوفهم (...) لان كل ما حصل هو محاولة لتقسيمنا والقضاء على قضيتنا".

وبالإضافة إلى ذكريات الحرب الأهلية، أعادت اشتباكات الخميس إلى الأذهان ما حصل في أيار/مايو 2008 حين تطورت أزمة سياسية في لبنان الى معارك في الشارع بين حزب الله والأكثرية النيابية في ذلك الحين بزعامة رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري. وسيطر خلالها الحزب لأيام عدة على القسم الأكبر من الشطر الغربي لبيروت. وتوصلت الأطراف السياسية لاحقاً إلى تسوية خلال مؤتمر في الدوحة.

حزب الله لن ينجر إلى حرب أهلية

من جهتها قالت جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية يوم الجمعة إنها لن تنجر إلى حرب أهلية حتى مع كيل الاتهامات لحزب القوات اللبنانية المسيحي الذي تقول إنه قتل سبعة شيعة في أدمى أعمال عنف تشهدها بيروت منذ سنوات.

وعزز العنف، الذي اندلع عند خط التماس بين حدود الأحياء المسيحية والشيعية في بيروت، مخاوف من انعدام الاستقرار في بلد تكثر فيه الأسلحة ويعاني من أحد أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم. بحسب رويترز.

وندد حزب القوات اللبنانية يوم الخميس بأعمال العنف التي ألقى بمسؤوليتها على ما وصفه بالتحريض من جانب حزب الله ضد المحقق بيطار.

وسُمع دوي إطلاق نار في أنحاء بيروت خلال جنازات يوم الجمعة.

وفي حديثه خلال جنازة أعضاء حزب الله الذين قتلوا يوم الخميس، اتهم القيادي البارز في حزب الله هاشم صفي الدين حزب القوات اللبنانية، الذي كان له ميليشيا قوية في الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، بمحاولة إشعال فتيل حرب أهلية.

وقال "لأنهم يعرفون أننا لا نريد فتنة داخلية هم يتجرأون".

وأضاف "لن ننجر إلى حرب أهلية جديدة في لبنان، لكن بنفس الوقت لن نترك دماء شهدائنا تذهب هدرا".

وكانت النعوش ملفوفة بأعلام حزب الله الصفراء ويحيط بها رجال يرتدون زيا عسكريا خلال الجنازة في الضاحية الجنوبية في بيروت.

واتهم صفي الدين القوات اللبنانية بتلقي أوامر من الولايات المتحدة التي تصنف حزب الله على أنه جماعة إرهابية، وبتمويلها من "بعض العرب"، في إشارة على ما يبدو إلى السعودية.

وعبرت فكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الأمريكي، خلال زيارة لبيروت أمس، عن تعازيها في "الخسائر المأساوية في الأرواح" ودعت إلى الهدوء ووقف التصعيد.

وقالت السعودية، التي تعتبر حزب الله أيضا منظمة إرهابية، إنها تأمل في استقرار الوضع في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع رويترز ألمح رئيس الوزراء السني نجيب ميقاتي إلى قلق بشأن بيطار قائلا إن "خللا دستوريا" ربما وقع، في رأي يتفق مع وجهة نظر ترى أنه تجاوز صلاحياته بملاحقة مسؤولين كبار.

ويشعر أقارب الضحايا وكثير من اللبنانيين بالغضب، ويخشون أن يوثر سياسيون في الحكم على سير التحقيق في واحد من أقوى التفجيرات غير النووية على الإطلاق.

وقالت لينا الخطيب، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شاتام هاوس، "المؤسسة الحاكمة في لبنان ستستغل عدم الاستقرار الذي حدث أمس لتُصور أن ضرر التحقيق أكبر من نفعه".

وتابعت "الإفلات من العقاب الذي تتمتع به الطبقة الحاكمة سيدفع تحقيق المرفأ لمواجهة نفس المصير الذي واجهته المحاولات السابقة لمحاسبة من هم في السلطة عن تجاوزات جسيمة.. تأخير إلى أجل غير مسمى وأمل ضعيف في الخروج بنتائج ملموسة".

وأصابت أزمة التحقيق الحكومة بالشلل في وقت تسعى فيه لانتشال البلاد من الانهيار المالي، كما تجازف بتعقيد العلاقات مع الحكومات الغربية التي تأمل بيروت في الحصول على مساعدات منها.

وتريد الولايات المتحدة وفرنسا تحقيقا يتسم بالشفافية.

وقال مصدر قضائي لرويترز إن بيطار لا ينوي الاستقالة حتى مع سعي خصومه لتحميله مسؤولية إراقة الدماء. ونفى جميع من سعى بيطار لاستجوابهم ارتكاب أي مخالفات.

مشاهد أنعشت ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية

طلقات نارية تخترق واجهات الأبنية، قناصة يطلقون الرصاص عشوائياً، قتلى وجرحى يسقطون تباعاً وسكان محاصرون داخل منازلهم.. عينة من مشاهد هزت اللبنانيين عند إحدى خطوط التماس القديمة الخميس معيدة للأذهان ذكريات الحرب الأهلية الأليمة.

صباح الخميس، وبالتزامن مع تظاهرة لمناصري حزب الله وحركة أمل أمام قصر العدل في بيروت، اندلعت اشتباكات عنيفة لم تتضح ملابساتها حتى الآن عند منطقة الطيونة القريبة، أودت بحياة ستة أشخاص وأصابت 30 آخرين بجروح. بحسب فرانس برس.

في هذه المنطقة تحديداً اندلعت شرارة الحرب الأهلية (1975-1990)، ومنها يمر طريق رئيسي يفصل بين أحياء ذات غالبية مسيحية وأخرى ذات غالبية شيعية، تحول إلى خط تماس خلال سنوات الحرب.

عند مستديرة الطيونة التي تحيط بها أبنية عدّة ما زال بعضها مهجوراً منذ سنوات الحرب، وجد السكان أنفسهم رهائن رصاص أطلقه قناصة ومسلحون ودوي قذائف صاروخية. ووجه كثر نداءات استغاثة عبر وسائل الاعلام لمساعدتهم على إخلاء منازلهم. وهلع أهال الى مدارس أطفالهم في المنطقة.

وبدت المنطقة أشبه بساحة حرب، رغم تواجد وحدات الجيش وتنفيذها انتشاراً سريعاً في المنطقة.

أنعشت المشاهد ذكريات الحرب الأهلية لدى سحر (41 عاماً).

وتقول لوكالة فرانس برس "منذ الصباح، أتلقى رسائل من أصدقائي ممن عايشوا معي زمن الحرب نتحسر فيها على جيل جديد يعيش اليوم تجربتنا ذاتها.. من الاختباء في أروقة المدرسة أو زوايا الغرف أو في الحمامات، كانت مشاهد أسبوعية اعتدنا عليها".

وتضيف "ما جرى مرعب وأيقظ الماضي والحاضر والمستقبل.. كأننا عالقون في آلة زمن، إذ أن الأشخاص ذاتهم هم وجوه الحرب والسلم، حكامنا اليوم ومن يطبخ مستقبلنا غداً".

تذكرت كل شيء

انتهت سنوات الحرب في البلاد بعد توقيع اتفاق الطائف العام 1989، وجولة عنف أخيرة انتهت في 1990. وخلّفت الحرب اللبنانية أكثر من 150 ألف قتيل و17 ألف مفقود.

وتقاسمت القوى السياسية التي خاضتها، السلطة بعد الحرب وفشلت في بناء دولة مؤسسات وقانون، وتتحمل اليوم مسؤولية الانهيار الاقتصادي المستمر في البلاد منذ أكثر من عامين، وبات معه نحو 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر.

في شوارع مؤدية إلى مستديرة الطيونة، شاهد مصور لوكالة فرانس برس الخميس مسلحين، بعضهم مقنع، من حركة أمل وحزب الله يطلقون النيران باتجاه أبنية يتواجد فيها قناصة.

وفيما لم يكن الطرف الآخر واضحاً للعيان ولم يتسن لوكالة فرانس برس تحديد مطلقي النيران، وضع بعض مسلحو حزب الله وحركة أمل شارات تؤكد انتمائهم، فيما ارتدى الغالبية لباساً مدنياً.

واتهم الحزبان الشيعيان "مجموعات من حزب القوات اللبنانية"، أبرز الأحزاب المسيحية التي شاركت في الحرب الأهلية وتعد اليوم معارضاً شرساً لحزب الله، بـ"الاعتداء المسلح" على مناصريهما.

لم تتمالك مريم ضاهر (44 عاماً) دموعها عندما سمعت أصوات الرصاص وشاهدت على التلفاز رجلاً وامرأة يختبئان خلف سيارة في الطيونة.

وتقول ظاهر وهي أم لصبيين، "تذكرت كل شيء.. في اللحظة نفسها وصلتني رسالة من مدرسة ابني تطلب من الأهالي أن يأتوا لاصطحاب أطفالهم".

وتضيف "سألت نفسي في أي رواق يجلس سكان أبنية الطيونة اليوم، ثم استرسلت بالبكاء وتذكرت نفسي طفلة مختبئة في رواق المنزل".

وأعاد إطلاق الرصاص صور مسلحين الى ذاكرة مريم، اعتادوا الصعود الى سطح البناء حيث كانت تسكن مع أهلها، ليبدأ القنص "وتشتعل المنطقة".

وبدأت الاشتباكات الخميس، وفق وزير الداخلية بسام مولوي، "من خلال القنص" باتجاه الرؤوس.

وطبع رصاص القنص مرحلة الحرب الأهلية، التي أنهكت جيلاً كاملاً من اللبنانيين، خصوصاً سكان خطوط التماس والمناطق الساخنة.

تسأل مريم نفسها سؤالاً واحداً اليوم "كيف استطاع زعماء الحرب أن يسيطروا على جيل آخر اليوم؟"

وتضيف "فكرة اندلاع حرب جديدة مرعبة، لا أستطيع أن اعيش التجربة نفسها مجدداً. أريد المغادرة وحماية ولديّ".

وفي وقت اختبأ الناس في بيوتهم وشهدت شوارع بيروت ومداخلها حركة سير خفيفة، توالى مسؤولون على التحذير من "الفتنة".

وخلافا للحرب الأهلية التي بدأت بين أحزاب مسيحية وفصائل فلسطينية ساندتها قوى إسلامية ويسارية لبنانية، وما لبثت أن شاركت فيها قوى إقليمية أبرزها سوريا وإسرائيل، فإن اشتباكات الخميس تزامنت مع توتر إزاء الموقف من المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار.

وتعرض الأخير خلال الأيام الأخيرة لحملة ضغوط قادها حزب الله، القوة السياسية والعسكرية الأبرز في البلاد، اعتراضاً على استدعائه وزراء سابقين وأمنيين لاستجوابهم في إطار التحقيقات التي يتولاها، تخللها مطالبات بتنحيته.

ويقول الياس (48 عاماً)، الذي عايش الحرب الأهلية أيضاً وانقطع بسببها عن الدراسة لعامين، "الفرق أنه كان ثمة سياق وظروف للحرب أما ما جرى اليوم فلا يوجد ما يبرره".

ويضيف "انتهت الحرب ولم تجر محاسبة المرتكبين.. ما نشهده اليوم هو نتيجة للإفلات من العقاب ويؤكد أن صوت السلاح يعلو دائماً فوق كل ما عداه".

اضف تعليق