في الآونة الاخيرة زادت الشكوك حول علاقة تركيا الغامضة مع تنظيم داعش الارهابي، وذلك على خلفية تطور الاحداث الامنية في منطقة الشرق الاوسط وخاصة العراق وسوريا التي لها حدود تماس مع تركيا، وعلى الرغم من تمدد داعش الذي نشر العنف والدمار على نحو غير مسبوق لا تزال تركيا على موقفها بعدم المشاركة في المعارك ضد تنظيم داعش الارهابي في العراق وسوريا، خصوصا بعدما اعلن رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو في تصريحات نشرتها الصحف التركية ان تركيا لن تشارك في المعارك ضد تنظيم داعش في العراق، لكنها ستدعم ادارة هذا البلد في مكافحة الارهابيين.

ولهذا يرى الكثير من المحللين أنه لم يعد السؤال هل أنقرة تدعم داعش أم لا، فهذا بات محسوماً، ومنذ زمن طويل، لكن السؤال هو لماذا تدعم تركيا، بقيادة حزب العدالة والتنمية، هذا التنظيم الإرهابي الخطير والعنيف، ولعل من أهم الأسباب هو أن انهيار سياسة تركيا الخارجية، وفشلها في تحقيق أجنداتها وطموحاتها في سوريا ومن ثم في مصر والعراق وفي كل المنطقة، جعلها تلجأ الى شعار مكيافيلي الشهير "الغاية تبرر الوسيلة"، وأن تكون مستعدة للتعاون مع الشيطان من أجل التعويض عن الفشل، بدلا من أن تعترف بالهزيمة وتعيد النظر في سياساتها بما يحفظ ما تبقى من ماء الوجه.

ويرى هؤلاء المحللون انه خير دليل على تورط تركيا في دعم داعش عندما أكدت وثائق سياسية نشرت على الإنترنت أن الشاحنات تعود للاستخبارات التركية وتنقل أسلحة وذخائر إلى مسلحين في سوريا.

في الوقت نفسه يرى بعض المحللين أن قبول أنقرة على مضض الانضمام الى التحالف الدولي لمحاربة داعش وعزوفها عن القيام بدور قيادي يبين أن الحكومة التركية لها دور بارز في صنع هذه التطورات السياسية والامنية المضطردة، فمنذ بداية الحرب السورية قبل عامين ونصف العام، انتهجت تركيا سياسة الباب المفتوح فوفرت شريان حياة للمناطق التي يسيطر عليها المعارضون المسلحون وسمحت لمقاتلي بتنظيم نفسه على أراضيها.

لذا يرى محللون آخرون إن التحدي الذي تواجهه تركيا يتمثل في تحقيق التوازن بين ضرورة الوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها الغربيين والاقليميين دون أن تصبح هي نفسها هدفا للإرهابين الذين دعمتهم وباتوا يسيطرون على مساحات من الأرض تلاصق حدودها الجنوبية.

لكن مع سيطرة داعش على أراض في الشمال بالقرب من الحدود في المدة الاخيرة يرى أغلب المحللين أن هذه الاستراتيجية خاطئة، فقد اخذت تلقي بظلالها على التوازن السياسي والامن الاقليمي الهش في المنطقة، وهذا ما سببت لتركيا أزمات متعددة نتيجة لسياستها المتخبطة، باتت في مواجهة تهديد أمني جديد على حدودها المعرضة للخطر أصلا مع ظهور تنظيم داعش في أجزاء من شمال سوريا، مما اثار تساؤلات حول تأييدها الشامل للمعارضين الذين يقاتلون الرئيس بشار الأسد، ووجدت أنقرة نفسها في مواجهة اتهامات بأن تأييدها المطلق للمعارضة أتاح دخول السلاح والمقاتلين الاجانب إلى شمال سوريا وسهل ظهور جماعات متطرفة.

وعليه تكشف المعطيات آنفة الذكر سياسية الرياء التركية لإخفاء النوايا المبيتة والرهانات الشبه حتمية والحقيقية الموجود لدى تركيا، وقد اتضح جليا من خلال اعتمادهما على سياسة الغموض الاستراتيجي، التي تجسدها ديمومة الجدلية والمراوغات السياسية وصراع الأجندة، داخل تركيا وخارجها، والتي تنعكس بصورة مباشرة على سير العمل في محاربة داعش في سوريا والعراق.

تركيا لن تشارك في المعارك ضد داعش

من جانبه اعلن رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو في تصريحات نشرتها الصحف التركية ان تركيا لن تشارك في المعارك ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق لكنها ستدعم ادارة هذا البلد في مكافحة الجهاديين. بحسب فرانس برس.

وقال داود اوغلو في التصريحات التي ادلى بها لصحافيين يرافقونه الى نيويورك حيث سيجري محادثات مع الاوساط المالية ان "تركيا لن تشارك في اي نزاع مسلح في العراق او سوريا"، مؤكدا "نحن ندعم الهجوم في الموصل لكننا لن ندخل مباشرة في المعارك"، وكان وزير الدفاع التركي عصمت يلماظ اكد خلال زيارة الى بغداد دعم بلاده للعراق في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية، وفي تدريب قواته وتجهيزها.

وجاءت زيارة يلماظ لبغداد غداة ارسال انقرة طائرتين عسكريتين محملتين بالمساعدات العسكرية للعراق الذي يواجه معارك على جبهات عدة ضد تنظيم الدولة الاسلامية الذي سيطر على مساحات واسعة من البلاد منذ حزيران/يونيو، وقال مصدر عسكري في انقرة ان هذه المساعدات لا تشمل اسلحة، وصرح رئيس الحكومة الاسلامية المحافظة ان بلاده "تريد ان تنحسر المخاطر على حدودها مع سوريا والعراق" التي يسيطر جهاديون على مناطق كبيرة منها. وقال "لا نريد تهديدا ارهابيا على حدودنا".

فضحية دعم مباشر

في سياق متصل قال الرئيس التركي إن الصحافي الذي نشر مقالا اتهم فيه الاستخبارات التركية بنقل أسلحة إلى الإسلاميين في سوريا "سيدفع ثمنا باهظا لذلك". وهدد أردوغان "علنا" صحيفة جمهورييت اليومية التي نشرت صورا لشحنات من تلك الأسلحة. وهي قضية تسببت في فضيحة سياسية غير مسبوقة.

هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "علنا" صحيفة نشرت صورا قيل إنها لشاحنات تابعة لجهاز الاستخبارات التركي تحمل أسلحة إلى المجموعات المتطرفة في سوريا، وذلك قبل أقل من أسبوع على الانتخابات. وقال أردوغان "أعتقد أن الشخص الذي كتب هذا المقال الحصري سيدفع ثمنا باهظا لذلك (...) لن أسمح له بالإفلات من العقاب". بحسب فرانس برس.

ونشرت صحيفة "جمهورييت" اليومية المعارضة في نسختها الورقية وعلى موقعها الإلكتروني صور قذائف هاون مخبأة تحت أدوية في شاحنات مؤجرة رسميا لصالح منظمة إنسانية، اعترضتها قوة درك تركية قرب الحدود السورية في كانون الثاني/ يناير 2014، لكن نظام أنقرة، الذي يشتبه حلفاؤه الغربيون بدعمه هؤلاء المقاتلين الإسلاميين المتطرفين وضمنهم تنظيم "الدولة الإسلامية"، نفى هذه الاتهامات، مؤكدا أن القافلة كانت محملة بالأدوية. وكرر أن "هذه التصريحات وهذا التشهير والعملية غير القانونية ضد أجهزة الاستخبارات، هي إلى حد ما عمل تجسسي.. وهذه الصحيفة متورطة أيضا في هذا النشاط التجسسي".

وقال أردوغان إن عملية تصوير الشاحنات جرت بأوامر من الداعية فتح الله غولن، حليفه السابق الذي يتهمه منذ شتاء 2013 بمحاولة الإطاحة بالحكومة. ووصف رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في مقابلة مع وكالة فرانس برس ما نشرته صحيفة "جمهورييت" بأنه "تلاعب بالانتخابات"، من جهته، رد رئيس تحرير الصحيفة كان دوندار الاثنين على صفحته في موقع تويتر ساخرا من تهديدات أردوغان. وقال إن "الشخص الذي ارتكب الجريمة سيدفع ثمنا باهظا. نحن لن نسمح له بالإفلات من العقاب".

تركيا في مواجهة المتعاطفين مع داعش

فيما قضى زوج دفني بيرق في هجوم انتحاري نفذه في أفغانستان عام 2009 وقتل فيه عملاء للمخابرات المركزية الأمريكية، والآن أصبحت هي واحدة من مئات الأتراك الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لإظهار تأييدهم لتنظيم الدولة الاسلامية في سوريا والعراق، لكن جيوب وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا تحفل بالنشاط المؤيد لتنظيم الدولة الاسلامية كما أن ستة مواقع على الانترنت على الأقل تنشر تقارير يومية عن دولة الخلافة التي أعلنها التنظيم في أراض مقتطعة من سوريا والعراق، وجاء في استطلاع للرأي أجرته شركة متروبول في أكتوبر تشرين الأول الماضي أن ما يصل إلى 12 في المئة من الأتراك لا يرون أن التنظيم جماعة ارهابية.

وقال بهادير دينسر خبير الشرق الأوسط في مركز أوساك للأبحاث في أنقرة "منذ البداية لم تستوعب تركيا بالكامل خطر شبكات الدولة الاسلامية. والآن أصبح تفكيكها محفوفا بمخاطر أكبر"، وأضاف "الخطر رقم واحد لتركيا الآن هو هجوم تنفذه داعش (الدولة الاسلامية) ... وهذا خطر كبير بالنسبة للحكومة قبل الانتخابات".

ويتصدر شعار الدولة الاسلامية صفحة بيرق على تويتر التي تمتليء بصور مقاتلي التنظيم. وفي الاسبوع الماضي كتبت بيرق تغريدة قالت فيها إنها "هاجرت إلى أرض الخلافة"، وأضافت "قال الناس إن الدولة الاسلامية تتهم الناس بأنهم كفار وتشنق الناس وتقتلهم. وأنا لم أر شيئا من ذلك منذ وصولي"، وقالت في تغريدة أخرى "سيمن الله على خلفائهم بفتح روما".

وقدر وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو أن عدد الأتراك الذين انضموا للدولة الاسلامية يتراوح بين 500 و700 أي أقل ممن انضموا للتنظيم من بعض الدول الأوروبية رغم أن بعض الدبلوماسيين قدروا عدد الاتراك بالالاف، وقدر مسؤولون أمريكيون أن ما يصل إلى 15 ألف مقاتل أجنبي موجودون في سوريا وحدها من بينهم ثلاثة آلاف من دول غربية وصل كثيرون منهم إلى سوريا عن طريق الحدود التركية.

تقول السلطات التركية إنها منعت أكثر من 7000 شخص يسعون للانضمام للجهاديين من دخول تركيا في السنوات الأخيرة، وشهدت تركيا العشرات من حالات الاحتجاز والترحيل في الشهور الأخيرة كان أحدثها لزوجين بريطانيين وأطفالهما الأربعة الذين يعتقد أنهم كانوا يحاولون السفر إلى جزء من سوريا يسيطر عليه تنظيم الدولة الاسلامية.

غير أن هذه الحملة التي نفذتها تركيا تحت ضغط من شركاء أوروبيين يشعرون بالقلق أدت إلى زيادة مخاطر أن تصبح تركيا نفسها هدفا للمتشددين العائدين، وحذر رجل الدين التركي خالص بايانجوك - الذي اعتقل عدة مرات للاشتباه في أنه يدعم تنظيم القاعدة - أنقره من القيام بدور أنشط في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على الدولة الاسلامية.

وقال بايانجوك المكنى بأبي حنظلة في مصلى كان من قبل شقة سكنية في أحد الأحياء الفقيرة باسطنبول "أعتقد أن تركيا سيصيبها الأذى بسبب ذلك"، وأضاف "لا أدري ما نوع الأذى. لكن إذا اتحدت مع الغرب في حربه... فإنك تفقد كل الشرعية في عيون الناس في الشرق الأوسط"، واعتقل بايانجوك ثلاث مرات في الفترة من 2008 إلى 2014 للاشتباه في كونه عضوا في تنظيم القاعدة.

وقالت وسائل الاعلام التركية إن شبهات تحوم حول بايانجوك البالغ من العمر 31 عاما بأنه جمع تبرعات لجماعات متشددة ومساعدة مقاتلين أجانب على اجتياز الحدود والعبور إلى سوريا، وهو ينفي بشدة أن أتباعه الذين يقرأ كثير منهم خطبه ومقالاته على الانترنت تربطهم أي صلات بتنظيم القاعدة أو بالدولة الاسلامية، وفي حين أن الموقع الذي يكتب له بايانجوك لا يثني على الدولة الاسلامية أو الجماعات الاسلامية المتشددة فإن مواقع أخرى ما زالت مفتوحة أمام المستخدمين تثني على هذه التنظيمات علانية وذلك رغم القوانين الجديدة التي استخدمتها الحكومة في حجب تويتر وفيسبوك وغيرها من المواقع التي اعتبرتها مخالفة، وقال دبلوماسي غربي "إذا بدأت تركيا في إيذاء هذه الشبكات وبعضها يعمل بكامل طاقته فسيحدث رد فعل وهي تخشى ذلك".

مواجهة تسلل الارهاب

على صعيد آخر اوقفت السلطات التركية بعد تلقيها تنبيها من لندن اسرة بريطانية كانت تستعد للتوجه سرا الى سوريا للانضمام الى صفوف تنظيم الدولة الاسلامية، حسبما اعلن مسؤول تركي، واضاف المسؤول الذي رفض الكشف عن هويته لوكالة فرانس برس "تلقينا معلومات من الشرطة البريطانية في 19 نيسان/ابريل مفادها ان بريطانيا وزوجته واولادهما الاربعة يمكن ان يتوجهوا الى سوريا للانضمام الى تنظيم الدولة الاسلامية".

وتعقبت الشرطة التركية اثر الاسرة التي دخلت البلاد قادمة من اليونان برا في 16 نيسان/ابريل، والرجل في ال33 بينما زوجته في ال29 وبين اطفالهما رضيع، واوضح المسؤول ان "الشرطة التركية لاحقت الزوجين واوقفتهما في فندق بحي اوستيم في انقرة بعد 24 ساعة على تلقي الاشارة" من الشرطة البريطانية. بحسب فرانس برس.

واضاف ان "الاسرة الموقوفة حاليا لدى الشرطة في انقرة ويفترض ان يتم ترحيلها بحلول نهاية الاسبوع"، وغالبا ما تتعرض انقرة لانتقادات من قبل شركائها الغربيين لوقف تدفق طالبي الجهاد الذين يريدون الانضمام الى تنظيم الدولة الاسلامية.

الا ان تركيا عززت مؤخرا اجراءات المراقبة على الحدود وقامت بطرد تسعة بريطانيين كانوا يحاولون التوجه الى سوريا. والشهر الماضي، رحلت تركيا الى بريطانيا امراة وثلاثة فتيان بريطانيين بعد الاشتباه بانهم يريدون الالتحاق بالجهاديين.

الى ذلك ذكرت وكالة الانباء التركية دوغان ان محكمة في اسطنبول اتهمت رسميا 17 عسكريا لاعتراضهم في كانون الثاني/يناير 2014 بامر من مدع، قافلة لاجهزة الاستخبارات التركية كانت متوجهة الى سوريا، في اطار قضية مثيرة للجدل.

وهؤلاء العسكريون الذين اوقفوا هم من افراد الدرك التابع للجيش في تركيا. وقد اتهموا خصوصا بالانتماء الى منظمة ارهابية والعمل لحساب "دولة موازية" التعبير الذي يستخدمه الرئيس رجب طيب اردوغان للاشارة الى عدوه اللدود الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، وكان هؤلاء العسكريون اعترضوا في اضنة جنوب تركيا على الحدود مع سوريا، قافلة شاحنات متوجهة الى سوريا. وحاول عناصر الاستخبارات الذين كانوا يرافقون الموكب منع العسكريين من تفتيش الشاحنات التي يشتبه بانها كانت تنقل اسلحة للمعارضة السورية، ويحاكم 19 من افراد الاستخبارات العسكرية التركية الحاليين بتهمة "التجسس" في اطار هذه القضية ويمكن ان يحكم عليه بالسجن لمدد طويلة. بحسب فرانس برس.

واكدت السلطات ان الاشخاص على متن الشاحنة كانوا في مهمة رسمية، وتابعت الشاحنات طريقها بينما اعلنت الحكومة التي شعرت باستياء كبير انها تنقل مساعدات الى الاقلية التركمانية في شمال سوريا ونفت وجود اي اسلحة على متنها، وابعد العسكريون الذين قاموا بتفتيش الشاحنات عن وظائفهم بعد ذلك، وصوت البرلمان منذ ذلك الحادث على قانون مثير للجدل يمنح صلاحيات اكبر للاستخبارات التركية وخصوصا حصانة قضائية لاعضائها خلال ممارستهم مهامهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0