حلف شمال الأطلسي المعروف باسم "الناتو" هو أهم حلف عسكري في العالم تشارك كلّ دولة عضو فيه بقوات عسكرية وتوفر الخدمات اللوجيستية اللازمة لعمله يقوم الحلف على مبدأ يعتبر أن من اعتدى على أي دولة عضو فكأنما اعتدى على الجميع، تأسس عام 1949 بناءً على معاهدة شمال الأطلسي التي تم التوقيع عليها في واشنطن في 4 أبريل 1949 يوجد مقر قيادة الحلف في بروكسل عاصمة بلجيكا وللحلف لغتان رسميتان هما الإنجليزية والفرنسية، الدور الرئيسي لهذا الحلف هو حراسة حرية الدول الأعضاء وحمايتها من خلال القوة العسكرية، ويلعب دوره من خلال الأزمات السياسية، وكلّ الدول الأعضاء فيه تساهم في القوى والمعدات العسكرية التابع له ما ساهم في تحقيق تنظيم عسكري لهذا الحلف هناك دول ذات علاقات ممتازة بحلف الناتو إلا أنها ليست جزءاً منه رسمياً وتعرف بالحلفاء الرئيسيين لحلف الناتو .

على الرغم من أنّ حلف الناتو تشكّل استجابة لضرورات الحرب الباردة النامية، إلا أن الناتو استمر إلى ما بعد نهاية هذا الصراع، مع توسيع العضوية لتشمل بعض الدول السوفيتية السابقة، ليبقى حلف الناتو أكبر تحالف عسكري في زمن السلم في العالم، بعد الدمار الذي سببته الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، كافحت دول أوروبا لإعادة بناء اقتصادها وضمان أمنها فكانت بحاجة إلى تدفُّق هائل من المساعدات لتأسيس صناعتها، وإعادة الحياة إلى شوارعها كمرحلة أولى كما كانت بحاجة إلى تأكيدات أمنية ضد القوة الألمانية وتوغلات الاتحاد السوفييتي.

التعاون بالنسبة لحلف الشمال الأطلسي

برزت بعض المشاكل والأزمات بين أعضاء حلف الشمال الأطلسي "الناتو" خلال الفترة الأخيرة، وفي الواقع يمكن القول إن من أشعل شرارة هذه المسألة هو الرئيس الأمريكي "ترامب"، من المعروف أن الأخير يخلق نزاعات مختلفة مع حلفائه في الناتو وخصوصاً ألمانيا، إذ تُعتبر ألمانيا الدولة الأوروبية الأقوى على الصعيد الاقتصادي، ولذلك ينظر إليها ترامب على أنها السبب الرئيس في بعض الأعمال التي تؤدي إلى زعزعة توازن التجارة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي، لكن في الوقت نفسه إن جميع الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا تُعتبر حلفية استراتيجية لأمريكا، لذلك عندما انتقد ترامب الدول الأوروبية أفاد رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي "تاسك" بهذه العبارات: "نظراً إلى النقص الواضح في عدد أصدقاء ترامب يتوجّب عليه إدراك قيمة حلفائه" مشيراً من خلال ذلك إلى أهمية هذه المسألة.

عقب الانتقادات الأوروبية لمواقف أمريكا ردّ ترامب بضرورة توجيه الأنظار نحو ألمانيا بدلاً من دولته، ملمّحاً بذلك إلى أن ألمانيا أصبحت تحت سيطرة روسيا، والمقصود في هذا التلميح هي الإشارة إلى المبالغ المادية الضخمة التي دفعتها ألمانيا لروسيا من أجل مصادر الطاقة، وعلى الرغم من وصف ترامب لحليفته ألمانيا بهذا الشكل إلا أنه لم يتردّد في قول: "نحن نتّفق جيداً مع ميركل"، إن موقف ترامب دفع ألمانيا للشعور بضرورة التصريح بأنها دولة محليّة وقوميّة، لكن عندما تتعلّق المسألة بألمانيا فإن هذه المبادرة لا تُعتبر دلائل للخير، لأن استمرار الظروف ومواقف ألمانيا في هذا المنوال قد يؤدي لتحوّل الأخيرة إلى مركز للميول العرقية، والاختلافات العرقية تحمل معها دوافع الفاشية، وبالتالي إن الفاشية ستفرض على ألمانيا إعلان العداوة ضد الجميع.

في هذا السياق إن المشاكل والمخاطر البارزة تدفعنا للتساؤل حول فعاليات الناتو وتأثيره في هذا الصدد، إذ أشارت نتائج اجتماع حلف الناتو إلى وجود بعض الحلول لهذه المشاكل، وهذ الحلول تفرض على الدول الأعضاء التعاون والتحالف في إطار مكافحة الإرهاب، والعمل المشترك ضد التهديدات التي تواجهها أي دولة من أعضاء الحلف، ومن جهة أخرى حاول الناتو لفت الانتباه إلى أن المخاطر التي تهدّد أمان تركيا تُتعبر تهديداً بالنسبة لحلف الناتو أيضاً.

التحالف في ازمة

تحدد الهدف الرسمي لحلف شمال الأطلسي بعد لقاء قمة في 2014 في زيادة نفقات الدفاع حتى 2024 "في اتجاه" أن تشكل 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وفي الوقت الذي أنفقت فيه الولايات المتحدة الأمريكية في 2018 ما يعادل 3.39 في المائة من ناتجها الإجمالي، فإن القليل من الأعضاء الأوروبيين في الحلف وصلوا خلال السنة الماضية إلى هدف 2 في المائة، وصرفت ألمانيا فقط 1.23 في المائة وحتى في مخطط الميزانية الألمانية الأخير لن يتحقق ذلك الهدف.

وعدت ميركل حتى 2024 بالوصول إلى 1.5 في المائة، وترامب يطالب "على الأقل" باثنين غير أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي المشارك في التحالف الحكومي في برلين يضغط على الفرامل عندما يتعلق الأمر بنفقات الدفاع والخلاف يستمر إلا أن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي يبقى متفائلا، ويشدد على أن أعضاء الحلف تجاوزوا دوما خلافاتهم في الرأي، واتفقوا في النهاية على أن أمريكا الشمالية وأوروبا توفران الأمن من خلال التضامن.

اسباب انقسام حلف شمال الأطلسي

بشأن حلف شمال الأطلسي تدور الشكوك حول مصداقية الالتزامات الأمنية الأميركية في أوروبا أدت هذه الحالة من عدم اليقين بدورها إلى تعميق الخلافات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي وبين أعضاء حلف شمال الأطلسي في أوروبا، ورغم أن هذه الانقسامات لا تدور بين أوروبا الغربية والشرقية، فإنها تعكس فارقين إقليميين رئيسيين، يكمن الانقسام الأول بين الدول التي تتبنى نظرة مسترخية نسبياً للتحدي الأمني الذي تشكله روسيا وتلك التي ترى فيها تهديداً كبيراً وفورياً لرفاهتها.

ومنذ تخلت ألمانيا عن مركز المواجهة الذي كانت تتخذه خلال مواجهة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فإنها كانت تعتبر حلف شمال الأطلسي في المقام الأول أداة سياسية أكثر من كونه أداة للدفاع الفعّال والتدخلات خارج المنطقة وعلى هذا فإن صناع السياسات الألمان يتمتعون بترف النظرة المجردة إلى مصداقية الولايات المتحدة والتي تعتمد في الأغلب على تصريحات ترمب وتغريداته في حقيقة الأمر، تدور في برلين أحاديث كثيرة هذه الأيام حول زيادة "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" عن الولايات المتحدة.

لكن دول خط المواجهة اليوم، بما في ذلك بولندا، ودول البلطيق، ورومانيا، لا تتمتع بترف التفكير على هذا النحو فهي بدافع الضرورة، تقيس المصداقية الأميركية أولاً وقبل كلّ شيء وفقا لما تقوم به إدارة ترمب والمؤسسة العسكرية الأميركية من أفعال على الأرض ومن منظور هذه الحكومات، تشكل حقيقة نشر الولايات المتحدة لقواتها ومشاركتها في المناورات العسكرية في المنطقة أهمية أكبر كثيرا من تغريدات ترمب المناهضة لحلف شمال الأطلسي.

كما ينقسم أعضاء حلف شمال الأطلسي في أوروبا في ما يتعلق بالدور الذي تلعبه الأسلحة النووية فلا تبالي ألمانيا بمثل هذه القضايا، وحتى في الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي من أوروبا الشرقية، يبدو أن المسؤولين والأكاديميين لديهم أقل القليل من المعرفة التفصيلية حول سياسة الأسلحة النووية على سبيل المثال، تؤكد دول البلطيق بدلا من ذلك على الدفاع ضد تهديدات الأسلحة الهجين أو غير النووية.

ويرى أعضاء حلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية تواجد الأسلحة النووية الأميركية في أوروبا من منظور استراتيجي سياسي، والمهم في نظرهم ليس التفاصيل حول المحصلة التفجيرية للأسلحة، أو أنظمة إيصالها، أو مواقعها، بل ببساطة حقيقة وجودها هناك بالنسبة للأوروبيين الشرقيين، تدعم هذه الأسلحة التزام أميركا السياسي بأمن القارة وعلى هذا فإن مطالبات الساسة الألمان، وخاصة على اليسار، بإزالة هذه الأسلحة من المرجح أن تستقبل بالعداء في بولندا والدول الأخرى الشرقية المجاورة لألمانيا.

بينما يعمل ترمب على زيادة حرارة الجدال الدائر حول تقاسم الأعباء ويواصل هجماته على حلف شمال الأطلسي وأعضائه فرادى، فمن المرجح أن تزداد الانقسامات الأوروبية عمقاً، ويتعين على حكومات أوروبا أن تدير هذه الصراعات بينما تسعى جاهدة لجعل القارة أكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي على المستويين الأمني والدفاعي والسؤال المهم حقا الآن هو ما إذا كانت حكومات أوروبا لتفعل ذلك، وكيف ــ وليس ما إذا كان في الإمكان تحريك بضع مئات من القوات من ألمانيا إلى بولندا.

سيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: الوضع الراهن "الركود الحميد": في حالة فشل حلف شمال الأطلسي في إجراء أي تغييرات كبيرة من حيث تلبية المساهمة بـ 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي لاسترضاء انتقادات الولايات المتحدة للتحالف فإن ذلك سيتسبب في أن تتخذ إدارة ترامب أو من يخلفها موقفاً نقدياً متزايداً تجاه الدول الأوروبية، مما يتركها مهمشة في السياسة العالمية وفي الوقت نفسه، تتسبب المخاوف الأمنية من توسيع اعضاء الحلف وسعى روسيا لغزو الدول المنضمة في أن يصبح التحالف مشلولاً بشكل متزايد في الأزمات المستقبلية أيضاً، تواصل تركيا النمو أكثر بعيدًا عن الحلف، وتتحرك لتعزيز العلاقات مع روسيا والصين كل ذلك سوف يصب في استمرار الحلف على وضعه الحالي، ولكنه سيميل بشكل متزايد ليشبه تنظيمًا سياسيًا وليس تحالفاً عسكرياً.

السيناريو الثاني (المتفائل)، استمرار الحلف (تنامي النفوذ): أن استمرار الحلف مرهون بزيادة انفاق الدول الأوروبية لمساهمتها في ميزانية الحلف، بناء على طلب الولايات المتحدة الأمريكية التي تسهم بأكثر من ثلثي ميزانية الحلف، حيث اعترض ترامب على حالة عدم المساواة في تقاسم الأعباء بين الولايات المتحدة، وبقية أعضاء الحلف بشأن الإسهام في ميزانية الحلف، خاصة أن هناك خمس دول فقط من بين 28 دولة أعضاء الحلف تفي بالتزاماتها من حيث تحديد نفقاتها الدفاعية بنسبة 2% في الحد الأدني من الناتج الإجمالي المحلي، وهي الولايات المتحدة، وبريطانيا، واليونان، وبولندا، واستراليا، خاصة أن الناتج الإجمالي المحلي لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة أقل من 17 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يقل عن الناتج الإجمالي المحلي للولايات المتحدة بقيمة تزيد على تريليون دولار كما أن هناك فارقاً شاسعاً في الميزانيات العسكرية للجانبين. ففي حين تبلغ النفقات الدفاعية للولايات المتحدة نحو 618.7 مليار دولار أمريكي، في حين لا تتجاوز نفقات دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة 219 مليار دولار أمريكي.

ومن ثم فإن زيادة الانفاق الأوروبي على الحلف من شأنه تقليل تحديات أمن أوروبا ومن ثم يحافظ على عدم انكشافها الاستراتيجي أمام النفوذ الروسي المتنامي، لاسيما دول البلطيق الثلاث "استونيا، ولاتفيا، وليتوانيا" وهذا ما يعزز استمرار الحلف، وما يؤكد ذلك ما أشار إليه الرئيس الأمريكي، خلال إلقاء خطاب التنصيب، بالقول "سنعزز تحالفاتنا القديمة" ويعني ذلك إدراك الولايات المتحدة الأهمية الاستراتيجية للحلف، على ضوء دور دول الحلف في دعم الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكذلك الدعم الأوروبي للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان، حيث بلغ عدد القتلي الأوروبيين ألف قتيل، ويؤكد ما سبق أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيظلان بحاجة إلى حلف الناتو خاصة لملء الفراغ الذي قد تشهده منطقة الشرق الأوسط وغيرها من المناطق.

السيناريو الثالث(الأسوأ)، تفكك الحلف (تأسيس جيش أوروبي): أن تلجأ الدول الأوروبية الاعضاء في الناتو إلى زيادة انفاقها العسكري ولكن ليس لصالح الحلف بل لصالح البدائل المطروحة وأهمها تأسيس جيش أوروبي بقيادة فرنسا وألمانيا يتحمل المزيد من المسؤولية عن الأمن الأوروبي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما يكثفون أيضاً من تنسيقهم العسكري ليجعلوا أنفسهم أقل اعتماداً على الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت للحيلولة دون توسع النفوذ الروسي في القارة، ومنع أي محاولات غزو روسية للدول الأوروبية وخاصة دول البلطيق، وهو ما من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من حلف شمال الأطلسي بهدف تركيز المزيد من مواردها العسكرية على منطقة المحيط الهندي والهادئ ، أو الشرق الأوسط، أو نصف الكرة الأرضية الخاص بها، يمكن لتركيا، التي تتعارض على نحو متزايد مع أعضاء الاتحاد الأوروبي ، أن تلجأ لإقامة علاقات دفاع وثيقة مع روسيا أو الصين، أو كليهما من خلال منظمة تعاون شنغهاي.

السيناريو الرابع "سيناريو الحرب": سيكون بداية هذا السيناريو بإعلان احدى الدول الأوروبية رغبتها في الانضمام للحلف وسعيها لاجراء استفتاء شعبي مثلما تم كان مزمع حدوثه في أوكرانيا، خاصة بعد إجراء استطلاع رأي في يوليو عام 2018، وأظهر أن 45% مؤيدة الانضمام للحلف، في هذه الحالة يمكن توقع غزو روسي لأوكرانيا ويمكن التنبؤ بأن ما يحدث بين روسيا وأوكرانيا الآن من حجز سفن أوكرانية هو ارهاصات لتحرك عسكري مرتقب أو تمهيد أو تهديد بغزو وذلك مع استمرار معدل إنفاق الدول الاعضاء في الحلف على نمط انفاقها، وهو ما سيترتب عليه تدخل الحلف لإيقاف روسيا عن غزوها لدولة ترغب في الانضمام إليه رغم أنها فعليا ليست عضو ومن ثم لا ينطبق عليها المادة الخامسة للدفاع.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ الوثائقي)

.................................
المصادر
- بروجيكت سنديكيت
- عربي بوست
- الغد الاردني
- Geostrategic Media
- ترك برس
- DW
- جريدة الراية
- سبوتنك عربي

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0